حقيقة الإنسان

حَقيْقَةُ الإِنْسَان

مَعانِيْ الرُّوح وأنواعُها

 

 

مَعانِيْ الروح وأنواعُها

 

عندما يريد المتحدث أن يتحدث عن الروح كان لا بد له من نصب قرينة تصرف الذهن إلى المعنى المراد كيلا يحصل الخلط بين معنى ومعنى آخر لأن للفظ الروح أكثر من معنى حقيقي، وربما يجوز استعمال هذا اللفظ في المجاز، كقولك(روح الكلام وروح الطبيعة).

وقد استعمل القرآن الكريم لفظ للروح للدلالة على جملة من المعاني التي يجمعها عنوان عام مع اختلاف في الماهية.

ولا بد من ذكر الآيات التي استعملت لفظ الروح من باب حصرها ثم نسلط الضوء على المعاني الأساسية لكل لفظ منها.

قال سبحانه(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً){الإسراء/85}

وقال تعالى(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِم مِّن كُلِّ أَمْرٍ){القدر/4}

وقال عز مِن قائل(نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ){الشعراء/193}

وقال عز وجل(وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ){التحريم/12}

وقال جل ذكره(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ){الشورى/52}

 

الروْحُ التِي هِيَ مَصْدَرُ الحَيَاة

 

كالتي في الإنسان والحيوان على كثرة أنواعه حتى غير المرئي منه، والتي في الجن والملائكة.

وإلى هذا المعني يشير الله سبحانه بقوله(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً){الإسراء/85}

هذه هي الروح التي جعلها الله سبحانه سراً من أسراره، ولقد حاول كثيرون أن يدركوا حقيقتها عبر طرح الأسئلة على أنبياء الله(ع) ولكن الجواب دائماً كان سلبياً حيث لا يشارك الله خلقه في قدرته، ولا يسمح لأحد أن يتصرف في الخلق إلا عن طريق المعجزة التي لا تكون إلا بأمر الله وقدرته.

ولعل المراد بالروح هنا ما هو أعم من مصدر الحياة والأمر الإلهي والوحي والملك الأمين.

والروح هي تلك القوة الخفية التي يهبها رب العالمين للأحياء، والتي يتحركون بها ويفعلون كل ما يفعلون بها، فهي تأتي بأمر الله وحده، وتخرج من الجسد بأمر الله كذلك.

وهي من القوى البعيدة عن عالم المادة والمحسوسات، فهي أمرٌ معنوي محض، لا يُرى ولا يُلمس، وليس له حيّز في هذا الوجود.

لقد أوجد الله الروح بأسباب ترتبط بالطبيعة، حيث جعلها طرقاً تكوينية لدخول الروح في الجسد عبلا الإتصال بين الذكر والأنثى، وهي توجد في الحيوان المنوي يوم تكوينه، ولا تدخل إلى الجنيت بعد فترة كما يتوهم البعض لأن الذي يحرك الحيوان المنوي ليدخل إلى البويضة المستقرة داخل الرحم إنما هي الروح.

أما التعبير بولوج الروح للجنين في الأسبوع السادس أو السابع فهو لا شك تعبير مجازي، ولعل الذين يعبرون بولوج الروح للجنين في الأسبوع المعلوم قد نظروا إلى اكتمال الجنين فاعتبروا اكتمال جسده وجوداً لروحه، وهو أمرٌ يتعارض مع الحقيقة التي تنص على أن الروح توجد في الحيوان المنوي لحظة تكوينه، حيث يستحيل أن يتكون إلا بوجود الروح فيه.

واحتياجه لأوعية أمه أو للغذاء منها لا يعني أن الروح ليست فيه لأنه لو لم يكن في الجنين روح فهو ميت، وقد استقرت فيه الروح إلى لحظة توقفه عن النمو، ولهذا مات.

وقد قيل بأن جميع الأرواح كانت موجودة في صلب آدم(ع) ولكنه قولٌ يحتاج إلى دليل، ولعلهم عبَّروا عن ذلك مجازاً أيضاً لأن آدم أصل البشر، ولكن ما نعرفه حول هذا الأمر هو أن الله تعالى يُدخل الأرواح إلى الأجساد ويضعها في أصلاب الرجال بطريقة يجهلها البشر، لأن كل ما يتعلق بالروح عموماً أوخصوصاً إنما هو من خصوصيات رب العالمين سبحانه.

ومن المؤكد عندنا أن الله تعالى خلق الأرواح قبل الأجساد، يعني كانت موجودة قبل وجود جسد آدم(ع)، وهذا ما سوف نعقد له بحثاً مستقلاً، وسوف أعمل على ربط البحوث بعضها ببعض حتى نصل إلى النتيجة المطلوبة.

ولعل الإمام علياً(ع) قرّب هذا المعنى إلى أذهاننا عندما وصف ملَك الموت بقوله:

“هَلْ تُحِسُّ بِهِ إِذَا دَخَلَ مَنْزِلاً؟ أَمْ هَلْ تَرَاهُ إِذَا تَوَفَّى أَحَداً؟ بَلْ كَيْفَ يَتَوَفَّى الْجَنِينَ فِي بَطْنِ أُمِّهِ؟! أَيَلِجُ عَلَيْهِ مِنْ بَعْضِ جَوَارِحِهَا أَمِ الرُّوحُ أَجَابَتْهُ بَإِذْنِ رَبِّهَا؟ أَمْ هُوَ سَاكِنٌ مَعَهُ فِي أَحْشَائِهَا؟ كَيْفَ يَصِفُ إِلهَهُ مَنْ يَعْجَزُ عَنْ صِفَةِ مَخْلُوق مِثْلِهِ”

لقد حاول البعض أن يتعدوا حدود ربهم فوضعوا بعض الحيوانات الحية في صناديق زجاجية محكمة الإغلاق حتى يكتشفوا شيئاً من أسرار الروح، فكانت النتيجة أن خرجت روحه ولم يلاحظوا شيئاً، وقد كرروا العملية مرات عديدة فباؤوا بالفشل الذريع.

وللعلماء آراء مختلفة حول حقيقتها، ولا أرى ضرورة لتكرار ما كتبوه أو قالوه، فإن أقوالهم الكريمة مجرد احتمالات نشئت عندهم من تقرب شيء لشيء، ووضع شيء على شيء، فتبقى في دائرة الشك ما لم يثبت الدليل.

فبعضهم قال: إن الروح هي النفس:

وهو قولٌ مدفوع بقوله تعالى(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا)

حيث نلاحظ من خلال هذه الآية أن الله جلّ وعلا قد فصل بين الروح والنفس، لأن رفع النفس شيء، والموت شيء آخر، فترتفع النفس حال الموت وحال النوم والإغماء، أما الموت فيعني خروج الروح، ثم إن الآيات الكريمة الحاكية عن النفس بأقسامها توحي بكونها غير الروح التي هي مصدر الحياة.

وقال بعضهم إن الروح هي العقل: ونحن نقول بأن الروح هي التي تحرك القوة العقليلة وتمدها بالحياة لأن القوة العقلية من دون روح لا تعمل، ونفس الذي ذكرناه حول الفرق بين الروح والنفس يجري هنا.

ولعلهم عبّروا عنها بالنفس والعقل لارتباط النفس والعقل بها، فهو إذاً من التعابير المجازية وليست حقيقة.

ولا بأس بشيء من التوجيه في المقام كيلا نقع في الشبهة تجاه هذه المسألة، فإن قوة الروح هي هي، تبقى على حالها، لا تتغير ولا تتبدل، بل إن الذي ينمو ويتطور في الإنسان هو قواه العقلية والنفسية المرتبطة بالروح، ولذا يمكن التعبير بتطور الروح ويكون المراد تطور العقل والنفس، ولا مانع لغوي من ذلك.

فالروح التي تحرك أصغر أنواع الحشرات هي نفسها التي تحرك الإنسان وما هو أكبر من الإنسان، ونعني بنفسها هنا أنها من ذات السنخ ومن نفس المصدر.

 

إِخْتِلافُ الرُوْحِ بَيْنَ إِنْسَانٍ وَآخَر

 

لأن الروح سرٌ من أسرار الله تعالى عجزنا عن بيان حقيقتها، ولكننا ما زلنا نعمل على تقريب المعنى إلى الأذهان بما وفقنا الله لمعرفته من خلال كتابه العزيز وتعاليم النبي وآله(ص).

وقلنا فيما سبق إن الروح واحدة في جميع ذوي الأرواح، ولكننا نقرأ بعض النصوص التي تُظهر لنا وجود تفاوت بين روح وروح أخرى كما ميّز علماؤنا بين أرواح المعصوين(ع) وغيرهم من الناس، وبين أرواح الصالحين والطالحين.

ومن هنا عُقدت البحوث تحت عنوان(مراتب الروح) وما ينسجم معها وما ينفّرها، وما إلى هنالك مما له صلة بها.

فالروح تتغذى وتكبر وترتقي، وربما تعمل العكس، ولكن مع تأمل بسيط في حقيقة هذه الأطروحة نجد بأن المعنى يعود إلى النفس، وليس إلى الروح بما هي مصدر للحياة.

ولذا يمكن أن نقول إن الروح ترتبط مع باقي القوى في الإنسان، فإذا كانت النفس زكية كانت الروح زكية، وإذا كانت أمّارة بالسوء تبعتها الروح، وكأن الروح تنساق إلى غيرها من القوى النفسية والعقلية.

ولا شك بوجود اختصاص للروح في بعض المجالات كحالها في عالم البرزخ عندما تنفصل عن الجسد وقوى النفس فإن لها سعادة وشقاءاً.

وهذا يعني أن الروح تستقل ببعض المشاعر التي لا علاقة لها بقوى النفس، ومن هنا عُقدت الأبحاث حول هناء الروح وعذابها.

وهذا ما يجعلنا حائرين في أمرها، فمرة نظن بأنها مستقلة، وتارة تعمل عمل النفس والقلب والعقل، ولهذا كيلا نقع في شبهة أو خطأ نردّ الأمر إلى الله عز وجل، وأنا شخصياً لن أتجرأ على خوض بحث سكت الله عنه، بل سوف أسكت عما سكت الله عنه لأنه لو كان ثمة فائدة في بيانه لبيّنه الله سبحانه قبل أن نسأل أنبياءه.

وأما على صعيد ما ورد في مراتب الروح وأنواعها فقد أشار الإمام علي(ع) إلى شيء من ذلك حيث ورد عنه أنه قال: إن للجسم ستة أحوال: الصحة والمرض والموت والحياة والنوم واليقظة، وكذلك الروح، فحياتها علمها، وموتها جهلها، ومرضها شكها، وصحتها يقينها، ونومها غفلتها، ويقظتها حفظها.

وليس لي بعد هذا البيان أدنى رأي.

 

مَوْتُ الرُوْح

 

حدّثنا القرآن المجيد عن الحياة بشكل عام، ثم خصّص الكلام عنها فحدثنا عن الحياة قبل مرحلة الدنيا، ثم عن الحياة في الدنيا، ثم عن الموت، ثم عن الحياة بعد الموت في هذه الحياة، ومما قاله رب العالمين في هذا الشأن(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ){البقرة/28}

وقال سبحانه(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ){غافر/11}

وقال تعالى(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى){طه/55}

 

بحثٌ في الآية الأولى

 

اللافت في الأمر أن الله تعالى في الآية الأولى عبّر عن عدم الحياة بالموت لأن الموت يُشبه العدم بوجه من الوجوه، والله أعلم إن كان التعبير مجازياً أم حقيقياً.

وبهذا البيان يحتج الله سبحانه على عباده الذين أدركوا يقيناً أنهم نشأوا من العدم فكانوا بحكم الأموات، ثم أحياهم الله بقدرته وأخرجهم إلى الدنيا بعد أن كانوا نطفاً في أصلاب آبائهم، فأدخلهم بقدرته في أرحام أمهاتهم ثم أخرجهم إلى الحياة بصورة حسنة ونظام دقيق لا مثيل له في الوجود.

وخيرُ مَن صوّر لنا هذه الحقيقة الإمام علي(ع) حيث قال:

” أَمْ هذَا الَّذِي أَنْشَأَهُ فِي ظُلُمَاتِ الْْأَرْحَامِ، وَشُغُفِ الْْأَسْتَارِ، نُطْفَةً دِهَاقاً، وَعَلَقَةً مِحَاقاً، وَجَنِيناً وَرَاضِعاً، وَوَلِيداً وَيَافِعاً، ثُمَّ مَنَحَهُ قَلْباً حَافِظاً، وَلِساناً لْافِظاً، وَبَصَراً لْاحِظاً، لِيَفْهَمَ مُعْتَبِراً، وَيُقَصِّرَ مُزْدَجِراً; حَتَّى إِذَا قَامَ اعْتِدَالُهُ، وَاسْتَوَى مِثالُهُ، نَفَرَ مُسْتَكْبِراً، وَخَبَطَ سَادِراً، مَاتِحاً فِي غَرْبِ هَوَاهُ، كَادِحاً سَعْياً لِدُنْيَاهُ، فِي لَذَّاتِ طَرَبِهِ، وَبَدَوَاتِ أَرَبِهِ; لْايَحْتَسِبُ رَزِيَّةً، وَلاَ يَخْشَعُ تَقِيَّةً”

ولعل الآية الكريمة ناظرة إلى مرحلتين بعد مرحلة الدنيا هما: البرزخ ويوم القيامة.

ولا تعني الآيات أن الروح كانت ميتة، وإنما تعني أنها كانت معدومة فأوجدها الله بقدرته وأخرجها إلى عالم الظهور.

 

بحثٌ حول الآية الثانية

 

وهي قوله سبحانه(قَالُوا رَبَّنَا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إِلَى خُرُوجٍ مِّن سَبِيلٍ)

قولهم(أمتّنا) يُشعر بأنه أتى بعد حياة كانوا فيها، وهذا ما يجبرنا على توجيه الكلام في جهتين:

الجهة الأولى: أن الموت الأول يراد به ما قبل الخروج إلى الدنيا حيث شبّه الله سبحانه الحياة قبل الحياة الدنيا بالموت لأنها بالفعل تشبه الموت لعدم وجود جسد تظهر الروح فيه وتنفذ إرادتها به.

وعليه تكون الموتة الأولى قبل الدنيا، ثم تأتي الموتة الثانية بعد فراق الدنيا.

الجهة الثانية: أن الله سبحانه لم يقصد بالموت مرحلة ما قبل الدنيا، وإنما قصد بالموتة الأولى خروج الروح من الجسد عندما يأتي الأجل وتنتقل الروح إلى عالم البرزخ، ثم هناك موت آخر في عالم البرزخ، ثم بعد هذا الموت يحيا الإنسان لينتشر بين يدي ربه للحساب، وبهذا يكون الإنسان قد مات مرتين، وأحياه الله مرتين، وبعدهما لا يوجد موت على الإطلاق، فإما أن يعيش المرء بسعادة أبدية في جنة الخلد، أو يخلد بشقاء وعذاب في نار جهنم.

بحثٌ حول الآية الثالثة

 

وهي قوله سبحانه(مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ تَارَةً أُخْرَى)

في هذه الآية يخبرنا الله عز وجل عن أصل تكويننا، وهي حقيقة ثابتة لا بد من التعرف عليها، والضمير في قوله(منها) عائد على الأرض، والطين الذي كُوّن منه آدم(ع) إنما هو طين الأرض، ولهذا كان أصل الإنسان تراباً.

ثم بعد المكوث في الأرض مدة لا يعلمها إلا الله تبارك وتعالى يأتي الموت فتخرج الروح من الجسد ويوارى الثرى، وهو معنى قوله تعالى(وفيها نعيدكم)

ثم عند مجيء الأمر الإلهي بالخروج للحساب يُخرجنا الله من الأرض ويهبنا الحياة ونقف بين يديه للحساب.

ولكن الفرق بين هذه الآية والآية الثانية هو أن الله في هذه الآية تحدث عن موت واحد وحياتين، بعدما حدثنا في الآية الثانية عن حياتين وموتين، ولا يعني ذلك التعارض بينهما، وإنما يعني الإيضاح بما تقتضي الحاجة في المقام.

وبعد التوقف على الآيات الثلاث يأتي دور الكلام عن موت الروح فيسأل الإنسان نفسه أو غيره: هل تموت الروح؟

والجواب: لم تُخلق الروح لكي تفنى، وإنما وُجدت لتبقى إلى الأبد، وهذا يعني أن الروح لا تموت، بل الذي يموت هو البدن بعد أن تخرج منه الروح.

أما الروح فتنتقل من مرحلة إلى أخرى حتى تصل إلى نهاية المطاف ليُكتب لها الخلود إما في الهناء وإما في الشقاء.

فعندما نقول: فلان مات: نعني أن روحه قد خرجت من بدنه، ولا نعني موت الروح على الإطلاق لأنها لا تموت أبداً.

 

كَيْفَ خُلِقتْ الروْحُ وَمَتَى وُجِدَتْ

 

نبدأ هذا البحث الدقيق بقول الله عز وجل(مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ)

عندما خلق الله السموات والأرض لم يكن للإنسان وجود لأنّ خلقَهما سبق خلقَه، وربما لم يكن هناك وجود لأي مخلوق قبلهما من الملائكة والجن.

لقد تفرّد الله في الخلق وحده، فلم يشاركه أحد من خلقه في خلقه، ولم يشهد عملية الخلق أحد منهم، ولا يشهد أحد منهم خلق نفسه ولا خلق غيره لأن ذلك من خصوصيات الخالق البديع سبحانه.

وهذه القاعدة تشمل جميع أصناف الخلق، والتي كانت الروح منها.

ولا شك بأن خلق الأرواح سبق خلق الأحياء لأنهم لم يكونوا أحياءاً إلا بسبب وجود الروح قبلهم.

أما الحديث عن كون الأرواح موجودة قبل السموات والأرض فهو مسكوت عنه، ونحن البشر لا ندري من منهما سبق وجوده وجود الآخر، ولا أرى مصلحة في معرفة هذه النقطة، لأنه لو كان في ذكرها أثر على النفس والسلوك لذكرها الله سبحانه.

ولا ندري ما إذا كانت الأرواح خُلقت دفعة واحدة أم بالتدريج، ولكن مع الرجوع إلى بعض النصوص الواردة في هذا الشأن ندرك بأن هناك أرواحاً خلقها الله قبل غيرها وهي روح النبي الأعظم(ص) وأرواح أهل بيته الأطهار الذين سبقت أرواحهم وجود أي شيء في الكون، وقد كثرت الأحاديث الحاكية عن كون النبي وعلي(عليهما السلام) خلقهما الله قبل أن يخلق الله الخلق بألفي عام كما ورد في بعض النصوص، ومنها ما اختص أصحاب الكساء الخمسة بهذه الخاصية الفريدة من نوعها والتي إن دلت على شيء فإنما تدل على عظمة شأن أصحاب هذه الأرواح، وسوف نعقد بحثاً خاصاً حول هذه النقطة لدى الحديث عن تكوين آدم(ع) وتعليمه الأسماء كلها.

غاية ما نعرفه هو أن الأرواح كلها موجودة بيد الله تعالى فهو ينقلها إلأى الإنسان والحيوان في الوقت المحدد.

أما كيفية خلق الأرواح زمتى وُجدت فهذا ما لا يعلمه إلأا الله عز وجل، وأي بحث يُعقد حول بيان هذه الحقيقة فلا شك أنه سوف يصل إلى حائط مسدود.

فالقرآن الكريم لم يذكر لنا ذلك فضلاً عن الأنبياء والأوصياء(ع)، غاية ما ذُكر في القرآن هو حدثٌ حدث للأرواح، وهذا الحدث كشف عنه قول الله سبحانه(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ){الأعراف/172}

عندما خلق الله سبحانه جميع الأرواح في عالَم الذر وجّه إليهم سؤالاً: ألستُ بربكم: فشهدوا له بالربوبية والوحدانية، ثم حذرهم من نسيان ما فطرهم عليه مشيراً إلى أن الأعذار لن تنفعهم في يوم القيامة ولن يغفر لهم غفلتهم، وكأنه قال لهم: إياكم أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذه الشهادة وعن هذا الإقرار غافلين، ولهذا فإن كل مولود من البشر يولد على فطرة التوحيد إلا أنه هو الذي يختار لنفسه طريقاً مغايرة عندما يدير مسامع قلبه للشيطان الرجيم.

هذا أكثر ما أشار الله إليه عن تلك المرحلة، ولن نزيد على ما قاله الله شيئاً، إذ لا يحق لنا ذلك على الإطلاق.

والخلاصة هي أن الأرواح خُلقت في زمان ما، وهي موجودة في مكان ما، وذلك من أسرار الله التي جعلها طي الكتمان عن خلقه ليكون ذلك أحد ركائز الإمتحان لهم في دار الدنيا.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى