
أَيهَا النَاسُ
إن أول ما ورد في الخطبة المباركة هو قوله(ص): أيها الناس:
هذا اللفظ قد يحسبه البعض من الناس أمراً عابراً وهو أن النبي يستعمل هنا لفظاً عربياً خاصاً بالنداء، هذا ما يفهم من ظاهر اللفظ، وأما ما يفهم من أعماق اللفظ فهو شيء أكبر حجماً وأوسع دائرة مما يفهمه البعض.
هل تأملنا يوماً وسألنا أنفسنا لماذا قال النبي: أيها الناس: ولم يقل:أيها المسلمون:
لكي نجيب على هذا السؤال لا بد من بيان عدة أمور لها صلة بالموضع:
الأمر الأول: إن معنى قول رسول الله: أيها الناس: يحمل نفس المعنى في قوله تعالى(يأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام) فقد تحدثنا في المحاضرة الثانية من هذه السلسلة عن السبب في توجيه الخطاب للذين آمنوا وقلنا بأن هذا اللفظ لا يختص بالملتزمين فقط وإنما هو يشمل كل من آمن بوجود الله بأية طريقة ووسيلة، وهذا يعني أن الخطاب موجه للمشركين أيضاً الذين كان من واجبهم أن يؤمنوا بالوحدانية ويطيعوا الله فيما أمرهم به ونهاهم عنه.
فكما وجّه الله عز وجل خطابه للجميع فكذلك وجه النبي كلامه للجميع لأن الأمر الإلهي قد ورد لكل الناس وليس لفئة منهم.
الأمر الثاني: أن الذين كانوا حاضري المجلس(مجلس النبي) فيهم المؤمن والكافر والمنافق لأن المشركين لم يتركوا محمداً وشأنه بل كانوا دائماً يبعثون له العيون والجواسيس ليتتبعوا أخبار الرسول والرسالة وكيفية سيرها في المجتمع العربي، ولا شك بأن النبي(ص) كان يعرف جميع الحاضرين، كان يعرف المؤمن منهم والمشرك والمنافق، ورغم وجود أولئك في مجلسه بدأ خطابه بالنداء الموجه للجميع من دون استثناء، فلو لم يكن النداء موجهاً للجميع لخص به المسلمين دون غيرهم.
الأمر الثالث: أنه لا بد من توجيه الخطاب للجميع وذلك من باب إلقاء الحجة عليهم كيلا يظن أحد من الحاضرين وغيرهم أن الأمر أو الخطاب قد استثنى أحداً، فلو كان هناك استثناء لاتخذه الآخرون ذريعة لأنفسهم ومبرراً لعدم التزامهم بالأوامر الإلهية.
الأمر الرابع: على فرض أن الخطاب كان موجهاً للمسلمين فقط على القول بأن الكافر لا يشمله التكليف قبل الإسلام فيكون قوله: أيها الناس: أي أيها المسلمون لأنهم المعنيون الأوائل في الخطابات الإلهية.
وعلى كل حال فإن الخطاب ورد مطلقاً، ويمكن الإستدلال على إطلاقه وشموله للجميع أن هناك أشخاصاً اعتبروا بهذا الكلام فأسلموا.
فالنداء هذا كغيره من المنبهات التي تلفت أنظار الناس وأسماعهم للشيء المنادى من أجله، ولعل النداء هو المفتاح للكلام لأنه يصنع في المجالس إنصاتاً وهدوءاً.
أيها الناس.. ماذا تريد أن تقول أيها المنادي، والمنادي هنا هو رسول الله(ص) فهو ليس منادياً عادياً بل هو صاحب الوحي والرسالة وخاتم الرسل الذي بعثه الله رحمة للعالمين فإن كل ما يصدر عنه من قول أو فعل لا شك بأن فيه مصلحة للناس في دنياهم وآخرتهم.
الشيخ علي فقيه



