محاضرات

خَلْقُ السّموات والأرض(البحث الرابع عشر)

الحَيَاةُ عَلَى كَوْكَبِ الأَرْضِ

الأرض هي هذا الكوكب الصغير الذي يسبح في الفضاء الواسع ضمن النظام الفلكي الذي خلقه الله سبحانه وتعالى، وهي الكوكب الذي تبلغ مساحته 510 مليون كيلو متر مربع، وقطرها 12756 كيلو متر، فهي تمثّل في الفضاء نقطة في بحر واسع، وهي الموضع الذي اختاره رب العالمين سبحانه وتعالى لامتحان العباد بعد أن أصلحها للسكن وجعل فيها جميع مقومات الحياة لهم ولأنعامهم.
وقد ذكر القرآن المجيد هذه الأرض في العديد من الآيات مبيناً لنا أن الله تعالى بقدرته قد جعلها صالحة للسكن إذ جعل باطنها حافظاً للعيش على ظاهرها، وخلق في الباطن كثيراً من لوازم الحياة.
وإليكم بعض تلك الآيات الكريمة التي حدثتنا عن كوكب الأرض.
(الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاء بِنَاء وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَّكُمْ فَلاَ تَجْعَلُواْ لِلّهِ أَندَاداً وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ){البقرة/22}
(وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ){البقرة/36}
(الْحَمْدُ لِلّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِرَبِّهِم يَعْدِلُونَ){الأنعام/1}
(أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَارًا وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَارًا وَجَعَلَ لَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزًا أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ){النمل/61}
مَتَى بَدَأَتْ الحَيَاةُ عَلَى سَطْحِ الأَرْض
إن كلام العقيدة حول هذه المسألة مختلف تماماً عن رأي أهل العلم الحديث، فالعقيدة تؤمن بأن الأرض قديمة جداً لا يعلم متى خُلقت أو متى أصبحت صالحة للعيش إلا الخالق سبحانه، وأما أهل العلم الحديث فهم مختلفون في بينهم، ولكن يجمعهم أمرٌ واحد، وهو أن الأرض مخلوق قديم وُجد منذ ملايين السنين.
كما وأن هناك خلافاً بين الفريقين حول سكان الأرض، فأهل العقيدة يقولون إن هناك أجيالاً كثيرة قد سكنت الأرض قبل بني آدم، وأما أهل العلم الحديث فيتحدثون عن أن الأرض قد سكنها البشر منذ مئات ملايين السنين، ولا دليل على كلامهم سوى التخمين والوهم في أكثر الأحيان.
نحن كأهل إيمانٍ بالله تعالى يجب علينا أن نسكت عن الأمور التي لم يبينها الله تعالى لنا إذ لو كان في بيانها فائدة للبشر لأخبرنا الله عنها قبل أن يسأله أحد.
وأنا شخصياً ضد تحديد عمر الكون وما فيه لأن ذلك من خصوصيات عالِم الغيب والشهادة سبحانه وتعالى عما يصفون.
وما أؤيد أن أعلق عليه هنا هو سؤال يتعلق بالحياة على الأرض، فهل كانت الأرض عامرة ثم أصلحها الله تعالى أم أنها كانت صالحة منذ البداية؟
ما نعرفه نحن هو أن الله تعالى أصلح الأرض بعد أن مهدها للسكنى ولا نعرف إن كان زمن صلاحها مقترناً مع زمان إيجادها، ولعل قوله تعالى في سورة البقرة(فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي بعد أن كانت معدومة، كما أخبر عن الإنسان بأنه كان ميتاً فأحياه، ولعلها كانت قبل ذلك موجودة وغير صالحة للسكن، والله تعالى أعلم.

حَيَاةُ مَا قَبْلَ نَبِيِّ اللهِ آدَم

أمامنا هنا عنوانٌ قَلَّ من يتعرض لذكر مضمونه والخوض في مجاله، إما لعدم قدرته على البيان أو لخوفه من الخروج عن دائرة البحث، أو خشيته من إيقاع القراء في حَيرة من أمورهم، ولكن ذلك لا يُولِّد حيرة، بل هو يكسر الكثير من الحواجز النابتة في طريق المعرفة، ويقرّب المسافات بين القارئ والمقروء، ويدنيهم أكثر فأكثر من الهدف المطلوب والغاية المرجوة، ويكون البحث بذلك نافعاً ومُشبَّعاً بكل ما يُحتاج إليه.
وإن معرفة ما قبل نبي الله آدم(ع) ولو بشكل إجمالي يساعدنا كثيراً على فهم ما بعده بشكل تفصيلي حيث يتصل ما قبل آدم بأصول عقائدية من شأنها أن تثبّت الكثير من المعتقدات في قلب صاحبها، وبالتالي إذا استطعنا أن نُعرِّف القارئ على شيء مما قبل وجود أصله فقد استطعنا أن نعرِّفه على الكثير مما يتعلق به كإنسان بالدرجة الأولى وكإنسان مؤمن بالدرجة الثانية، لأن وجود الإنسان سبق وجود الإيمان إن صحّ التعبير بنحو من الأنحاء فالمدخل الأساسي إلى معرفة الدين هو معرفة النفس والذات، ومن هنا ورد في الحديث “مَنْ عَرَفَ نَفْسَه عَرَف رَبَّه”
فتارة نتحدث عما كان قبل وجود آدم(ع) من بعض أنواع الموجودات الجامدة والحية العاقلة وغير العاقلة، وهو حديثٌ مقدور عليه بنحو من الأنحاء، وذلك إذا اعتمدنا في بيانه على النصوص الصريحة والصحيحة، وأعني بالنصوص النصوص الدينية والنصوص العلمية، وهناك كثيرون قد خاضوا هذا المجال ووصلوا إلى بعض النتائج الواضحة، ومنهم المنقبون عن الآثار حيث أرشدتهم اكتشافاتهم إلى العديد من الحقائق التي كانت غامضة عبر آلاف السنين، فهؤلاء لهم طرقهم وتحليلاتهم الخاصة بل لهم أهدافهم الخاصة التي قد لا تتعلق سوى بالماديات والمحسوسات، بينما خاض أهل الدين هذا المجال لهدف مغاير عن أهداف بعض المنقبين وهو الوصول إلى بعض الماورائيات التي تثبت لنا بعض المعتقدات التي نؤمن بها.
وتارة يحاول البعض أن يتجاوز الحدود الطبيعية الخارجة عن نطاق القدرة البشرية فيذهب بفكره بعيداً فيحلّق في فضاء المتاهات، وإنه لفضاءٌ شديد الظُلمة يتيه فيه السائح مهما كان حذقاً وذكياً وطَموحاً لأن ما يطلبه إنما هو المستحيل، فهو يريد البحث في مواضيع أخفاها الخالق بحكمته كيلا تتشتت الأفكار وتتحير العقول، بل لا يمكن للعقل البشري المحدود أن يطال ما لا حدود له، فما يطلبه هذا الباحث إنما هو من الكثير المجهول، فقبل أن يطلب الكثير المجهول كان عليه أن يطلب القليل المقدور عليه وينطلق من خلال قوله تعالى(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)
فالبحث فيما كان قبل الكون أمر خاص بالخالق سبحانه، ولا يمكن وصف البحث هنا بالصعب أو المعقَّد إذ لا مجال لوضع نسبة معيَّنة في أمر هو في الحقيقة معدوم في حدود علم الإنسان ومعرفته، وقد يكون موجوداً في علم الله عز وجل ولم يُطْلعنا عليه، فعدم إطْلاعنا عليه هو بحكم عدمه، ولذا فإننا لا نعبِّر عن البحث فيما قبل الكون بالبحث المستصعَب حيث لا يمكن البحث فيه وإن حاول البعض ذلك أو ادّعوا قدرتهم على الخوض في هذا المجال، وحتى لو أنهم أفنوا أعمارهم واستعانوا بجميع الوسائل الممكنة للوصول إلى شيء من ذلك فسوف تكون نقطة النهاية هي ذاتها نقطة البداية.
فإذا كنا عاجزين عن إدراك حقيقة ما هو موجود ومحسوس ومنظور وربما ملموس فكيف يمكن لنا إدراك ما هو أبعد من ذلك بمسافات لا يمكن أن تطالها القوى العقلية مهما اتسعت؟
إذاً .. إن الله تعالى لم يُعرِّفنا على كل شيء مما هو حولنا وما هو خاصٌ بنا كبشر، وذلك لعدم قدرتنا على استيعاب جميع الأمور ماضيها وحاضرها، وإنما أرشدنا إلى طرق واضحة نستطيع من خلالها أن نستنبط بعض المعلومات المخفية بربط شيء بشيء وحمل شيء على شيء.
فهناك آراء كثيرة حول موضوع وحقيقة وتفاصيل الحياة قبل نبي الله آدم(ع)، منها ما كان له أصل صحيح، ومنها ما هو مجرد وهم وتخمين لا يسمن من جوع ولا يغني شيئاً.
هناك العديد من التساؤلات التي طرحت حول هذه النظرية التي لا يمكن إثباتها من خلال الإستحسان والذوق أو من خلال مجرد طرح الفكرة، بل لا بد من الرجوع إلى الأسس الصحيحة المعتمدة في عملية إثبات مثل تلك الحقائق.
فمن جملة تلك التساؤلات أنه هل سكن الأرض مخلوقون قبل آدم؟
وعلى فرض أن الأرض كانت مسكونة من قِبَل الأحياء فهل كانوا عقلاء؟ وهل كانت حياتهم شبيهة بحياتنا؟ ولماذا انقرضوا وحل محلهم الجنس البشري المتصل بآدمنا الذي حدثنا القرآن عنه.
قبل أن نجيب على تلك الأسئلة لا بد من لفت النظر إلى كون الغربيين قد أولوا اهتماماً كبيراً لهذه المسائل رغم كونهم فقراء بالأدلة والبراهين، وأظن أنهم في أكثر الأحيان يعتمدون في إثبات نظرياتهم على أدلة إسلامية قد نكون نحن غافلين عنها إما لقلة الهمة لدينا،أو لعدم توفر الإمكانيات اللازمة للتوصل إلى بعض الحقائق، بينما نجد أهل الغرب قد وفروا لأنفسهم تلك المقدمات وحلّقوا من خلالها في سماء المعرفة.
وبهذا الإهتمام البالغ في الأمور المميَّزة امتاز أهل الغرب عنّا ووصلوا إلى أكثر غاياتهم وحققوا الكثير من أهدافهم، بينما نحن لم نصل ولن نصل لأننا لم ننطلق بعدُ، وربما لن ننطلق لأن همنا الوحيد هو إشباع الشهوات الخاصة التي كانت وما تزال العامل الأول والسبب الأبرز في تراجعنا الملحوظ.
والسؤال الأساسي الذي يتداوله العديد من الناس هو السؤال عن هذه الأرض التي نحن عليها، بل التي نحن جزء منها، هل أنها وُجدت من أجل هذا الجنس البشري وما حوله من المخلوقات؟ أم أنها كانت مَرتعاً لمخلوقات عاقلة سكنت الأرض قبلنا ثم استخلف الله الإنسان فيها؟
ومن الضروري أن يطرح الجميع هذا السؤال الذي يمكن أن يكشف لنا عن حقائق كثيرة غامضة لدينا، ومن خلال الكشف عن هذه الحقيقة نختصر الكثير من المسافات بيننا وبين الكثير من النقاط العلمية وربما العقائدية، وإنه وإن اعتنى الغربيون بهذه الأمور أكثر من اعتنائنا بها غير أن معرفتها يهمنا نحن المسلمين بالدرجة الأولى حيث تتوقف عليها أمور عقائدية هامة لا يعيرها أهل الغرب أي اهتمام لأنها لا تعنيهم كعقائد بل تعنيهم كاكتشافات علمية ودراسات وتحقيقات تعطيهم امتيازات خاصة.
نحن كمسلمين بالدرجة الأولى وكبشر نعيش على هذا الكوكب نؤمن بأن هذه الأرض كانت مسكونة ومأهولة قبل جنسنا الآدمي، بل ربما سكن الأرض قبلنا عوالم تلو العوالم، لأن هناك أدلة ومؤشرات تنبئ عن كون هذه الأرض كانت مستخدمة لمخلوقات عاقلة سبق وجودهم وجود الإنسان بآلاف السنين والقرون، ولكننا نجهل حقيقة الأنظمة التي كانت تحكمهم، وأعني بتلك الأنظمة(الأنظمة التكوينية منها بالدرجة الأولى، والتشريعية منها بالدرجة الأخيرة) وما نبحث عنه الآن هو أن هذه الأرض لم توجد من أجل عالمنا هذا المتحدر من نبي الله آدم الذي تحدث القرآن الكريم عنه، وإنما كانت موضعاً لحياة الأجيال تلو الأجيال الذين سبق عهدهم عهد آدم بأزمان لا يعلمها إلا الله عز وجل.
نحن نتحدث حول هذه النقطة بالذات ونؤيد فكرة أن تكون الأرض قد سكنت قبل عالمنا، ولكننا لم نؤمن بذلك لمجرد التخمين والإستحسان وإنما عوّلنا في تبني هذا الرأي على نصوص تكشف لنا عن هذه الحقيقة، بعضها من خلال منطوقها والآخر من خلال مفهومها.
ولكي يسهل علينا فهم المراد نرجع إلى القرآن الكريم الذي أشار إلى كون هذه الأرض كانت مأهولة قبل آدمنا وذلك من خلال قوله تعالى(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَ تَعْلَمُونَ)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى