حقيقة الإنسان

حَقيْقَةُ الإِنْسَان

عَهْدُ اللهِ لِلْبَشَر

 

 

عَهْدُ اللهِ لِلْبَشَر

 

قال تعالى في سورة يس(وَامْتَازُوا الْيَوْمَ أَيُّهَا الْمُجْرِمُونَ  أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَن لَّا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ  وَأَنْ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ  وَلَقَدْ أَضَلَّ مِنكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ  هَذِهِ جَهَنَّمُ الَّتِي كُنتُمْ تُوعَدُونَ)

في الآية الأولى يُبرز الله سبحانه إرادته بتمييز المجرمين عن المتقين حيث يأمرهم بالتميز والإنفصال، وربما يكون ذلك من وظيفة الملائكة.

ولقد عبّر عن الكفار والعصاة بالمجرمين لأنهم في الواقع مجرمون في حق أنفسهم وفي حق غيرهم وبالخصوص في حق الرسل والرسالات السماوية، فينفصل الكافر عن المؤمن وتقف كل فرقة منهما تنتظر الجزاء على قاعدة بالخير خير وبالشر شر ولا يظلم ربك أحداً منهم مثقال ذرة.

وهناك المشيئة لله تعالى في العفو عما شاء، وتعذيب من شاء لأن مقاليد كل شيء بيده.

والحقيقة الثابتة هو أن المحسن لا يستحق كل الخير والنعيم بعمله القليل وإنما برحمة الله الواسعة، ولذا فإن المؤمن المخلص لربه لا يتكل في النجاة من العذاب على عمله وإنما على لطف الله وكرمه، وهذا ما أشار إليه الإمام السجاد(ع) في دعائه: لسنا نتكل في النجاة من عقابك على أعمالنا بل بفضلك علينا لأنك أهل التقوى وأهل المغفرة:

ثم احتج الله تعالى على بني آدم بالوصية التي عهد بها إليهم(ألم أعهد إليكم يا بني آدم ألا تعبدوا الشيطان)

وفي حقيقة هذا العهد الإلهي يوجد عدة آراء:

يمكن القول بأن هذا العهد قد أُخذ على جميع البشر عندما كانوا في عالم الذر عالم الأرواح في زمن لم يطلعنا عليه رب العالمين سبحانه، ولكنه أشار إلى هذا النوع من العهد في سورة الأعراف(وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ)

وقيل هذا العهد لم يؤخذ في عالم الذر بل أُخذ عندما أخرج الله الناس من أصلاب الرجال وأرحام النساء، وذلك من خلال الدلائل على ربوبيته ومن خلال الفطرة التي فطر الناس عليها وهي فطرة التوحيد، ولذا ورد عن رسول الله(ص) قوله: كل مولود يولد على الفطرة إلا أن أبويه يهودانه أو ينصرانه:

وكأن هذا العهد مأخوذ تكويناً على كل إنسان يخرج إلى هذه الحياة.

ولعل الأرجح أن يكون هذا الإشهاد قد تم في عالم الذر لأن المولود يوم يولد يولد على تلك الفطرة التي عرّفه ربه عليها عندما كان في عالم الذر.

فإذا قلنا إن الخطاب موجه إلى جميع بني آدم فيكون المراد هو أن العهد قد أخذ في عالم الذر، أما إذا قلنا بأنه مأخوذ على البعض فيكون المراد هم بنوا آدم بعد نزول القرآن، ويكون المراد بالعهد هنا هي تلك العهود التي أخذها الأنبياء على البشر قبل مبعث النبي محمد(ص).

وقد أوضح الإمام علي(ع) بعض جوانب هذا العهد الإلهي حيث قال:

“وَاصْطَفى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدَهِ أَنْبيَاءَ أَخَذَ عَلَى الْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ، وَعَلَى تَبْليغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ، لَمَّا بَدَّلَ أَكْثَرُ خَلْقِهِ عَهْدَ اللهِ إِلَيْهِمْ، فَجَهِلُوا حَقَّهُ، واتَّخَذُوا الْأَنْدَادَ مَعَهُ، وَاجْتَالَتْهُمُ الشَّيَاطِينُ عَنْ مَعْرفَتِهِ، وَاقتَطَعَتْهُمْ عَنْ عِبَادَتِهِ، فَبَعَثَ فِيهمْ رُسُلَهُ، وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِياءَهُ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بَالتَّبْلِيغِ، وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ الْعُقُولِ، وَيُرُوهُمْ آيَاتِ الْمَقْدِرَةِ”

فكلامه(ع) يُشعر بأن هذا العهد قد سبق بعث الأنبياء، وبناءاً عليه يكون العهد هو ذاك الذي أخذه علينا في عالم الذر.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى