منوعات

عباد الرحمن

الشيخ علي فقيه

عباد الرحمن

قال سبحانه(وَعِبَادُ الرَّحْمَنِ الَّذِينَ يَمْشُونَ عَلَى الْأَرْضِ هَوْنًا وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلَامًا وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
الخلق كلهم عبيد لله عز وجل بالقهر والتكوين لأنه خالقهم ورازقهم وإلههم، فمرة نقول(عباد الله) ونريد به المخلوقية والمملوكية، ومرة نقول(عباد الله) ونقصد به ما يجب أن يكون لضرورة أن يكون الجميع عابدين لله تبارك وتعالى لأن من واجب المخلوق أن يطيع خالقه فهو الغاية من إيجاده في الدنيا، وتارة نقول ذلك ونريد به خصوص العباد المطيعين لربهم وهم الذين سماهم القرآن عباد الرحمن ولعلها تسمية خاصة بهم دون الكافرين والعاصين، يمكن أن نسمي الجميع عباد الله أو عبيده، ولكن عباد الرحمن هم المطيعون الذين ذكر لنا القرآن العديد من أوصافهم فمن اتصف بما قاله القرآن عنهم كان منهم وإلا فلا نصيب له من العبادة.
وعلى كل عبد من عبيد الله أن يسعى جاهداً لينقل نفسه من مرحلة المعبودية تكويناً إلى مرحلة المعبودية تشريعاً.
الصفة الأولى لعباد الرحمن، هي المشي المتواضع فهم لا يمشون كالجبابرة والمتكبرين الذين يتمخترون في مشيهم، فالعباد الصادقون يمشون بطريقة تدل على تواضعهم لله وخلقه وعلى كونهم يخشون ربهم في كل شيء حتى في المشي والنظرات والحركات والسكنات.
الصفة الثانية لهم، هي أنهم يردون كيد الجاهلين عنهم بأحسن الطرق التي تقطع الطريق أمام المغرضين الذين يريدون التعرض لعباد الله بشتى أنواع الأذى، وبهذه الطريقة كان يواجه الأنبياء جهل الجاهلين حيث ورد عن عيسى بن مريم أن أحد الأشخاص شتمه فقال له عيسى سلام فلو أنه رد عليه بالمثل لحدثت بينهما كارثة الله وحده يعرف عاقبتها.
أما الصفة الثالثة من صفات عباد الرحمن المذكورة في سورة الفرقان فهي السهر والإجتهاد في الطاعة لأن العبد المطيع الذي يرجو عفو الله عز وجل هو الذي يسهر للعبادة والناس نيام فيستغل كل لحظة في الكسب خوفاً من مفارقة الحياة من دون ذخيرة ورصيد، وإن أول عبد من عباد الرحمن هو الرسول الأكرم(ص) الذي كان يقوم الليل كله بالصلاة حتى خفف الله عنه عندما خاطبه بقوله الكريم(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)
لقد كان رسول الله محمد عاشقاً للعبادة لا يمل منها ولا يشبع من أنسها لأنه كان يعي تماماً بين يدي من يقوم ويعي عظمة الصلاة وغيرها من العبادات التي يتقرب بها العبد من ربه وكان يعلم عظيم الأمر الذي يقوم به في تلك الأوقات التي كان يقضيها في العمل العبادي الثمين.
ولأجل هذا كان رسول الله وما زال مضرباً للمثل في الصدق مع الله والتقرب منه والعمل لوجهه الكريم، فمن اقتدى به نجا وفاز ومن تخلف عنه هلك، فعباد الرحمن هم الذين يعشقون عتمة الليل وسكونه وهدوءه ليُساغَ لهم القيام بكل توجه فلم ينظروا إلى الوقت بل إلى كيفية التوجه الصادق نحو الله تبارك وتعالى، وهذا من شأنه أن يعطي دافعاً لمن أقعدهم الكسل هؤلاء الذين يصلون من دون توجه حيث أصبحت الصلاة لديهم مجرد وظيفة أو عادة قد اعتادوا عليها بينما هي في الواقع أمر لا ينبغي الملل منه مهما طال بنا العمر بل على العكس يجب أن تكون الصلاة اللحقة بمضمونها أعظم من الصلاة الفائتة لأن المصلي في كل يوم يدرك المعاني البعيدة لهذه العبادة التي جعلها الله تعالى عمود هذا الدين الحنيف، وكذا الحال في غيرها من العبادات الواجبة والمستحبة، وقد ذكر القرآن هذه الصفة بقوله(وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّدًا وَقِيَامًا)
وأما الصفة الرابعة من صفات عباد الرحمن فهي الخوف من عذاب جهنم، وليس من الخطأ أن يعبد الإنسان ربه بدافع الخوف أو الطمع فكلاهما دافع للطاعة، المهم هو أن يعبد الإنسان ربه بالشكل الصحيح سواء عبده من أجل دخول الجنة أو من أجل التخلص من عذاب النار، ومن صفة أهل الإيمان أن تقوم طاعتهم على الخوف والطمع، هذا ما أشير إليه في العديد من المواضع، فمن عبد الله من أجل الجنة كان حسناً ومن عبده من أجل تجنب النار كان حسناً ومن عبده لأنه أهل للعبادة كان أحسن، فعباد الرحمن يحسبون ألف حساب لجهنم فهم يشعرون وكأن لهيبها يلفح وجوههم وكأن شهيقها وزفيرها يخرقان أسماعهم، وما ذكرناه حول هذه الصفة مستوحى من قوله عز وجل(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَامًا إِنَّهَا سَاءتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)
وأما الصفة الخامسة من صفات عباد الرحمن فهي ما ورد في قوله سبحانه(وَالَّذِينَ إِذَا أَنفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا)
فالعباد الصالحون هم المقتصدون في الإنفاق أي في المصاريف من الطعام والمتاع فلا بخلٌ ولا تبذير بل اعتدال في ذلك وهو معنى قوله تعالى في سورة الإسراء(وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلاَ تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُورًا) وذلك أن البخيل سوف يعود عليه بخله بالندم والحسرة لأن آثار بخله سوف تظهر عليه في الدنيا قبل الآخرة ولذا نجده دائماً يقول يا ليتني أنفقت ولم أبخل ويقف الأمر عنده عند مجرد الكلام رغم كونه قادراً على التغيير، وأما المفرط المبذر فلا بد وأن يأتي عليه يوم يندم فيه على تفريطه الذي كان السبب الأكبر في تدمير اقتصاد الفرد ثم المجتمع المحيط به، فلو أنه عمل بالميزان الإلهي الموضوع لهذا الغرض لرجع عليه التزامه بذلك بكثير من النفع الدنيوي والأخروي، فالإنسان المتقي لا يفرط بخيرات ربه فلا يترك الدنيا كلياً ولا يترك الآخرة أبداً بل هو دائماً ملتزم بالقاعدة النبوية الإمامية إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك تموت غداً، ولا شك بأن عباد الرحمن يهتمون بموضوع الإقتصاد لأن هذا مسؤولية الفرد والمجتمع والدولة فلا ينبغي للعاقل أن يُحدث ضرراً فيما يخصه ويخص غيره من الناس الذين يجب التعامل معهم بكل ما ينفعهم ويجلب الخير لهم.
ومن صفات عباد الرحمن أنهم لا يشركون بالله شيئاً ولا يعتمدون على من سواه ولا يقتلون النفس التي حرم الله قتلها ولا يقدِمون على فعل الزنا خوفاً من عقاب ربهم فهم دائماً في حالة رقابة وترقب حذراً من الوقوع في أفخاخ الشيطان فهم في تعب مستمر لأنهم مشغولون دائماً بما ينفعهم وما ينفع غيرهم بهم، ولقد ذكر القرآن هذه الخصال بقوله(وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا) فالذي يُقدِم على فعل شيء من ذلك يجد عاقبته وخيمة لأن فعله إثم يستحق عليه العقاب.
فالقاعدة هنا عامة للجميع تنطبق على كل عاص مهما كان وضعه الإجتماعي أو السياسي أو الإقتصادي لأن الجميع مأمورون بأوامر الله ومنهِيون عن نواهيه من دون استثناء، فالذي يشرك بالله ويقتل النفس التي حرم الله ويزني ويفعل غير ذلك من المحرمات فإن جزاءه جهنم إلا إذا تاب وتراجع وندم على هذا التفريط فعند ذلك يخرج عن حكم هذه القاعدة بشرط أن يكون مخلصاً لله تعالى في ندمه فلقد بيّن القرآن عاقبة الذين يقومون بهذه المحرمات حيث قال(يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا إِلَّا مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلًا صَالِحًا فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا) ونلاحظ بأن الإستثناء لم يشمل التائبين فقط أي الذين يتوبون من دون أن يعملوا صالحاً فشرط قبول التوبة هو أن يتوب أولاً ويؤمن حقاً ويعمل ما يفرضه عليه إيمانه كاملاً، فإذا فعل الإنسان ذلك بدّل الله سيئاته حسنات لا بمعنى أنه إذا قام بالسيئة فقد أحسن بل بمعنى أن الذنب الذي تاب منه توبة صادقة يتحول هذا الذنب من سوء إلى حُسْن وتتبدل المعادلة فيه والنتيجة فبدل أن يعاقَب عليه فإنه يثاب على التوبة منه وهنا تتجلى لنا مدى الرحمة الإلهية بعباده المقصرين.
ومن صفات هؤلاء العباد الكرام قوله تعالى(وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا) فشهادة الزور أمر قبيح للغاية لأن عواقبه ظالمة فقد يُحكم على المظلوم بالقتل أو السجن أو الغرامة وقد عُدّت شهادة الزور من كبائر المحرمات بسبب قبحها وسوء آثارها، ونلاحظ بأن العباد الصالحين يجتبنون مثل تلك الشهادات التي تعود على الناس بالويل والظلم كيلا يقعوا في مخالفة حكم الله عز وجل، وكذا فإن العباد الصالحين يمرون باللغو كمرور النحلة على الجيف لا تعبأ بها وربما لا تنظر إليها.
ومن سلوك العبد الصالح أنه إذا ذُكّر بآيات ربه أقبل عليها بسمعه وقلبه وعاش معها بجميع جوارحه وهو بهذا السلوك ينزه نفسه عما كان يقوم به كثير من الناس عندما كانت تتلى عليهم آيات ربهم كانوا يُعرضون عنها ولا يسمعونها ولا يعملون بها فاستحقوا العقاب الأليم على هذا السلوك القبيح، ولقد وصف الله تعالى عباده المخلصين بقوله(وَالَّذِينَ إِذَا ذُكِّرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ لَمْ يَخِرُّوا عَلَيْهَا صُمًّا وَعُمْيَانًا) فكلما تُليت آيات الله على أهل الإيمان ازدادوا به إيماناً وتسليماً وإخلاصاً وهو معنى قوله سبحانه في سورة الأنفال(إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ) وأمام هذه الحالة نجد كثيراً ممن يدعون بأنهم مؤمنون أو مسلمون يكرهون سماع الآيات القرآنية أو الأحاديث الكريمة لسبب من الأسباب، وأنا أعرف شخصاً كان يكره أن يقرأ القرآن أو يستمع إليه لأنه يذكّره بالموت وهو يكره الموت وهو في نفس الوقت يصلي ويصوم، وهنا العجب إذ أنه كيف يصلي ويكره لقاء من يصلي له وكيف يصوم ولماذا يصوم مع وجود هذا الشعور بداخله.
ومن سلوك عباد الرحمن أنهم يدعون الله تعالى أن يمن عليهم بأزواج مؤمنات وذرية مؤمنة حذراً من غضبه فهم يرغبون بأن يؤسسوا ذرية تكون النموذج الصالح للأسرة المؤمنة، وهم أيضاً يدعون الله بأن يجعلهم هداةً للخير وقدوة للآخرين وهو معنى قوله سبحانه(وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَامًا) وفي نهاية المطاف نقف على النتيجة الواضحة لسلوك عباد الرحمن المشار إليها في قوله تعالى(أُوْلَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلَامًا خَالِدِينَ فِيهَا حَسُنَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقَامًا)

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى