
روايات من واقع الحياة
تأليف الشيخ علي فقيه
أَنينُ الحَبيْبَة
قبل وصوله برفقة زوجته إلى تلك البقعة بيوم واحد شعرت الزوجة بدوّار خفيف مصحوب بحرارة مرتفعة، ولكنه سرعان ما زال عنها ذلك العارض بعد أن غسلت وجهها بالماء وشربتْ القليل منه وقد جلست ساعة في الظل، ولكنها لم تعبأ بما حدث لها رغم أنه كان نذير شؤمٍ لم تلتفت إليه إلا بعد فوات الأوان.
وبعد أن نصب يافع الخيمة وأحضر بعض الحوائج اللازمة، وأهمها الماء، ناما فوراً من شدة التعب، فلقد مشوا في اليوم السابق ضعف ما مشوه في الأيام السابقة بهدف بلوغ مكان مناسب للمبيت.
وفي فجر اليوم الثاني استيقظ يافع مرعوباً على أنين زوجته التي كانت تتقيأ بشدة، وكانت حرارة جسمها مرتفة جداً فنهض من فراشه لا يدري ماذا يصنع لها في ليلٍ حالكٍ ومكانٍ قفْرٍ، ولم يكن معه العقّار اللازم، فراح يهدئ من روعها ويضع لها الماء على وجهها ثم استمهلها لدقائق علّه يجد عشبةً لخفض حرارة الدم، فخرج مسرعاً وبدأ يبحث عن العشبة المطلوبة فوجدها في مكان مرتفع يصعب الوصول إليه، ولأنّ الحاجة أم الإختراع صنع سلماً من الخشب الموجود في المكان ووصل إلى العشبة فقطفها وعاد أدراجه على وجه السرعة ليُنعش زوجته، ولم تكن الشمس قد أشرقت بعد، ولهذا تعثّر بحجر كبير كان يتوسط الطريق فسقط على الأرض وبدأ يصرخ من شدة الألم، فجلس بعد أن عجز عن الوقوف، ثم بدأ الألم يزداد شيئاً فشيئاً وملأ صراخه أرجاء المكان وبدأ يستغيث بالغريزة وهو يعلم أنه لا يوجد بشر في مكانه ولن يسمعه أحد مهما علا صوته، وبقي على تلك الحالة حتى فقد وعيه بالكامل.
لقد حصل له ذلك قُبيل شروق الشمس وبقي ملقى على الأرض فاقداً وعيه لساعات حتى استعاد وعيه بسبب نباح كلبٍ كان في المكان، ففتح عينيه وإذ بالشمس في وسط السماء، فأدرك حينها المدة التي قضاها في المكان ولم يكن يفكّر حينها سوى بمصير زوجته المريضة.
إتكأ على عصا وراح يمشي ببطئ متحملاً شدة الألم حتى وصل إلى باب الخيمة وبدأ ينادي زوجته ولكنها لم تردَّ جواباً، فدخل الخيمة على عَجَلٍ ولم يجدها في الداخل فجنّ جنونه وجلس على الأرض يبكي ويناديها ثم دخل في الصمت وكأنّ على رأسه الطير لا يعرف أين هي وما حلّ بها أو أنّ حيوانا مفترساً استغل ضعفها وافترسها ولم يعرف ماذا يصنع، لقد وقع في حَيرة قاتلة.

