العقل في كلام النبي وآله(ص)

العقل في كلام النبي وآله(ص)
لا يمكن للإنسان أن يتعرّف على حقيقة العقل أو يدرك جوهره لأنه سر من أسرار الخالق سبحانه كالروح التي لم يخبرنا ربنا عن حقيقتها، وإن كل ما نراه من فنون واختراعات وتطور فكري أو صناعي إنما هو من ثمار العقل وآثاره، وهذه الأشياء ترشدنا إلى معرفة حجم العقل ووظائفه وأدواره وكونه القوة المميِّزة للإنسان عن غيره، فالعقل ليس مادة حتى يُرى ويُلمس بل هو قوة أودعها الله في الإنسان من أجل أن يعرف ربه ويدبر به شؤون حياته، وقد استُعمل العقل كحقيقةٍ للدلالة على وجود الله تعالى من دون أن يراه أحد حيث قال أحد العلماء لأحد السائلين الذين أنكروا وجود الله لعدم التمكن من رؤيته بالعين قال له بما معناه إذا كنت صاحب عقل فأرني عقلك، وقريب ما قاله أحد البهلول لأحدهم بعد أن طربه بالطين وأشعره بالألم أرني الألم إن كان موجوداً فقال له لا يمكن أن يُرى الألم فقال له البهلول فكذلك الله تعالى موجود لا تراه العيون، فلقد تحدّث الفلاسفة وعلماء النفس عن العقل ووصفوه بأوصاف كبيرة ولكنهم لم يعطوا الوصف حقه، ولكن النبي وآله(ص) قد أعطوا العقل حقه في الوصف وبيان الوظائف والآثار والدور الذي يلعبه العقل في العديد من المجالات وبالأخص في المجالات العقائدية لأن العقل له الدور الأساسي في إثباتها.
ونلاحظ بأن القرآن الكريم ركز على أصحاب العقول في جميع ما ورد فيه، ففي سورة آل عمران قال تعالى(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلاَفِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لآيَاتٍ لِّأُوْلِي الألْبَابِ) وفي سورة البقرة(يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاء وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)
وفي سورة الملك(وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا من أصحاب السعير)
معنى ذلك أن العقل يرشد صاحبه إلى الخير في الدنيا والآخرة وإلى النجاة من النار لأنه لو كان قد أعمل عقله في الأمور التي وردته عن الأنبياء لسلك الطريق المنجي ولكنه أقعد عقله فقام به الجعل وسيطرت عليه الأهواء فكان من أصحاب السعير.
وفي بيان العقل وبعض ثماره ونتائجه ورد عن الإمام الكاظم(ع) أنه قال: إن الله تبارك وتعالى بشّر أهل العقل والفهم في كتابه فقال: فبشر عباد الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولوا الأباب:
معنى ذلك أن العقل يفرض على صاحبه اتباع الأحسن فإذا أطاع عقله كان من الذين هداهم الله عز وجل.
وقال أمير المؤمنين(ع) عقل المرء نظامه وأدبه قِوامه وصدقه إمامه وشكره تمامه:
وقال(ع) من قعد به العقل قام به الجهل:
وهذا يعني أن العقل يجب أن يكون مستمراً في التفكير كيلا يسيطر الجهل على الموقف فلربما أهلكك الجهل في لحظة واحدة، فكلما قعد العقل قام الجهل مقامه، وخطر هذا الأمر واضح ومعلوم.
ويقول(ع) ما استودع الله امرءاً عقلاً إلا استنقذه به يوماً ما.
أساس العقل
من مميزات العقل أنه أول مخلوق خلقه الله عز وجل لأنه أساس المعرفة والمعتقد، ومن شأن هذه الميزة أن تجعل من العقل محوراً للنقاش والتساؤل، فإذا دار النقاش حول هذه الميزة وثبتت صحتها استطعنا بعد ذلك أن نوصل أية فكرة حول العقل إلى عقول الناس، لأن الأسبقية في أي مخلوق لها هدف، ومعرفة هذا الهدف تتم عن طريق التساؤل والبحث، وقد كشف لنا رسول الله(ص) هذه الحقيقة حيث قال: أول ما خلق الله العقل: وعندما يعرف الإنسان هذه الحقيقة يسأل نفسه عن السبب فيأتيهم الجواب وهو أن العقل أعظم مخلوق من المخلوقات لأن جميع أمور الخلق ترجع إليه وأن الثواب والعقاب يتمحوران حوله.
وقال الإمام الصادق(ع) إن الله جل ثناؤه خلق العقل وهو أول خلق خلقه من الروحانيين عن يمين العرش من نوره:
فنور الله تعالى أمر لا يعرفه أحد لأنه ليس نوراً كالنور الذي نعرف ونعهد وإنما هو نور في النفوس والقلوب، وأساس العقل من ذلك النور الذي لا نعرف حقيقته وكنهه، وهذا ما يجعلنا موقنين بأن أمر العقل سر من أسرار الله تعالى، وهذا ما يشير إليه رسول الله(ص) بقوله: إن الله خلق العقل من نورٍِ مخزونٍ مكنونٍ في سابق علمه الذي لم يَطّلع عليه نبي مرسل ولا ملك مقرب:
وهذا يعني بصريح القول أن أمر العقل مجهول لدى الخلق ولكن آثاره موجودة في كل شيء، فلا ينبغي البحث عن حقيقته وإنما ينبغي الإهتمام بآثاره وثماره ونتائجه التي هي مرضية في الأغلب.
وهنا أنقل إليكم بعض النصوص الكاشفة عن دور العقل وأهميته، وهذا بدوره يجعل حقيقة العقل فينا أوضح مما لو عرفنا حقيقة تكوينه.
قال(ص) قِوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له…..
وقال الحسن(ع) لا غنى أكبر من العقل
وقال الصادق: لا مال أعود من العقل:
وقال علي(ع) أفضل حظ الرجل عقله إن ذَلَّ أعزّه وإن سقط رفعه وإن ضل أرشده وإن تكلم سدده:
وقال في مجموعة من أحاديثه وخطبه: العقل أقوى أساس، والعقل مَركب العلم، والعقل منزِّه عن المنكر آمر بالمعروف، والعقل مُصلح كل أمر، وبالعقل صلاح كل أمر، والعقل حسام قاطع، والعقل ثوب جديد لا يبلى، والعقل رسول الحق، والعقل أفضل مَرجوّ، والعقل يُحسِن الرَّويّة، والعقل يوجب الحذر، والعقل في الغربة قربة، والعقل يَهدي ويُنجي، وزينة الرجل عقله، والجمال في اللسان والكمال في العقل، ولا يُستعان على الدهر إلا بالعقل، ومثل العقل في القلب كمثل السراج في وسط البيت.
دور العقل في الفضائل
إن للعقل دوراً كبيراً في الفضائل لأنه رأسها وأساسها، بل هو مصدر كل خير في هذا الوجود، فمن أخضع سلوكَه لموازين العقل فقد ركب الفضائل وعاش في الدنيا سعيداً وكتب لنفسه السعادة في يوم القيامة لأن العقل نور رحماني خلقه الله ليكون دليلاً عليه ومرجعاً للمخلوقين في جميع شؤونهم العامة والخاصة.
والإنسان فيه القوى الرحمانية المتمثلة بالعقل والقوى الشيطانية المتمثلة بالشهوة الغارقة في حب ذاتها وعدم التقيد بالموازين الرحمانية.
وفي بيان دور العقل في الفضائل قال رسول الله(ص) :ما قسَم الله لعباده شيئاً أفضل من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يستكمل العقل، ويكونَ عقله أفضل من جميع عقول أمته، وما يُضمر النبي في نفسه أفضل من اجتهاد المجتهدين، وما أدى العبد فرائض الله حتى عَقَلَ عنه، ولا بلَغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم أولوا الألباب الذين قال الله تعالى(وما يذّكّر إلا أولوا الألباب)
وهذا يكشف لنا بكل وضوح عن أهمية دور العقل في صياغة الفضائل وصناعة المكارم وفي الدلالة على الحق بجميع وجوهه ومراتبه.
فلا يمكن لغير العاقل أن يبلغ درجة العقلاء مهما سعى وصال وجال واجتهد لأن العقل هو مفتاح الخير وسبب الرقي بل هو سبب كل سعادة لأنه لا يتصرف إلا بالنور الرحماني الذي خُلق منه، فبالعقل عُرف الله تعالى وبالعقل عُبد، والإنسان يتحمل من المسؤوليات على حجم عقله لأن الحجة إنما تكون على قدر العقول.
وهذا التمايز الذي حصل بين الإنسان وغيره من المخلوقات العجماوات إنما كان وما زال سببه العقل، وقد جاء في وصية الإمام الكاظم(ع) لهشام بن الحكم يا هشام.. ما قُسّم بين العباد أفضلُ من العقل نوم العاقل أفضل من سهر الجاهل وما بعث الله نبياً إلا عاقلاً حتى يكون عقله أفضل من جميع جَهد المجتهدين، وما أدى العبد فريضة من فرائض الله حتى عقل عنه:



