
الإرتداد بَعْدَ الإِيمان
ثم قالت سيدة النساء فاطمة الزهراء(ع)
(فلما اختار الله لنبيه (ص) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النِفاق،وسمُلَ جِلبابُ الدين ونَطَقَ كاظِمُ الغاوين وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلّينَ وهَدَرَ فَنيقُ المُبطِلين ، فَخَطَرَ في عَرَصاتِكم وَأطْلَعَ الشَيْطانُ رأسَه مِن مَغرِزِه هاتِفاً بِكُم فَأَلْفاكُم لِدَعْوَتهِ مُستَجيبين ولِلغِرَّةِ فيه ملاحِظينَ)
كان المسلمون على عهد رسول الله مؤتمرين بأوامره ومنتهين بنواهيه لا يخرج أحد منهم عن أمره، وكانوا لا يأتون بأية حركة إلا بعد استشارته والرجوع إليه، فإن وافق فعلوا، وإن منع امتنعوا، وقد كانوا مطيعين له بكل ما للكلمة من معنى، وكانوا في غاية الحذر من الوقوع في الخطأ، فلو نظرت إليهم لحسبتهم ملائكة من السماء تمشي على الأرض، ولا عجب من ذلك، لأن كثيراً من الناس من عهد آدم وإلى هذا العهد ظاهرهم ملائكي وباطنهم شيطاني، وهو من أهم الوسائل المتبعة لدى أهل النفاق، حيث لا يستطيع المنافق أن يتسلل إلى المجتمع الإسلامي إلى من خلال التستر بثوب الدين والأخلاق الفاضلة، وكان النبي(ص) يعلم ما يدور في ضمائرهم، ولكنه لم يقدر في تلك المرحلة أن يحرك ساكناً أو يدين أحداً منهم حيث لم يظهروا ما في داخلهم، فلو حكم عليهم بسبب ما يدور في نفوسهم لقامت الدنيا عليه واتهموه بالظلم، فاقتضت الحكمة النبوية أن يسكت عنهم، وبقي الأمر كذلك حتى اختار الله لرسوله دار الآخرة التي عبّرت عنها الزهراء(ع) بدار الأنبياء ومأوى الأصفياء، فعندما التحق النبي بالرفيق الأعلى كشّروا عن أنيابهم وكشفوا الأقنعة عن وجوههم وفجروا الغيظ الذي كان يرتكز في قلوبهم منذ زمن بعيد تجاه أهل الحق وقادة أهل الإيمان.
لذلك خاطبتهم الزهراء قائلة(فلما اختار الله لنبيه (ص) دار أنبيائه ومأوى أصفيائه ظهرت فيكم حسيكة النِفاق،وسمُلَ جِلبابُ الدين ونَطَقَ كاظِمُ الغاوين)
وهي العداوة لأهل البيت والحقد عليهم، وأكبر شاهد على ذلك هو ما صنعوه ضد الزهراء يوم هجموا على دارها بتلك الطريقة المتجاوزة لجميع الحدود والخطوط الحمراء.
وهذه كلها تعابير عن فلتان الأمر بعد وفاة الرسول(ص) فسمل جلباب الدين، أي أنه شُوه بسبب افتراءاتهم، ونطق كاظم الغاوين، وهو الذي كان ساكتاً على عهد رسول الله فلم يتجرأ على الكلام إلا بعد أن خلت الساحة من شخص النبي(ص).
ثم تابعت كلامها فقالت:
(وَنَبَغَ خامِلُ الأَقَلّينَ وهَدَرَ فَنيقُ المُبطِلين ، فَخَطَرَ في عَرَصاتِكم وأطلع الشيطان رأسه من مغرزِه هاتفاً بكم)
لقد أصبح للأراذل ألسنة ينطقون بها بعد أن كانوا ساكتين خائفين، لأن تَجَرُّأ أصحاب المطامع على الدين وعلى النبي وآله شجع الجبناء على الكلام والوقوف في وجه أهل الحق، ولكنهم بقوا خائفين من أهل الضلال، فلم يكونوا أقوياء إلا في وجه أهل البيت، وهدر فنيق المبطلين، والفنيق هو الفحل من الإبل، فخطر في عرصاتكم أي أنه صار له وجود عندكم بعد انعدامه في زمن الرسول.
لقد أطلع الشيطان رأسه من مخبئه وصاح بكم فاستجبتم له وعصيتم أمر ربكم.
وتتابع الزهراء وصف الحالة التي كان عليها المسلمون فتقول محدثة عن الشيطان وأثره فيهم بعد وفاة الرسول فقالت:
(ثمّ اسْتَنْهَضَكُم فَوَجَدَكُم خِفافاً ، وأحْشَمَكُم فَألفاكم غِضاباً ، فَوَسَمْتُم غَيْرَ إبِلِكُم ، وَوَرَدْتُم غَيْرَ مَشْرَبِكُم)
لقد حركهم الشيطان لتنفيذ مآربه ضد الحق فوجدهم خفافاً مطيعين لأمره ضعفاء أمام وسوسته، فاستفزكم وأحمشكم فوجدكم سريعي الغضب، أي أنكم مؤهلون للوقوع في المخالفة بشكل سريع، وهذا ما يطلبه الشيطان ويريده في جنوده.
ثم قالت: (فَوَسَمْتُم غَيْرَ إبِلِكُم ، وَوَرَدْتُم غَيْرَ مَشْرَبِكُم)
أي أنكم تملكتم ما ليس لكم واعتديتم على حق الغير ظلماً وعدواناً وعتواً وتكبراً، ووردتم شرباً هو في الأصل ليس لكم لأنكم غير المنصوبين من قبل الله تعالى، وأنتم تعرفون الحق كما تعرفون أنفسكم، غير أن الشيطان أغواكم فرُحتم تطلبون ما لا يحق لكم.
الشيخ علي فقيه


