
عِصْمَةُ الأَنْبِيَاء(ع)
قبل كل شيء يجب أن نضع أمامنا مفهوماً قرآنياً عقائدياً حول فِعْل الله تبارك وتعالى، وهو أن الله له أن يفعل في خلقه ما يشاء، ولا ينبغي أن يُسأل عما يصنع في خلقه، واعتقادنا بالله عز وجل أنه لا يفعل في خلقه إلا ما فيه المصلحة لهم إما في الدنيا وإما في الآخرة، فلا يوجد فعلٌ إلهي إلا وفيه فائدة لنا غير أننا نحن نجهل حقيقة تلك الفائدة في الأغلب.
لقد حسم الله تعالى هذا الأمر حيث قال(لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ){الأنبياء/23}
وقد اصطفى الله سبحانه من خلقه أنبياء أدلاء عليه، وحمّلهم رسالاته وأمرهم بتبليغها للبشر، وهنا يرد على الأذهان سؤال حول الروحية التي تمتّع بها الأنبياء، فهل هي نابعة من ذواتهم، أم أنّ الله تعالى خلقهم من الأساس ليكونوا أنبياء؟
وعلى هذا السؤال تتفرع الأبحاث ويكثر الكلام لأنه سؤال دقيق وحذِر، ولا يمكن أن نجيب عليه بشكل عشوائي أو سطحي أو بطريق عابر، فلا بدّ من الإجابة عليه بشكل يشبهه في الدقة والحساسية.
فلو قلنا بأن الله تعالى خلقهم من الأساس معصومين، وصنعه منذ اللحظة الأولى ليكونوا رسله إلى البشر، وحصّنهم بقوة العصمة كيلا يقعوا في الخطأ، فلو قلنا ذلك بشكل عابر فسوف نفهم الأمر بغير وجهه الصحيح ونصل إلى نتيجة تحطّ من شأن الأنبياء(ع) وتجردهم من الفضل، وهذا الحال ينطبق على الملائكة الذين كانوا معصومين بالتكوين لا يستطيعون أن يرتكبوا المعصية، وبشكل أوضع فإن الملائكة مجبورون على الطاعة، هذا رأي، وهناك رأي آخر يذهب إلى أنهم ذووا قابلية للخطأ ولكن خشيتهم من الله تعالى تمنعهم من ذلك.
أما قوله سبحانه في شأن الملائكة(شِدَادٌ لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ){التحريم/6} يمكن حمله على الوجهين إذ ربما يكون البيان هنا ناظراً إلى عصمتهم تكويناً، وربما يكون ناظراً إلى المعنى الآخر فيكون حكمهم حكم أي معصوم من البشر، ولكن الرأي الأول هو الأكثر رواجاً والأقرب إلى الواقع.
فالأنبياء(ع) بشرٌ ممتحَنون مثل غيرهم، ولأنهم حلماء عظماء أخيار فقد اصطفاهم الله تعالى لحمل الرسالة وتبليغ الدعوة، والدليل عليه هو أن العصمة واحدة، وهي قوة مميَّزة تمنع صاحبها من الخطأ، ولكن وجود التمايز والتفاضل بين معصوم وآخر يدل على أن صاحبها هو الذي يجعلها بمستوى أعلى من مستواها في معصوم آخر، وهذا يعني أن المعصوم قادر على فعل الخطأ، ولكنه لا يرتكب الخطأ.
ولو علم الله تعالى بأن هذا النبي سوف يعصي في شيء لما اختاره للنبوة من الأساس، ولذا يمكن القول بأن الأنبياء عصموا أنفسهم بأنفسهم وقد سددهم الله تعالى لأنهم أهلٌ لذلك.
فلو كان مفهوم العصمة هو القوة المانعة من ارتكاب الخطأ تكويناً لما كان للنبي أي فضل على غيره من العوام، وعلى فرض أن الله تعالى بقدرته عصمهم ومنعهم من ارتكاب الخطأ ليكونوا قدوة للبشر فلا مانع من ذلك أيضاً على قاعدة أنه تعالى أعلم بالمصالح والمفاسد من عباده، وعلى قاعدة أنه لا يُسأل عما يفعل، وأما مسألة التفاضل بين نبي ونبي آخر.
وإن مدح الله تعالى للأنبياء لأكبر دليل على كونهم من النوع الأول، أي أنهم قادرون على ركوب العصيان مثل غيرهم، ولكنهم لا يُقدمون عليه خشية من الله تعالى، ومن جملة تلك الموارد التي مدح الله بها أنبياءه مجموعة من الآيات في سورة مريم.
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا){مريم/41}
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مُوسَى إِنَّهُ كَانَ مُخْلَصًا وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا){مريم/51}
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ وَكَانَ رَسُولًا نَّبِيًّا * وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيًّا){مريم/55}
(وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَّبِيًّا){مريم/56}
(أُوْلَئِكَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ مِن ذُرِّيَّةِ آدَمَ وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ وَمِمَّنْ هَدَيْنَا وَاجْتَبَيْنَا إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُ الرَّحْمَن خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا){مريم/58}
والخلاصة: إن الأنبياء بشر عظماء حلماء يحملون من صفات الكمال ما جعلهم أهلاً لتولي المسؤوليات التي كلفهم ربهم بها لأنهم آمنُ الخلق على حملها وتبليغها، وهم يستطيعون القيام بالخطأ، ولكنهم ينزهون أنفسهم عنه حباً لله تعالى وخوفاً منه، ولذا نلاحظ بأن القرآن الكريم أشار إلى سبب كونهم أفضل وأشرف الخلق وذلك عندما ذكر لنا بعض الأفعال التي كانوا يقومون بها والتي سوف نبيّنها في محلها إن شاء الله تعالى، ثم إن عصمتهم لم تنحصر في التبليغ كما ادعى البعض بل هم معصومون في كل الأحوال ومختلف الظروف.
الشيخ علي فقيه



