مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهِيْمُ الصِيَام

قُدُومُ شَهْرِ الله

 

 

قُدُومُ شَهْرِ الله

 

:إنه قد أقبل إليكم شهر الله تعالى:

وفي هذا التعبير تسالم بين العرب فهو ليس على نحو الحقيقة والوقوع بل هو على نحو المجاز لأن النبي عندما قال إنه أقبل إليكم شهر الله لم يكن قد أقبل بمعنى الحلول لأن تلك الخطبة قالها في أواخر شهر شعبان، فيحمل معنى الإقبال هنا على الإقتراب حيث لم يكن قد بقي على حلوله سوى أيام قليلة، وليس من المناسب أن يحدثهم النبي عن إقبال الشهر عند حلوله لأن ذلك سوف يفوّت على المسلمين بعض المصالح وهذا أمر معلوم بالوجدان لا داعي للتركيز عليه.

فإنه قد أقبل إليكم شهر الله: ما هذا الإهتمام بهذا الشهر دون سواه لماذا لم يخطب النبي في الناس قبل شوال أو ذي القعدة مثلاً؟ السبب أن لشهر رمضان مميزات خاصة لم تجتمع في غيره من الشهور.

قد أقبل إليكم شهر الله: نلاحظ بأن لفظ رمضان لم يرد في هذه الخطبة بل اكتفى الرسول بذكر شهر الله أو لفظ الشهر وحده، وهذا يعني أن جميع الحاضرين كانوا يعرفون شهر رمضان لأنه من الأشهر القمرية المتبعة في الحسابات قديماً، فبمجرد أن قال النبي(ص) شهر الله تبادر إلى أذهان الجميع شهر رمضان وذلك لخصوصيتين:

الخصوصية الأولى: وهي أن الكلام ورد قبيل شهر رمضان بأيام فكان من الطبيعي أن يكون هو المقصود دون غيره فلا يعقل أن يكون المقصود غيره بسبب الفصل، وهذا يدركه الوجدان.

الخصوصية الثانية: وهي أن الناس كان مرتكزاً في أذهانهم شيء عن شهر رمضان من أنه شهر مبارك ومقدس حيث كان الأنبياء السابقون يهتمون به ويحدثون الناس عنه بالشكل الذي أذن لهم ببيانه.

وهذه الصفة التي نعت بها النبي شهر رمضان صفة كبيرة جداً فهي تحكي لنا جانباً مهماً من واقع هذا الشهر العظيم، فعندما يطلق الله تعالى إسمه على هذا الشهر معنى ذلك أنه خاص للغاية، وقد أشير إلى هذا المعنى مرات عديدة على ألسنة المعصومين سلام الله عليهم، وأهم ما ورد في بيان هذه الخصوصية أو بيان سبب تسميته بشهر الله هو ما قاله النبي(ص) فإنه قال قال الله تعالى: كل عمل ابن آدم هو له غير الصيام فهو لي وأنا أجزي به:

فموضوع أن الله تعالى يختص لنفسه زمناً من الأزمان هذا أمر في غاية الرفعة والسمو لهذا الوقت المختار من قبل الخالق سبحانه، وهذا يدفع بالمؤمنين إلى الإهتمام المميز بهذا الوقت حيث تتضاعف فيه الحسنات والدرجات لأن أفعال الخير بشكل مطلق إذا حصلت في الأوقات المقدسة كانت الفائدة من ورائه أعظم وأكبر.

ولأجل أن تتضح لنا الفكرة أكثر لا بد أن نتناول الكلام حول مسألتين خاصتين بهذا المجال.

المسألة الأولى: وهي مسألة الأشياء المختصة من الأماكن والأزمان والأشخاص، فإن الحديث حول هذه النقطة يوضح لنا الفكرة المبحوث عنها في المقام.

ومن الواضح والمعلوم لدى الجميع هو أن الله تعالى اختص من بين مخلوقاته أزماناً وأشخاصاً وأماكن جعلها مباركة ومقدسة، وقد ورد في الحديث عن الرسول الأكرم محمد(ص) قوله: إن لله خواصاً في الأزمنة والأمكنة والأشخاص:

أما الأمكنة المقدسة فهي المشاهد الشريفة مكة المكرمة والمدينة المنورة والنجف الأشرف وكربلاء وقم المقدسة وغيرها من الأماكن التي باركها الله عز وجل، ولا أحد ينكر هذه الحقيقة فإننا نسافر من قارة إلى قارة بهدف التبرك ببعض الأمكنة لأن الدعاء في الأماكن الخاصة مستجاب بشكل سريع وأكيد.

وأما الأشخاص المقدسون فهم الأنبياء والأولياء والصلحاء وهم كثيرون.

وأما الأزمنة الخاصة فمن جملتها شهر رمضان المبارك، والزمن المقدس إما أن يكون مقدساً من الأساس أو أنه يكتسب القداسة بحدث معين كيوم ولادة النبي أو كيوم الغدير أو غيرهما من الأزمان التي كانت ظرفاً لأحداث عظيمة، ولا شك بأن أقدس الأوقات هو شهر رمضان، وأقدس وقت في شهر رمضان هو ليلة القدر.

المسألة الثانية: وهي مسألة الحديث القدسي الذي أظهر لنا مكانة الصوم عند الله تعالى واختصاصه من بين سائر العبادات، كل عمل ابن آدم هو له… فما هو السبب في جعل الصوم لله؟

هل لأن الصوم يقع في شهر رمضان وأن شهر رمضان فيه ليلة القدر ونزول القرآن؟ أو لأن نفس عبادة الصوم مميزة وما هو وجه تميزها.

لا شك بأن نفس عبادة الصيام معظمة ومكرمة عند الله عز وجل لأنها من العبادات التي تصدّق الإيمان في الإنسان فهي تحكي عن إرادة وصمود وصبر وجهاد للنفس في قلب المؤمن كما مر معنا في المحاضرات السابقة.

ومما لا ريب فيه هو أن البركة والقداسة والعظمة تزداد عندما يكون شهر رمضان ظرفاً لعبادة الصيام فهو نور على نور، ولأن الصوم عبادة رفيعة المستوى فقد اختار لها الله أقدس الأوقات وأشرفها.

ويعتبر الصوم من العبادات التَركية والعبادات التركية لها ميزة خاصة من بين سائر العبادات وهي الصيانة من الرياء.

ثم ما معنى أن هذا العمل لله؟ هذا تكريم من الله للصوم والصائمين لأننا ندرك ونعلم بأن الأعمال العبادية للإنسان فمن عمل فلنفسه، أما الصوم فلقد أعطاه الله هذه الميزة ليكون ذلك ترغيباً لنا وحثاً على الإهتمام بهذه الفريضة التي لو أردنا تركها لأنها تعنينا فلن نتركها لأنها تعني الله عز وجل.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى