
الْحُضُوْرُ شَرْطٌ فِيْ صِحَةِ الصَوْمِ
(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
ففي الآية الأولى من آيات الصوم تحدث القرآن عن إيجاب هذه الفريضة، وفي الآية الثانية أشار إلى بعض الأحكام الخاصة به من قبيل صوم المسافر والمريض، وفي هذه الآية يتابع القرآن حديثه عن الأحكام الشرعية المتعلقة بهذا الفرض الكبير والمميز ويبين حكماً أساسياً من أحكامه فيقول(فمن شهد منكم الشهر فليصمه)
إن كثيراً من إخواننا وأخواتنا يشتبهون في معنى هذه الفقرة فيظنون بأن المشاهدة هنا هي مشاهدة الهلال، وهذا وهم واضح لأنه يقضي بعدم وجوب الصوم على من لم ير الهلال، والأكثرية الساحقة من الناس لا يستطيعون رؤيته في الليلة الأولى وربما في الليلة الثانية إذا كانت ولادته متأخرة.
ليس المقصوم بقوله(شهد) معنى الرؤيا، بل المقصود هو الحضور، وهذا يقابل حكم المسافر الذي لا يجوز له الصوم، فأصبحت المسألة هكذا.. من كان على سفر وجب عليه الإفطار، ومن كان حاضراً وجب عليه الصوم، فمن شهد منك الشهر، أي من كان منكم حاضراً في وطنه فليصمه.
الْمَرَضُ مَانِعٌ مِنَ الْصومِ
ثم يتابع القرآن حديثه عن تلك الأحكام فيقول(ومن كان مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر)
ففي البحوث الماضية تحدثنا عن هذين الحكمين بالتفصيل، ولكننا هنا سوف نتحدث عن سبب تكرار ذكر الحكم، وقد تكرر بشكل ملحوظ لم يفصل بينهما آية أخرى، حيث ذُكر هذا الحكم في الآية 184 من سورة البقرة، ثم ذُكر مباشرة في الآية 185 من نفس السورة، فما هو سبب هذا التكرار؟
سؤال جدير بالطرح وينبغي على كل قارئ للقرآن أن يطرح هذا السؤال وأمثاله مما ورد فيه تكرار من قبيل الأمر بالصلاة والإحسان للوالدين والإلتزام بالصالحات.
لقد عوّدنا القرآن المجيد أنه إذا أراد أن يؤكد على أمر معيّن كرّر ذكره إما في نفس السورة أو في سور عديدة من باب إلفات النظر إلى كون هذا الأمر مطلوباً بشدة وإلحاح، أو أنه أمر حتمي الحصول كتأكيد مجيء اليسر بعد العسر كما في قوله(فإن مع العسر يسراً إن مع العسر يسراً)
أو كمسألة الإحسان للوالدين، كما في قوله تعالى(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً)
وفي سورة الإسراء قال عز وجل(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا)
وفي سورة العنكبوت قال سبحانه(وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا)
وكذا الأمر في مسألة التأكيد على العمل الصالح فقد قال تعالى في سورة سبأ، قال تعالى(لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُوْلَئِكَ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)
وفي سورة فاطر(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ)
وفي سورة ص(أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ)
وفي سورة فصلت(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ)
وفي سورة الشورى(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فِي رَوْضَاتِ الْجَنَّاتِ لَهُم مَّا يَشَاؤُونَ عِندَ رَبِّهِمْ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الكَبِيرُ)
وهكذا شأن القرآن الكريم في حديثه عن مسألة وجوب الإفطار على المريض والمسافر كيلا يستغرب الناس هذا الأمر وهو من الأمور التعبدية التي فيها راحة للإنسان.
فمن لم يفهم الحكم من الآية الأولى فليفهمه من الثانية، ومن أنكر الأمر في الأولى فالحجة بالغة عليه من خلال الآية الثانية.
هكذا يحب الله أن يعبده الناس، وهذا الأمر بيد الله الذي له حق الطاعة على عباده بالطريقة التي يريدها هو وليس بالطريقة التي يريدها العباد لأنه لو أوكل الأمر للعباد لفسدت أمورهم واختلفت آراؤهم وتناحروا على أكثر شؤونهم.
الشيخ علي فقيه



