حقيقة العقل والشهوة

حقيقة العقل والشهوة
الإنسان مركّب من عقل وشهوة، فالعقل يدعوه إلى الخير، والشهوة تدعوه إلى الشر، فإذا أصغى للعقل واتبع طريقه نجا من المهلكات لأن العقل يستمد النورانية من الخالق القدير جل وعلا، أما إذا انقاد لشهواته المطلقة وأهوائه الهمجية فسوف يلقي بنفسه في التهلكة وفيما لا تحمد عقباه.
وهناك فارق بين العقل والشهوة من جهة طلب الإشباع فإن العقل يطلب الإشباع ضمن الحدود المرسومة والضوابط الشرعية المقررة، أما الشهوة فإنها تطلب ذلك بشكل عشوائي من دون أن تنظر إلى كون هذا الإشباع محبوباً أو مبغوضاً.
فشهوة البطن مثلاً تطلب الإشباع عبر تناول الطعام فإن الشهوة لا يهمها ما سوف يدخل إلى البطن، هل هو حلال أو حرام أما العقل فإنه يريد الطعام للبطن ولكنه ينظر إلى نوع الطعام من حيث حليته وحرمته ويعمل على هذا الأساس فإن كان الطعام حراماً بالأصل أو بالعارض تجنبه كيلا يقع في المخالفة.
وكذا الأمر في باقي أنواع الشهوات التي يطلبه كلٌّ من العقل والشهوة.
والعقل خَلق عظيم من مخلوقات الله عز وجل وهو لوحده أعظم دليل على وجود الخالق ووحدانيته وقدرته المطلقة التي لا حدود لها، وبهذه القوة الخارقة امتاز الإنسان عن غيره من العجماوات وهو سبب ترقي الإنسان في علومه وصناعاته وتطويره للأمور، وهو الذي يكشف الإنسان به الأسرار أسرار هذا الوجود وما وراءه من المَخفيات التي لا تُدرك إلا عن طريق العقل.
أما الشهوة فهي مخلوق غريزي يبحث عما يرضيه وإن كان على خلاف الموازين الشرعية والضوابط الدينية، فإذا استطاع العقل أن يسيطر عليها أصبحت قوة عقلية ملكية وأما إذا فلتت من بين يديه فحينئذ تخضع للشذوذ النفسي والأهواء الشيطانية التي تخضع للشيطان الرجيم الذي كان وما زال عدو كل خير.
وقد خلق الله تعالى هذه القوى المتناحرة فيما بينها والمتباينة في وظائفها وأبعادها من أجل أن يستقيم نظام الهدف الذي من أجله خُلق ابن آدم، فلقد أوجدنا الله في هذه الحياة من أجل أن يمتحننا ولا يستقيم الإمتحان إلا مع وجود القوى الرحمانية والقوى الشيطانية، وهو معنى إلهام الفجور والتقوى المذكور في الكتاب العزيز.
وليس في زرع قوى الشر ظلم للإنسان لأن الله تعالى متعهم بقوة تستطيع أن تغلب الجميع وهي العقل، هذا بالإضافة إلى أنه تعالى أوضح لنا طرق الخير والشر وأمرنا باتباع الخير وتجنب الشر مبيناً لنا عاقبة كليهما حتى نسارع في ضبط النفس ولجمها كي تصدر الطاعة وتجر صاحبها إلى السعادة الحقيقية التي لا تدرك إلا عن طريق الطاعة ونبذ الشهوات المطلقة وإعمال العقل في جميع الأمور.



