الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَ

البَرْزَخِ فِي اللغَةِ وَالدِين

 

 

 

مَعْنَى البَرْزَخِ فِي اللغَةِ وَالدِين

 

البرزخ في اللغة هو الفاصل بين شيئين، قال تعالى(مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ  بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَّا يَبْغِيَانِ) وقال تعالى(وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَّحْجُورًا) وفي المفهوم الأخروي هو المرحلة الفاصلة بين الدنيا والآخرة، وهو مرحلة تبدأ من القبر وتنتهي عند النشور يوم يقوم الناس لرب العالمين.

والمراحل التي يمر بها الإنسان قبل وجوده في الدنيا وبعد رحيله عنها هي ست مراحل: عالم الذر، وعالم الأصلاب، وعالم الأرحام، وعالم الدنيا، وعالم البرزخ، وعالم القيامة، ونلاحظ بأن البرزخ من المراحل الأساسية، وهذا ما يدفع بنا نحو بيان ما يتعلق بهذا العالم القريب منا، والذي لا ندري في أية لحظة نصبح منه.

فقد يكون البرزخ طويلاً، وقد يكون قصيراً، ولكن عند الإنسان هو قصير جداً، لأنه لو مكث في البرزخ سنة أو ألف سنة فإنه عندما ينتشر بين يدي الله للحساب يحسب بأنه لم يمكث في الدنيا والبرزخ سوى ساعة واحدة، وقد تحدث القرآن عن هذه الحقيقة فقال(وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ كَأَن لَّمْ يَلْبَثُواْ إِلاَّ سَاعَةً مِّنَ النَّهَارِ يَتَعَارَفُونَ بَيْنَهُمْ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ) وقال(كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا) وقال(قَالَ كَمْ لَبِثْتُمْ فِي الْأَرْضِ عَدَدَ سِنِينَ  قَالُوا لَبِثْنَا يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَاسْأَلْ الْعَادِّينَ  قَالَ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا لَّوْ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ)

والبرزخ عالم أرواح لا تحكمه أنظمة المادة فلا يوجد فيه مواد كالمواد المخلوقة في الدنيا وربما يكون هناك أجسام شفافة كما ورد في بعض النصوص وهذه الحالة خاصة ببعض المؤمنين الذين يريد الله تعالى أن ينعمهم في البرزخ، ولعل قوله(بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) ناظر إلى هذا المعنى.

ويمكن لنا أن نشبهه بالمنامات التي نشاهدها أثناء النوم، غاية ما في الأمر أن البرزخ نوم لا يستيقظ منه الإنسان إلا في يوم القيامة، وهذا يعني أنه شبيه بالنوم مع وجود تلك الفوارق العديدة والتي منها عدم الجسمانية.

ففي البرزخ يوجد أرواح المؤمنين والكفار ولا شك بأن أرواح المؤمنين فيها سعيدة لأنها تعيش في تلك المرحلة ومعها البشرى بالنعيم تلك البشرى التي أتته بها ملائكة قبض الروح، أما الكافر أو الظالم فإن روحه تكون مستاءة وتعبة وتتمنى ان تستيقظ فلا يتحقق لها ذلك حتى تستيقظ في يوم الحساب لشر كان البرزخ أمامه عيشة هنية.

ويمكن للأرواح أن تلتقي في البرزخ بل يمكن للروح أن تزور أهلها وتنظر إليهم متى أرادت ذلك لأن الله تعالى لا يخيب طلب عبده المؤمن وهذا الكلام لا يحتاج إلى البحوث المطولة لأنه في غاية من الوضوح قد لا يختلف اثنان فيه. وقد ورد أن الأرواح جنود مجندة ما تعارف منها ائتلف وما تناكر منها اختلف.

وقد حدثنا القرآن الكريم عن تلك المرحلة الفاصلة بين الدنيا ويوم القيامة فقال(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ  لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) يعني تستمر تلك المرحلة إلى يوم البعث ولا يوجد مرحلة غيرها سوى يوم القيامة فعلى الذين يجتهدون في إثبات مراحل غير البرزخ بعد الموت وقبل القيامة فليوفروا كلامهم لأنه مخالف لظواهر القرآن الكريم.

 

 

حَقِيقَةُ البَرْزَخ

 

ما هو البرزخ؟ البرزخ: هو المرحلة الفاصلة بين الدنيا ويوم القيامة، فهي تبدأ لحظة دفن الإنسان وتنتهي عند يوم القيامة يوم ينفخ في الصور فتنتشر الخلائق كالجراد المنتشر والفَراش المبثوث، وقد ذكر لنا الكتاب المجيد هذه المرحلة في موضع واحد حيث قال(وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) أي من بعد الموت توجد هذه المرحلة التي تحتوي حالياً على أعداد هائلة لا يعلمها إلا الله تعالى لأن أرواح الناس كلها موجودة في البرزخ، وربما أرواح المخلوقات التي سبقت عهد آدمنا(ع) لأن الحساب سوف يكون للجميع من الأولين والآخرين، ونقصد بالأولين الذين سبقوا عهد آدم، وبالآخرين الذين ربما يأتون بعدنا، فهذا أمر لا يعلمه إلا الله، فمثلاً نحن نتحدث عن يوم القيامة ونقول بأنه عندما يموت جميع الخلق فسوف تقوم القيامة، أليس من المعقول أن يفصل بيننا وبين يوم القيامة عشرات المراحل كمراحل الجنس البشري؟ نحن نقول لا مانع من ذلك، حيث حصل هذا الأمر قبل آدم عندما أهلك الله سكان الأرض عندما أفسدوا فيها واستخلف آدم عليها من جديد، أما الحديث عن أن هؤلاء قامت قيامتهم، فهذا بحث آخر، ولكن الأرجح هو أن القيامة لم تقم حتى الآن، حتى وإن سبق عالمَنا هذا ألف ألف عالَم، كل هذه التصورات قابلة لأن تكون في مرحلة التطبيق في علم الله تعالى.

ولكن الذي نركز عليه نحن هو ما يتعلق بأمرنا نحن بني آدم الذي لم يتجاوز عمره حتى الآن العشرة آلاف سنة كما ينص التاريخ.

وقد حدثنا النبي وآله(ص) عن البرزخ فقال الإمام زين العابدين في قوله تعالى(ومن ورائهم برزخ…) : هو القبر وإن لهم فيه لمعيشةً ضنكاً، والله إن القبر لروضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار:

وقال الصادق(ع) :البرزخ القبر، وهو الثواب والعقاب بين الدنيا والآخرة:

وقال(ع) :والله أتخوف عليكم، قلت وما البرزخ؟ قال القبر منذ حينِ موته إلى يوم القيامة:  وقال أمير المؤمنين(ع) : سلكوا في بطون البرزخ سبيلاً سُلطت الأرض عليهم فيه فأكلت لحومهم:

وقد ذكر أبو بصير الأرواح عند الإمام الصادق(ع) أرواح المؤمنين، فقال: يلتقون قلت يلتقون؟ فقال نعم ويتساءلون ويتعارفون حتى إذا رأيتَه قلتَ فلان:

وقد خص القرآن أرواح المؤمنين في البرزخ فقال(ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربه يرزقون) أي في مكان خاص أعده الله لهم من أجل أن ينعمهم فيه قبل يوم القيامة وهو زيادة في الرحمة واللطف الإلهي.

وقيل إن أرواح المؤمنين في البرزخ مقرها وادي السلام في النجف الأشرف لقول أمير المؤمنين(ع) :يابن نباتة إن في هذا الظهر يعني النجف أرواحَ كل مؤمن ومؤمنة في قوالب من نور على منابر من نور: ولعل تلك القوالب هي الأجسام الرقيقة التي أشير إليها في السابق.

وأما أرواح الكفار في البرزخ فهي كما قال الصادق(ع) : في حجرات في النار يأكلون من طعامها ويشربون من شرابها:

وإلى هذا النوع من العذاب البرزخي يشير القرآن بقوله(وَحَاقَ بِآلِ فِرْعَوْنَ سُوءُ الْعَذَابِ  النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فقوله (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ) دلالة على كون هذا العذاب ليس في يوم القيامة.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى