
الصوْمُ حِجَابٌ عن الحَرَام
قال(ص): الصَّومُ حِجَابُ اللّسَانِ وَالسَّمْعِ وَالبَصَر:
لقد أتى هذا الكلام بعد ذكر الحكام والكيفيات التي يتحقق بها الصوم المفروض، وقد أتى ذلك من باب تصحيح العبادة وجعلها مثمرة للعبد ونافعة له في الدنيا والآخرة، إن ما أشار إليه النبي في هذا النص لا يتعلق بهيكلية الصيام الشرعي، ولكنه يحقق نتيجة كبرى للعبد الصائم.
الصوم حجاب اللسان: فمن أراد أن يكون صومه الشرعي نافعاً وصحيحاً لا بد أن يتوجه بهذه الإرشادات النبوية التي تحكي لنا الوحي الإلهي.
فما هو قولكم في صائم يغتاب الناس ويكذب عليهم ويفتن بينهم ويستعمل لسانه في السب والشتم والفحش وتوجيه الإهانات للآخرين، وهو في الوقت نفسه صائم لا يأكل ولا يشرب، بل هو ينتظر وقت الأذان ليقف في مصلاه ويؤدي هذه الفريضة.
قبل أن تصوم البطن عن الطعام والشراب يجب أن يصوم اللسان عن الشر وكلام اللغو وكل محرم مصدره اللسان، واللسان هو أهم مصدر من مصادر الشر، ولأجل ذلك كان إمساك اللسان أحد أبواب الجنة لأن الإنسان يكتب من المحسنين ما دام ساكتاً فإذا تكلم فإما أن يحسن وإما أن يسيئ، والإنسان المؤمن يجب أن يكون قليل الكلام لأن كثرة الكلام قد توقعه في الحرام، وبكثرته يطول وقوفه في يوم الحساب بين يدي الله عز وجل، فيجب على المؤمن أن يختم على لسانه كما يختم على أمواله كيلا يجره لسانه إلى الوقوع في الهاوية.
وقد أكد النبي وآله على مسألة اللسان ولجمه في وقت الصوم وفي غير وقته لأن اللسان إما أن يكون مفتاح خير أو مفتاح شر فلا ينبغي أن نستعمله إلا في الخير، ولتكن قلة الكلام في شهر رمضان تدريباً لنا على قلة الكلام في باقي العمر.
وليست كثرة الكلام أمراً ذاتياً في الإنسان فهو قادر على أن يغير واقعه ويقلل كلامه، ولكن بعض الناس يكثرون من الكلام فيما فيع المنفعة وفيما هو خال منها أو فيما هو سبب لجلب المضرة وذلك من أجل أن يملأ فراغ المجلس ويسلي الناس، لا مانع من أن تلاطف الناس ولكن ليس على حساب آخرتك كمن يقول إن الناس لا يضحكون أو لا يستأنسون إلا إذا كانت الألفاظ فاحشة، وهذا عين الجهل إذ كيف تبيع آخرتك من أجل أن تضحك الناس، أنت تستطيع أن تسليهم بطرق مقبولة لا تستتبع عذاباً وإثماً.
هؤلاء الذين ترتكب المعاصي من أجلهم هل يستطيعون بأجمعهم أن يخلصوك من العذاب في يوم الحساب؟ بالطبع لا أحد منهم يقدر على ذلك، الباب الوحيد للخلاص من العذاب هو طاعة الله عز وجل في هذه الحياة.
إن كثرة الكلام مصدرها التطبع وليس الطبع وإن هناك أطباعاً تغلّب عليها أصحابها عندما علموا بأنها أطباع سيئة، فكيف تعجز عن ضبط لسانك وقد كان كثرة مصادره ناشئة من عادة اعتدت عليها…؟
إذن.. الصوم حجاب اللسان والسمع والبصر.
فكما أنك مسؤول عن فلتات لسانك فأنت مسؤول عما تسمعه فهناك محرمات سمعية كالإستماع إلى الغناء أو إلى الغيبة إذا لم تردها، قال تعالى(إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً)
فكما يجب على المؤمن أن يستغل لسانه في الخير فكذلك يجب عليه أن يستغل سمعه للخير أيضاً خصوصا وأن القرآن الكريم قد ذمّ بعض الأنواع من المسموعات كالإستماع للكذب كما قال تعالى(سماعون للكذب)
فإن استعمال السمع في جهات الخير صفة من صفات أهل التقوى كما ذكر أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة عند وصفه للمتقين فقال: ووقفوا أسماعهم على العلم النافع لهم:
فبدل أن تسمع ما يضرك أو ما لا فائدة منه غسمع ما يعود عليك سماعه بالمنفعة فإن ذلك من شيم العقلاء قبل أن يكون من شيم أهل الإيمان.
فكما يجب عليك أن تصوّم بطنك يجب عليك أن تصوّم لسانك وسمعك وبصرك، ونفس ما قيل في موضوع اللسان والسمع يقال في موضوع البصر الذي أمرنا بغضه عن الحرام(وقل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم) وقال علي(ع) في حديث عن المتقين: غَضوا أبصارهم عما حرم الله عليهم:
وقال(ص) في حديث له: وغُضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم وعما لا يحل إليه الإستماع أسماعكم.
فلكي تضمن قبول صومك وصحته وكونه مثمراً لك عند الله فما عليك سوى الإلتزام بهذه التوجيهات الصادرة عن أهل بيت العصمة صلوات الله عليهم أجمعين.
فقد سمع النبي(ص) امرأة تسب جاريتها وكان ذلك في شهر رمضان وكانت تلك المرأة صائمة، فدعا لها النبي بطعام وطلب منها أن تأكل، فقالت كيف آكل وأنا صائمة؟ فقال(ص) لو كنتِ صائمةً لَمَا سَبَبْتِ جَارِيَتَكِ.
بناءاً على معنى هذا الحديث يكون صوم الأكثرين منا بحكم العدم، نقول بحكم العدم لأنه خال من الأجر والثواب الذي هو الهدف الأسمى من الصوم وغيره من العبادات، نحن نصوم ولكننا أثناء الصوم نصرخ بوجوه بعضنا البعض ونسب بعضنا وربما نمد أيدينا على بعضنا بالضرب والأذى ونطلق عبارات تغضب الله ورسوله، ما هو السبب في ذلك؟ هو أننا جائعون أو شاعرون بالعطش، هل الشعور بالجوع والعطش يصل بنا إلى هذا المستوى الوضيع الذي لا يليق بنا كمسلمين ومؤمنين، بل ولا يليق بنا كبشر.
هل سألنا أنفسنا لماذا نفعل ذلك في شهر رمضان ولا نفعله في غير شهر رمضان علماً بأننا في غيره قد يكون جوعنا وعطشنا أشد.
نحن نجيب أنفسنا بأن الذي يحركنا نحو هذه الممارسات السيئة هو الشيطان الرجيم الذي يؤذيه صومنا وصلاتنا وصلاحنا وقربنا من الله عز وجل.
قبل أن نبدأ بالصوم علينا أن نضع حجباً بيننا وبين الشيطان لا يستطيع أن يخرقها فإنه عدو لنا بل هو من ألد أعداء الإنسان، وقد حذرنا الله تعالى من هذا العدو الخطير الذي يتبع كل طرق الغدر من أجل الإيقاع بنا وهو يستغل الظروف المناسبة لذلك وينظر في نقاط الضعف فينا ليجعلها طريقاً له يتسلل منها متى أراد.
الشيطان الرجيم يستعمل جميع إمكانياته وطاقاته ضد المؤمنين وبالخصوص في أوقات العبادة حتى يحرمهم الثواب ويجلب لهم العقاب إن أطاعوه وعصوا الرحمن، وما أكثر من أطاع الشيطان في هذه الحياة.
لقد وجّه الله لنا أمراً بخصوص موضوع الشيطان وكيفية التعاطي معه حيث قال تعالى(إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً) أي تعاملوا معه على أساس كونه أخطر الأعداء فلا تستسلموا لوسوساته وخدعه كيلا يوقعكم فيما يجلب لكم الضرر والهلاك.
وقالت سيدة نساء العالمين فاطمة الزهراء(ع) في خطبتها الشهيرة: والصوم تثبيتاً للإخلاص: أي أن الله جل ذكره فرض علينا الصوم من أجل توطيد العلاقة بيننا وبينه وبه يثبت إخلاص الإنسان الذي كان الصوم بالنسبة له شاهداً حياً وعملياً على صدقه مع ربه.
والصوم المادي الذي لا يتعدى كونه امتناعاً عن الطعام والشراب لا يصلح لأن يكون تثبيتاً للإخلاص.
الشيخ علي فقيه



