
مَفَاهِيمُ عَامةٌ حَوْلَ آياتِ الصوْم
قبل أن نتبرك بتلاوة الآيات التي تتحدث عن وجوب الصيام وبعض أحكامه ومزاياه تجدر بنا الإشارة إلى كلام حول تساؤل يتردد بشكل دائم على ألسنة بعض الناس من جميع الطبقات الفكرية والعلمية من جميع الفئات.
ومحور هذا التساؤل هو قلة الآيات الحاكية عن الصوم العظيم والكبير والذي هو ركن من أركان الإسلام، وهو ذو معان وأبعاد ومفاهيم كبيرة وكثيرة تستحق منا كل التأمل والإهتمام.
فإذا كانت الإشارات القرآنية حول إيجاب الصيام ومعانيه موجزة ومحدودة إلى هذه الدرجة التي قد تكون مصدر توهم سلبي لدى بعض البعيدين عن فحوى هذه العبادة ممن يظنون دنو شأنها لقلة الكلام حولها، فإذا كانت الآيات التي تتحدث عن الصوم قليلة إلى هذا الحد فمن أين أتت تلك التعاليم والمفاهيم والأحكام التي لا يكاد يحصى لها عدد بسبب كثرتها.
هذا تساؤل عقلاني مقبول مهما كانت الأهداف من ورائه، ولكننا لكي نجيب عليه ونوضح بعض النقاط التي تجلي تلك الصورة وتزيل تلك الشبهات لا بد لنا من تقديم أمور عديدة تكوّن بمجموعها رداً على هذا التساؤل.
قبل كل شيء ينبغي أن نشير إلى كون هذا التساؤل ليس خاصاً بالصوم وظرفه الزمني الذي هو شهر رمضان، بل يجري هذا التساؤل في أكثر الأصول والفروع وغيرهما من المبادئ والمعارف الإسلامية.
فالصلاة على وجه المثال هي عمود الدين، وهي العلامة التي تميز بها المؤمن عن غيره، ورغم ذلك نجد بأن الآيات التي حدثتنا عن الصلاة قليلة جداً فهي لم تتعرض إلى ذكر عدد الفرائض، ولم تشر إلى عدد الركعات ووقت كل فريضة، ومع ذلك نجد بأن أحكام الصلاة كثيرة إلى حد كبير.
أكثر ما في الأمر هو أن الله تعالى اكتفى في القرآن بذكر بعض الأوامر الخاصة بهذه العبادة حيث قال(إِنَّ الصَّلاَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا) وفي موضع آخر قال(أقم الصلاة) وفي موضع ثالث(واركعوا مع الراكعين) وهناك إشارات قرآنية مماثلة تضع الإصبع على أصل وجوب العبادة مع ذكر بعض التفاصيل القليلة جداً كمسألة الوضوء الذي هو مقدمة لهذا الفرض.
وكذلك لو نظرنا إلى فريضة الحج التي تغسل الذنوب وتطهر النفوس وتذهب بالسيئات لم يذكر القرآن الكريم سوى بعض أحكامها كقوله تعالى(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) وقوله مشيراً غلى بعض الأحكام الخاصة بالحج (وَأَتِمُّواْ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلاَ تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ*الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ* لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ* ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ* فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا)
ويتضمن كلامنا رداً على من يطلب لكل شيء آية واضحة وصريحة وذلك كمن يعلق موضوع التزامه بالصلاة مثلاً على وجود نص قرآني مفصل.
نحن أمام هذه التفاصيل لا يمكن لنا الإعتماد على النص القرآني مجرداً عن السنّة المطهرة التي أوضحت الكثير من الأحكام والتفاصيل عن طريق الوحي الإلهي إلى الرسول(ص) ولذلك يجب الرجوع في كل تلك الأمور إلى صاحب الرسالة المتصل بالوحي حيث أمرنا الله سبحانه وتعالى بالرجوع إليه في جميع الأمور والأخذ عنه لأنه لا ينطق من عند نفسه فقال تعالى(وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا) وقوله عز وجل( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً)
الشيخ علي فقيه



