
حقيقة الخالق سبحانه
مهما حاول الإنسان أو غير الإنسان أن يدرك حقيقة الذات المقدسة فإنه لن يصل إلى مراده لأن تلك الحقيقة لا يمكن للعقول المخلوقة المحدودة أن تطالها أو تعرف شيئاً عنها، ونحن بدورنا نعتقد أن حقيقة الذات الإلهية المقدسة خافية على الجميع رغم كثرة آثار وجوده في العالم، ولا يستطيع أحد – أياً كان – أن يفقه كنه ذاته؛ لأن هذه الذات أزلية لا نهاية لها من جميع الوجوه، والإنسان محدود ومتناه لا يمكنه الإحاطة بالله وهو المحيط بكل شيء: (ألا إنه بكل شيء محيط) (والله من ورائهم محيط)
وجاء في الحديث النبوي الشريف: (ما عبدناك حق عبادتك وما عرفناك حق معرفتك)
وهنا يجب ألا نقع في خطأ، وهو الكف عن دراسة العلم الإجمالي بالله، والتوقف عن ذكر بعض الألفاظ التي نمر عليها دون أن نتمكن من فهم المقصود منها؛ بحجة أننا محرومون من تحصيل العلم التفصيلي به تعالى، لأن ذلك هو سد لباب معرفة الله، وهو ما لا نعتقد به و لا نرتضيه؛ لأن القرآن الكريم وسائر الكتب السماوية نزلت لفتح باب معرفة الله. ولتوضيح ذلك يمكننا الاستعانة بأمثلة كثيرة، منها أننا لا نعلم حقيقة الروح، لكننا على معرفة إجمالية بها، نلاحظ آثارها ونعترف بوجودها.
يقول الإمام محمد بن علي الباقر عليه السلام: (كل ما ميز تموه بأوهامكم في أدق معانيه مخلوق مصنوع مثلكم مردود إليكم)
ويبين الإمام علي عليه السلام طريق معرفة الله بتعبير جميل واضح فيقول: (لم يطلع العقول على تحديد صفته، ولم يحجبها عن واجب معرفته)
إننا نعتقد بأن الله تبارك وتعالى لا يمكن رؤيته، لأن الشيء الذي يرى بالعين هو جسم، ولا بد له من مكان ولون وشكل وجهة، وهذه كلها من صفات المخلوقات، والله تعالى أعظم من أن يتصف بصفات مخلوقاته؛ وعليه فإن الاعتقاد بإمكان رؤية الله هو نوع من الشرك: (لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار وهو اللطيف الخبير)
ولهذا فإن موسى (عليه السلام) لما طلب منه بنو إسرائيل رؤية الله شرطاً للإيمان: (لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرةً) ، أخذهم موسى إلى جبل الطور، فسمع من الله تعالى الجواب التالي: (لن تراني ولكن انظر إلى الجبل فإن استقر مكانه فسوف تراني فلما تجلى ربه للجبل جعله دكاً وخر موسى صعقاً فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين) ؛ إذ تكشف الآية الكريمة عن أنه لا يمكن رؤية الله تعالى مطلقاً.
ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام في جواب من سأله: (يا أمير المؤمنين، هل رأيت ربك…؟)، يقول: (أأعبد ما لا أرى؟). ثم قال: (لا تدركه العيون بمشاهدة العيان، ولكن تدركه القلوب بحقائق الإيمان)
وإننا نعتقد أن وصف الله بصفات المخلوقات من قبيل المكان والجهة والجسمية والمشاهدة والرؤية، يؤدي إلى الابتعاد عن معرفة الله تبارك وتعالى، وإلى الشرك به. أجل، فهو تعالى أعظم من كل صفات المخلوقات، وليس كمثله شيء.
الشيخ علي فقيه



