
مثَلُ المُشرك
الشرك ذنب كبير لا يُغفر، وحنث عظيم له تبعات سيئة، وسلوك سيئ يحول بين المرء وعمله، وهو عداء واضح للحق، وإعلان لرفض الوحدانية التي جُبل الناس عليها منذ عالم الذر عندما أشهدنا الله على أنفسنا قائلاً ألست بربكم فأجبناه وقلنا له نعم نقر ونعترف بذلك، ولأجل هذا يولد كل مولود على فطرة التوحيد ولكنه هو الذي يختار طريقه في الحياة فإما أن يستمر على فطرته فيعيش مؤمناً ويموت مؤمناً ويبعث مؤمناً وإما أن يعمل على عكس الفطرة بسبب نفسه أو الظروف المحيطة به فيخرج من دائرة الوحدانية إلى عالم الشرك بالله، ومهما حاول المشرك أن ينفع نفسه ليوم الحساب فسوف يجد أمامه قول الله تعالى(إِنَّ اللّهَ لاَ يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) وكما أنه سبحانه ضرب لنا أمثالاً حول الكفر وغيره من باب بيان حقيقته وإيصال الفكرة إلى أذهاننا بشكل سهل فكذلك ضرب لنا الأمثال حول الشرك ليكون معناه واضحاً وحقيقته بينة ونتيجته ظاهرة ولتكون الحجة عليه أبلغ فقال تعالى في سورة العنكبوت(مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاء كَمَثَلِ الْعَنكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتًا وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يَدْعُونَ مِن دُونِهِ مِن شَيْءٍ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) هؤلاء لجؤوا إلى حصن لم يكن منيعاً بل هو رقيق يتأثر بأقل النسمات ولا يحمي صاحبه من أدنى الأخطار وأهونها ولذلك مثّل الله للشرك ببيت العنكبوت لأنه أوهن البيوت وأرقها وأضعفها، لقد ضرب الله لنا هذا المثل العظيم الذي يكشف أمامنا حقيقة الشرك بشكل واضح ومفهوم ولكنه رغم وضوحه فإنه يحتاج إلى من يفهم ويعتبر، ولأجل ذلك أخبرنا القرآن بأن هذه الأمثال لا يفهمها ولا يعقلها إلا العالمون الذين يريدون المعرفة، فالذي يريد معرفة شيء يسعى إلى معرفته ويصل إلى غايته مهما كانت أسباب الوصول إليها صعبة، وأما الذي لا يريد أن يفهم فلن يفهم مهما بسّطت له الأمور، ولذا قال تعالى(وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ) ثم أوضح لنا القرآن هذا الأمر أكثر فضرب لنا مثالاً ثانياً فقال في سورة الحج(حُنَفَاء لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاء فَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ) ولا شك بأن المشرك هاو في أودية الهلاك وهو معرِض لأن تلتقطه الطيور فتأكل لحمه وتهلكه، وفي سورة الزمر ورد مثال ثالث للشرك والمشرك حيث قال سبحانه(ولقد ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِن كُلِّ مَثَلٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ قُرآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَّعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاء مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) فمثل المشرك كمثل رجل استعبدته مجموعة من الناس واحد يطلب منه هذا الأمر والآخر يطلي منه أمراً آخر والثالث يطلب منه غير ما طُلب منه وهكذا فهو واقع في حيرة من أمره فيبقى في هذه الحيرة لا يدري ماذا يصنع حتى يهلك، والذي يتخذ مع الله إلهاً آخر سوف تكون هذه حالته. أما المؤمن فهو يؤمن بإله واحد لا شريك له وهو بعيد عن تلك الحيرة، والمؤمن والمشرك لا يستويان إذ أن أحدهما في جهة والآخر في جهة ثانية.
وهناك مثلان ضربهما الله تعالى للمشرك يبين فيهما حيرت المشرك وضعفه ونتيجة شركه السيئة حيث قال(وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللّهِ مَا لاَ يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقًا مِّنَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ شَيْئًا وَلاَ يَسْتَطِيعُونَ فَلاَ تَضْرِبُواْ لِلّهِ الأَمْثَالَ إِنَّ اللّهَ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْدًا مَّمْلُوكًا لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَن رَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرًّا وَجَهْرًا هَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً رَّجُلَيْنِ أَحَدُهُمَا أَبْكَمُ لاَ يَقْدِرُ عَلَىَ شَيْءٍ وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلاهُ أَيْنَمَا يُوَجِّههُّ لاَ يَأْتِ بِخَيْرٍ هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَن يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ)
الشيخ علي فقيه



