مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهيمُ الصِيَام

إِعْجازُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بإِيجَازِه

 

 

إِعْجازُ القُرْآنِ الكَرِيمِ بإِيجَازِه

 

لقد أشار القرآن الكريم إلى وجوب العبادات ولكنه لم يتعرض إلى ذكر التفاصيل والأحكام الخاصة بها وإنما أرجأ مسألة الإيضاح والتفصيل إلى النبي(ص) الذي وصفه القرآن بأنه لا ينطق عن الهوى.

وليس صعباً على القرآن الكريم أن يذكر كل شيء في حدود تصورنا وفيما هو خارج عن تلك الحدود ولكنه راعى قدرة الإنسان على الفهم والإستيعاب فلم يذكر ما هو خارج عن الحدود التكوينية التي خلق الإنسان عليها فقد خلق هذا الإنسان وله قدرات عقلية كبيرة، ولكنها في نفس الوقت محدودة لا طاقة لها على استيعاب كل شيء، وقد أشار القرآن إلى هذه الناحية التي راعى فيها مقدرتنا على الفهم حيث قال(وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً)

إن قدرة الله باهرة، وعلمه عظيم لا حدود له ولا يمكن لجميع العقول أن تدرك حجم علمه، فهو قادر على أن ينزل بدل هذا الكتاب ألف كتاب مثله أو أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة، ولكنه تعالى أنزل إلينا علماً نستطيع بتلك القدرات العقلية المخلوقة فينا أن نتدبر آياته وأحكامه وتعاليمه، وقد أمر كل نبي بعثه إلى الناس وكل رسول أرسله إليهم بأن يخاطبوا الناس على قدر عقولهم وأحجام فهمهم ليتتحقق من خلال تلك المراعاة قواعد الإمتحان في هذه الحياة حيث لا يستقيم الإمتحان مع قواعد خارجة عن طاقة الإنسان، وقد أجاب الله تعالى على هذا الأمر قبل أن يسأل عنه أحد حيث قال في أكثر من سورة(لاَ يُكَلِّفُ اللّهُ نَفْسًا إِلاَّ وُسْعَهَا) وذلك عبر ألفاظ ومعان مشابهة لمعنى هذه الآية.

فعلى الذين يحاولون الحط من شأن القرآن الكريم عبر طرح هذه التساؤلات وأمثالها أن يقلعوا عن هذه الممارسات المردودة عليهم قبل أن يثيروا تلك الشبهات، فلقد أخبرنا ربنا سبحانه وتعالى عن مدى علمه وكلامه الذي لا حدود له بل ولا نفاد له، وذلك عبر قوله المحكم(قُل لَّوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لِّكَلِمَاتِ رَبِّي لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَن تَنفَدَ كَلِمَاتُ رَبِّي وَلَوْ جِئْنَا بِمِثْلِهِ مَدَدًا)

 

عَظَمةُ كَلامِ اللهِ عَز وَجَلَ وَعَدَمُ نَفَادِه

 

لقد أمر الله عز وجل نبيّه الأكرم محمداً(ص) بأن يخبر الناس أمراً عظيماً حول مسألة علم الله، وهو أنه لو كان البحر حبراً ومعه بحر آخر أو أبحر من الحبر فلا يكفي كل هذا المداد لكتابة كلام الله الذي هو مثل كلام القرآن الكريم علماً بأن كلمات هذا القرآن العظيم تكتب بفنجان من الحبر أو أقل من ذلك، وهذا يعني أنه على كل إنسان مهما كانت غاياته من إثارة هذه الشبهات أن يتوقف عن إثارتها لأن ذلك مجرد لغو، فهذا الذي يثير تلك الشبهات لا يستطيع عقله أن يستوعب كل ما ورد في هذا القرآن العظيم فكيف سيستطيع أن يفهم ما هو أكثر وأعظم منه؟

ثم إن البشرية كلها بفصحائها وبلغائها وعلمائها لم تستطع أن تواجه هذا الكتاب وقد أعلنت عجزها عن الإتيان بسورة واحدة مثل سوره، وهذا أكبر دليل على كون القرآن معجزة، وفي نفس الوقت هو دليل واضح على عجز الإنسان عن إدراك كل شيء، وكذلك هو يعبر رداً على أصحاب تلك الدعايات والإفتراءات الكاذبة.

وخلاصة الأمر أن علم الله لا حدود له، وكلامه لا نفاد له، وإن حاول أكثر الناس أن يثبتوا عكس ذلك.

 

لماذا لَمْ يَذْكُر القُرْآنُ كُل التفَاصِيل

 

نرجع إلى القرآن الكريم لنعرف سبب عدم ذكر التفاصيل التي يطلبها أصحاب الغايات الخاصة ولنعرف أيضاً هل أن ذكر كل شيء أمر إيجابي بالنسبة لنا أم أنه أمر سلبي.

نحن نقول: لو ذكر القرآن الكريم بتلك الصيغ الخاصة كل شيء حول ما ذُكر فيه من الأحكام والتعاليم والمبادئ والإرشادات لحصل لنا ما لا تحمد عقباه، لأن ذلك يعني إخلالاً في بعض الموازين التكوينية التي خلقها الله تعالى بقدر(إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ) لقد قامت حياة البشر على موازين تكوينية لا يمكن الخروج عنها كيلا تختل هذه الحياة المنظمة بشكل دقيق.

فلو ذكر القرآن جميع التفاصيل المتعلقة بالأحكام الشرعية وغيرها من بنود الكتاب العزيز لما استطاع الناس أن يدركوا جل المسائل وكثيراً من الأحكام وهذا سوف يفوّت عليهم مصالح كثيرة ووظائف عديدة فيصبحوا مسؤولين عن ذلك التقصير تجاه التكاليف الإلزامية الموجهة إليهم والتي تعبدهم الله بها.

وأبرز شاهد على عجزهم هو الكيفية الخاصة التي نزل بها القرآن الكريم حيث أنزله الله عز وجل تدريجاً حتى يسهل فهمه وتدبر آياته، ورغم قلة كلام القرآن نجد بأن أكثر المسلمين لا يعرفون كثيراً من معاني آياته ومفردات ألفاظه مع أنه كلام عربي فصيح(وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنزِيلاً)

ولو ذكر القرآن كل شيء لخرج عن الإيجاز الذي تقوم إعجاز القرآن به، فكلنا يعرف بأن إعجاز القرآن في إيجازه.

ولو ذكر القرآن كل شيء لجمدت العقول وتعطلت الأفكار وهدمت قواعد كثيرة من القواعد التي قامت عليه حياتنا نحن البشر.

وهذا من شأنه أن يلغي كثيراً من الوظائف الخاصة بالرسول والمرسل إليهم، فلا يبقى هناك فضل للعلم وطلبه والجهد في تحصيله، ولم يبق هناك تفاضل بين الناس في مسألة العلم الذي عبّر القرآن عنه بالنور، وفضّل حملته على غيرهم.

يبقى أمامنا نقطة هامة حول مسألة عدم التفصيل في القرآن فإن إيجاز نصوصه تتصل مباشرة بالإمتحان الذي يختبرنا الله به في هذه الحياة.

فمسألة الآيات التي تتحدث عن الصوم شأنها كشأن باقي الآيات لأنها جزء من هذا الدستور الرباني المميز.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى