حقيقة الإنسان

حَقيْقَةُ الإِنْسَان

مَوَاضِع الإِخْتِلافِ والإئتِلاف بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالحَيَوَان

 

 

مَوَاضِع الإِخْتِلافِ والإئتِلاف بَيْنَ الإِنْسَانِ وَالحَيَوَان

 

لا شك بوجود اختلاف مادي ومعنوي بين الإنسان والحيوان من حيث أصل الخلقة، ومن حيث الشكل الخارجي والقوى والمشاعر.

أول اختلاف بينهما يقع على أصل خلقتهما، فإن الإنسان خُلق من طين على هيئة خاصة، ولكن الحيوان خُلق من شيء آخر في تفصيل يأتي في محله إن شاء الله.

فهناك إذاً وجوه مشابهة، ووجوه مخالفة بينهما.

نبدأ بذكر وجوه المشابهة، وننطلق من قوله تعالى(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)

أول وجوه المشابهة بينهما هو تركيبة الجسد فيهما ونظام الحياة الذي يتعامل به كلاهما.

فالإنسان مخلوق من لحم ودم وعظام وماء، وكذلك الحيوان.

الإنسان يأكل ويشرب وينام ويتزاوج، والحيوان كذلك.

الإنسان يسعى إلى استمرار حياته عبر السعي والكد للحصول على حاجاته، وكذلك الحيوان.

الإنسان يتخاطب ويتفاهم مع الإنسان، والحيوان يتخاطب مع أصناف جنسه ولكن بطرق خاصة وكيفيات لا يفهمها الإنسان، وأكبر دليل على مشابهة الحيوان للإنسان في هذا الأمر كلام نبي الله سليمان(ع) مع الحيوانات حيث أخبرنا القرآن الكريم بأنه خاطب الهدهد وتفاهم معه، وكذلك خاطب النملة، وأما على صعيد الروايات فإن تاريخ سليمان(ع) حافل بمثل هذه المواقف والمحطات.

أما موارد الإختلاف فإن كل ما يفعله الحيوان إنما يفعله عن غير إدراك، بل بالغريزة الموهوبة له تكويناً، أما الإنسان فإنه يدبّر أموره عن طريق المعرفة النابعة من العقل.

وأما على صعيد العلم فهناك وجوه موافقة ووجوه مخالفة بينهما حيث لا يمكن إنكار علم الحيوان لأمور تُشابه علم الإنسان بها، ولذا قسّم المناطقة العلم إلى أربعة أقسام تَشابه فيها الإنسان مع الحيوان في ثلاثة، وافترق عنه بواحدة، تلك التي مصدرها العقل.

فإن مسألة اكتساب العلم لا تختص بالإنسان، وإنما تشمل الكثيرين من ذوي الأرواح وإن لم يكونوا عقلاء لأن مصادر العلم لا تنحصر في العقل، فهناك معارف يصل إليه المخلوق لا علاقة للعقل بها، وأبرز تلك العلوم هي العلوم الحضورية التي تنبع من حاق المخلوق دون إعمال قوة العقل.

ولكن ثمة فارقٌ بين نوعي الكسب للعقلاء وغيرهم، وهو أن العاقل يحصل على بعض العلوم عن طريق العقل وغيره، أما غير العاقل فيحصل عليها عن طريقٍ لا علاقة للعقل به.

ولا شك بأن هناك اتفاقاً بين العقلاء وغيرهم في طرق الكسب فإن بعض الدوافع لدى الإنسان تشبه بعض الدوافع عند الحيوان بسبب حركة الحياة الطبيعية التي اقتضت وجود تلك المشابهة بينهما من نواحٍ عديدة.

ولذا قد يحصل الخلط عند البعض بين الدوافع الناشئة عن العقل والدوافع الناشئة من طبيعة التكوين، والتي يمكن أن نطلق عليها في الحيوان قوة الغريزة.

بعض الناس وقعوا في شبهة حول هذا الأمر فظنوا بأن الحيوان يتمتع بقوة عقلية ولكن بنسبة ضئيلة، وذلك من خلال مراقبة بعض السلوكيات عند الحيوان والتي تشبه بقوةٍ بعض سلوكيات الإنسان فطنوا بأن بعض أصناف الحيوانات تتمتع بقوى عقلية.

ولكن الحقيقة الثابتة حول هذا الأمر هي أن الحيوان لا يتمتع بذرة واحدة من القوة العقلية وإلا كان مكلّفاً كالعقلاء بحسب النسبة الموجودة فيه.

فذكاء بعض الحيوانات ما هي إلا مجرد حركات تصدر عنه بفعل الغريزة حيث تدرك بعض الحيوانات بالغريزة أن الإنسان يحب هذه الحركة فيفعلها من أجل الحصول على الطعام أو على الأمان، أو كما تنادي بعض الحيوانات بالقدوم إليك فيأتون إليك.

هم في الواقع لا يفهمون كلامك، ولا يدركون معنى حرف واحد مما تنطق به، وإنما يشعرون بطريقة معينة وبقوة الغريزة فيهم أن هذا يناديهم وذاك يزجرهم.، وهذا يحبهم، وذاك يكرههم.

فوجود المشابهة بين الإنسان وبعض أصناف الحيوان في السلوك نتيجتها اشتراك الحيوان مع الإنسان في ثلاثة أنواع من أنواع العلوم.

ومن الفوارق الأساسية بين معرفة الإنسان ومعرفة الحيوان هو أن العقل يدعو الإنسان إلى التحليق في عالم المعرفة مما كان له علاقة مباشرة على حياة الإنسان واستمرار وجوده، ومما ليس له علاقة على حياته وإنما نتيجة حب الإستطلاع التي يتميز به الإنسان عن غيره من أصناف الحيوانات، أما الحيوان فتنحصر معرفته فيما يضمن له استمرارية حياته.

وكما أن العقل ينمو ويتسع فكذلك الغريزة عند الحيوان، ومن هنا نجد حيواناً أذكى من الآخر، فالأسد الذي عمره خمس سنوات أعرف بمسالك العيش من الأسد ذي السنة الواحدة أو السنتين، وهذا يعني تطور الغريزة لدى الحيوان كما يتطور العقل في الإنسان.

وكما كان هناك تمايز بين إنسان وإنسان آخر من حيث التفكير والتعقل والتدبر، فكذلك يوجد نفس التمايز بين حيوان وحيوان آخر.

وهذا التمايز أيضاً يوجد في ذات الصنف من الحيوان، فلا مانع من أن يكون الأسد ذو السنوات الخمس أعرف من أسد آخر ذي سنوات خمس أو أكثر، ويعود ذلك إلى كمية التجارب التي خاضها هذا دون ذاك.

ومع ملاحظة ما ذكرناه حول هذه المسألة يتضح لدينا بأنه بحث واسع نستطيع أن نعقد البحوث الكثيرة حوله، ولكنه بما أنه ليس المطلوب لدينا في هذا الكتاب نكتفي بهذا القدر من البيان لنذكر أقسام العلم بحسب المناطقة.

لقد ذكر المناطقة وجوه الإتفاق والإفتراق بينهما وذلك بعد أن قسموا العلم إلى أربعة أقسام:

الأول: العلم الحسي: وهو العلم الذي يكتسب عن طريق الحواس الخمس الموجودة في الإنسان والحيوان، فكما يتعلم الإنسان عن طريق النظر والسمع واللمس وباقي الحواس كذلك الحيوان الذي خلق الله له تلك الحواس ليستخدمها في حاجاته.

ولذا نجد الحيوان يميز بين منظور ومنظور وبين مسموع وآخر، وهذا النوع من العلم يشترك فيه الإنسان مع الحيوان.

– الثاني: العلم الخيالي: وهو العلم المكتسب بقوة الخيال عند الإنسان والحيوان لأن الله سبحانه وتعالى قد أودع فيهما هذه القوة ليدركا بها كثيراً من المعارف.

– الثالث: العلم الوهمي: وهو خاص بالشعور القلبي كالحب والبغض، فإن الإنسان منذ صغره يميز بين الحبيب وغيره نتيجة بعض المؤثرات الخاصة فيعلم من يحبه ومن يبغضه، وكذلك الحيوان وهذا من الأمور الواضحة لدى الجميع.

الرابع: العلم الأكمل:

وهو العلم الذي ينشأ عن العقل، وهو الذي تميز به الإنسان عن الحيوان وتوصل به إلى معرفة الكثير من أسرار هذا الكون وما فيه من العجائب والغرائب.

وبهذا العلم أدرك الإنسان وجود الله تعالى وآمن بذلك وأقر بالعبودية له وأيقن بجميع صفاته وأسمائه.

وبهذا النوع من العلم وصل الإنسان إلى هذا التطور المذهل الذي لم يكن الناس له مقرنين قبل ذلك.

إنه العلم الذي وصفه الله سبحانه بالنور والبصر والهدى وبغيرها من عبارات التعظيم.

وهو العلم الذي يقابل الجهل فيمن له قابلية العلم،فإن الذي منح قابلية التعلم والمعرفة ولم يستغلها في ذلك كان جديراً بأن يوصف بالجاهل، ولا يوصف الحيوان بذلك لعدم وجود قوة العقل فيه.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى