
تَعْظِيمُ مَا بَعْدَ المَوْت
إنّ جميع بحوثنا ومواعظنا وتحليلاتنا وكل البيانات التي قدمناها لا تساوي كلمة واحدة من كلام أمير المؤمنين وسيد المتقين علي بن أبي طالب(ع) الذي لم يترك أمراً ظاهراً أو خفياً إلا وأشار إلى حقائقه وخفاياه وأسبابه وكل ما يتعلق به، وذلك بطريقته الرائعة وأسلوبه الجذاب الذي كان وما يزال نهجاً للبلاغة والفصاحة، بل هو نهج للحق إلى يوم القيامة، ونهج البلاغة كتاب جمع فيه الشريف الرضي مقاطع من خطب الإمام ووصاياه وحِكمه، فلو وصلت إلينا تلك التعاليم كما صدرت لكنا في حالة أفضل من حالتنا هذه، ولكن ما ورد على اختصاره فقد أنار لنا ظلمات الحياة وعرّفنا على طرق الحق ورسم لنا دروب السعادة التي نربح بها الدنيا والآخرة في آن واحد، وقد ركّز الإمام(ع) في خطبه على تذكير الناس بالموت وما بعده لعلمه(ع) بمدى الفائدة التي تعود من وراء الموعظة لأهل الإتعاظ.
ففي تعظيم ما بعد الموت قال(ع) :فَإِنَّكُمْ لَوْ قَدْ عَايَنْتُمْ مَا قَدْ عَايَنَ مَنْ مَاتَ مِنْكُمْ لَجَزِعْتُمْ وَوَهِلْتُمْ، وَسَمِعْتُمْ وَأَطَعْتُمْ، وَلكِنْ مَحْجُوبٌ عَنْكُمْ مَا قَدْ عَايَنُوا، وَقَرِيبٌ مَا يُطْرَحُ الْحِجَابُ! وَلَقَدْ بُصِّرْتُمْ إِنْ أَبْصَرْتُمْ، وَأُسْمِعْتُمْ إِنْ سَمِعْتُمْ، وَهُدِيتُمْ إِنِ اهْتَدَيْتُمْ، وَبِحَقٍّ أَقَولُ لَكُمْ: لَقَدْ جَاهَرَتْكُمُ العِبَرُ، وَزُجِرْتُمْ بِمَا فِيهِ مُزْدَجَرٌ، وَمَا يُبَلِّغُ عَنِ اللهِ بَعْدَ رُسُلِ السَّماءِ إِلاَّ البَشَرُ:
وفي هذه الموعظة الصادرة عن أمير المؤمنين علي(ع) نقاط يجب الوقوف عليها لنفهم المراد منها، لأن كلامه(ع) في غاية العمق، فلا يجدر بنا التعامل مع النصوص الواردة عنه كما نتعامل مع كلام غيره من الناس العاديين وإن كانوا علماء، فإن العلماء أمام علم علي نقطة في بحره، فهو(ع) عَبَر البحر الذي لم يصل العلماء حتى الآن إلى شاطئه، حيث سبقهم منذ أربعة عشر قرناً، ولن يسبقه منهم أحد، لأنه نهل من العلم الإلهي عبر الوحي الذي كان ينزل على ابن عمه الأعظم(ص) حيث كان الوحي يعلّم محمداً وكان محمد يعلّم علياً حتى قال(ع) :علمني رسول الله ألف باب من العلم: ولأجل ذلك يجب أن نتعاطى مع نصوصه بشكل خاص فإنه كلما أعرنا جماجمنا لنصوصه كلما اكتشفنا فيها المزيد من النفع والفائدة.
النقطة الأولى: موضوع المعاينة التي أشار إليها بقوله المبارك: فإنكم لو عاينتم ما قد عاين من مات منكم: هي معاينة الإنسان لملك الموت وأعوانه الذين يأتون لقبض روحه، وربما معاينة كل المراحل التي يمر به الإنسان من لحظة حضور الملائكة عنده وإلى يوم القيامة.
النقطة الثانية: الحث على اكتساب الموعظة مما عاينه السابقون والذي سوف نعاينه نحن عما قريب، وكأنه(ع) يريد أن يقول لنا مهدوا بأعمالكم الصالحة لما سوف تعاينوه عند الموت وبعده فإن ما عند الموت عظيم وما بعده أعظم، ولذا قال: لجزِعتم ووهِلتم وسمعتم وأطعتم:
النقطة الثالثة: حجب تلك المعاينة عنّا، لأن وقتها يبدأ عند حضور ملك الموت، ولكن الإنسان الفذ هو الذي يتعاطى مع الدنيا كما يتمنى أن يتعاطى معها مَن عاين منازل الآخرة ومُنع من الرجوع إلى الدنيا ليعمل صالحاً، فإن تلك المعاينة وإن كانت محجوبة عنا بالوقت الحاضر إلا أنه لا مانع من أن نشعر بها ونتعظ ونعتبر ونعمل لها ونقدم لآخرتنا، فلو لم تكن تلك المعاينة محجوبة عن البشر قبل حلول أجلهم لما كفر من الناس أحد، ولكن المؤمن يرى بقلبه ما لا تستطيع عينه أن تراه، ومن أخلاق المؤمن أنه يرى الأمور بقلبه، ورؤية ما يراه الميت وإن كانت محجوبة عن العيون غير أنها ليست محجوبة عن العقول والقلوب والأرواح.
النقطة الرابعة: وهو أنه وإن لم نعاين ما عاينه من مات إلا أن تلك المعاينة ليست ببعيدة، لأنه مهما عمّرنا في دار الدنيا فإن مصيرنا إلى الموت الذي نعاين عنده ما عاينه من مات قبلنا، وكل آت قريب وإن أتى بعد عشرات السنين أو القرون، وإلى ذلك أشار الإمام بقوله: وقريبٌ ما يُطرح الحجاب:
النقطة الخامسة: أنه(ع) يبين لنا الحجة، فقد جاءنا النذير وأنذرنا وألقى بيننا تعاليم ربنا وأحكامه، وهذه حجة علينا في يوم الحساب، فلا عذر ينفع عندها، ولا ندم ولا بكاء، إذ لا ينفع هناك إلا من أتى ربه بالقلب السليم: ولقد بُصِّرتم إن أبصرتم وأُسمعتم إن سمعتم وهُديتم إن اهتديتم بحقٍ أقول لكم لقد جاهَرَتكم العبر وزُجرتم بما فيه مزدجَر:
الحَثُّ عَلَى العَمَلِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل
لقد منّ الله علينا بأئمة علماء حكماء أطهار أبرار سادة في الدنيا وسادة في الآخرة، وقادة لنا نحو خير الدنيا وثواب الآخرة، فلولا أئمتنا لم يكن لوجودنا أدنى قيمة، ولا لهذه الحياة أية أهمية، فقد ملؤوا الأرض علماً وأخلاقاً وأدباً وحِلماً حتى انتشرت فضائلهم بين الناس فكانت الكنز الأكبر والزاد الأوفر، وفي موضوع الموت وما يعقبه وما ينبغي العمل به قبل حلول الأجل قال أمير المؤمنين(ع): أَمَّا بَعْدُ، فَإِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ، وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ، وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ، وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلاَعٍ، أَلاَ وَإِنَّ الْيَوْمَ المِضْمارَ، وَغَداً السِّبَاقَ، وَالسَّبَقَةُ الْجَنَّةُ، وَالْغَايَةُ النَّارُ; أَفَلاَ تَائِبٌ مِنْ خَطِيئَتِهِ قَبْلَ مَنِيَّتِهِ ! أَلاَ عَامِلٌ لِنَفْسِهِ قَبْلَ يَوْمِ بُؤْسِهِ أَلاَ وَإِنَّكُمْ في أَيَّامِ أَمَلٍ مِنْ وَرَائِهِ أَجَلٌ، فَمَنْ عَمِلَ في أَيَّامِ أَمَلهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ فَقَدْ نَفَعَهُ عَمَلُهُ، وَلَمْ يَضْرُرْهُ أَجَلُهُ; وَمَنْ قَصَّرَ في أَيَّامِ أَمَلِهِ قَبْلَ حُضُورِ أَجَلِهِ، فَقَدْ خَسِرَ عَمَلَهُ، وَضَرَّهُ أَجَلُهُ، أَلاَ فَاعْمَلُوا فِي الرَّغْبَةِ كَمَا تَعْمَلُونَ فِي الرَّهْبَةِ، أَلاَ وَإِنِّي لَمْ أَرَ كَالْجَنَّةِ نَامَ طَالِبُهَا، وَلاَ كَالنَّارِ نَامَ هَارِبُهَا، أَلاَ وَإنَّهُ مَنْ لاَيَنْفَعُهُ الْحَقُّ يَضُرُّهُ البَاطِلُ، وَمَنْ لايَسْتَقِيمُ بِهِ الْهُدَى يَجُرُّ بِهِ الضَّلاَلُ إِلَى الرَّدَىْ، أَلاَ وَإِنَّكُمْ قَد أُمِرْتُمْ بِالظَّعْنِ، وَدُلِلْتُمْ عَلى الزَّادَ. وَإِنَّ أَخْوَفَ مَا أَخافُ عَلَيْكُمُ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَطُولُ الْأَمَلِ، تَزَوَّدُوا فِي الدُّنْيَا مِنَ الدُّنْيَا مَا تَحْرُزُونَ بِهِ أَنْفُسَكُمْ غَداً“
إنها كلمات مؤثرة وعبارات جذابة هي قمة في البلاغة وروعة في الفصاحة، وعظيمة في المحتوى، إذ ليس همه(ع) بيان الفصاحة وإبراز البلاغة بل همه وعظ الناس وإرشادهم وحثهم على التزود والإكتساب قبل أن يأتي يوم تتوقف فيه مراحل العمل وتبدأ عنده مرحلة الحساب، وقد اشتملت هذه الفقرات على أمور لا يجدر بنا أن نتهاون بها أو نؤخر معرفتها، فإن في التعرف عليها نفعاً لنا، إذ هي تحث على الإسراع بالعمل قبل حلول الأجل فإذا جاء الأجل انقطع العمل.
الأمر الأول: بيان قصر عمر الدنيا وأنها في تقدم مستمر نحو الزوال والفناء، وأن كل لحظة تنتهي من الدنيا تدنينا من الآخرة، وهو معنى قوله(ع) آذنت بوداع:
الأمر الثاني: وهو قرب الآخرة، فإنها وإن بعدت عنا سنوات أو عشرات السنين أو مئات السنين فهي في نظر الله عز وجل قريبة جداً، وبما أن الموت قريب من الإنسان وهو باب الآخرة، فمعنى ذلك أن الآخرة أقرب شيء لنا ومنّا.
الأمر الثالث: المضمار: وهو الزمن الذي يُسمح فيه بالعمل، وهو الفرصة الإلهية التي فتحها الله لعباده في دار الدنيا فهي الأولى والأخيرة فمن استغلها بالطاعة والعمل الصادق كُتب من أهل الفوز والنجاة، ومن أهملها حتى خانته وفلتت من يديه فقد خسر نفسه في الدنيا والآخرة.
الأمر الرابع: هناك شيئان في يوم الحساب وهما الأساس والغاية فإما الجنة لمن عمل لها وإما النار لمن أهمل العمل واتبع هواه.
الأمر الخامس: الدعوة إلى التوبة قبل أن يأتي وقت لا تُقبل فيه لأنه إذا عاين الموت فقد أغلق باب التوبة وعندما يغلق هذا الباب لم يعد بإمكان الإنسان أن يصحح شيئاً أو يتدارك الأخطاء التي أبرمتها عليه المعاينة.
الأمر السادس: الحث على العمل في أيام الأمل لأنها الميزان للمرء في يوم القيامة فمن استغل أيام أمله وتحضّر لحلول الأجل بصالحاته فقد نجا من أهوال القبر وما بعده.
الأمر السابع: الحث على التزود وهو حث قرآني مستمر وحثيث لأن كل إنسان في هذه الدنيا بحاجة إلى زاد لذلك السفر الطويل(وتزودوا فإن خير الزاد التقوى)
مُبَادَرَةُ الآجَالِ بالأَعْمَال
على العاقل في هذه الحياة أن يختار من الأشياء أدومها، فلو خيّرك أحدهم بين حديد يبقى وذهبٍ يفنى، فإذا كانت موازين عقلك مستقيمة وسليمة فلا بد وأن تختار ما يبقى وإن كان قليلاً على ما يفنى وإن كان كثيراً وثميناً، هذا هو المعيار العقلائي الصحيح في عملية اختيار الأشياء، وهذا إمامنا الأكبر علي بن أبي طالب(ع) يحثنا على اختيار الأكثر الأبقى والزهد فيما لا يبقى فيقول في نهج البلاغة:
” فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ، وَبَادِرُوا آجَالَكُمْ بِأَعْمَالِكُمْ، وَابْتَاعُوا مَا يَبْقَى لَكُمْ بِمَا يَزُولُ عَنْكُمْ، وَتَرَحَّلُوا فَقَدْ جُدَّ بِكُمْ، وَاسْتَعِدُّوا لِلْمَوْتِ فَقَدْ أَظَلَّكُمْ، وَكُونُوا قَوْماً صِيحَ بِهمْ فَانْتَبَهُوا، وَعَلِمُوا أَنَّ الدُّنْيَا لَيْسَتْ لَهُمْ بِدَارٍ فَاسْتَبْدَلُوا; فَإِنَّ اللهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَخْلُقْكُمْ عَبَثاً، وَلَمْ يَتْرُكْكُمْ سُدىً، وَمَا بَيْنَ أَحَدِكُمْ وَبَيْنَ الْجَنَّةِ أَوِ النَّارِ إِلاَّ الْمَوْتُ أَنْ يَنْزِلَ بِهِ. وَإِنَّ غَايَةً تَنْقُصُهَا اللَّحْظَةُ، وَتَهْدِمُهَا السَّاعَةُ، لَجَدِيرَةٌ بِقِصَرِالْمُدَّةِ، وَإِنَّ غَائِباً يَحْدُوهُ الْجَدِيدَانِ: اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ، لَحَرِيٌّ بِسُرْعَةِ الْأَوْبَةِ “
ففي هذه الموعظة الكريمة يدعونا أمير المؤمنين إلى مبادرة الأجل الذي لا بد من حلوله بالعمل الصالح الذي كان خير حافظ للإنسان في آخرته، وينصحنا بأن نشتري الآخرة بالدنيا لأن تلك الجنة التي نتمنى الحصول عليها ونرغب بالفوز بها لها ثمن في الحياة الدنيا وهو الطاعة وهو ثمن زهيد مقابل ما سوف يحصل عليه المؤمن في يوم الحساب من النعيم الدائم في الجنة التي لم يخطر جمالها على قلب إنسان مهما حاول أن يستقرب الصورة.
الشيخ علي فقيه



