مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهِيْمُ الصِيَام

الإِشَارَاتُ العَامةُ فِي الخُطْبَةِ الشرِيْفَة

 

 

الإِشَارَاتُ العَامةُ فِي الخُطْبَةِ الشرِيْفَة

 

في جميع البحوث السابقة انصبَّ الكلام حول الآيات المشتملة على مفاهيم الصوم وشهر رمضان المبارك والتي ورد ذكرها في سورة البقرة.

ورغم كثرة الكلام الذي أوردناه حول مفاهيم تلك الآيات لم يكن كافياً في بيان المراد، وأمام هذه الحاجة إلى المزيد من المعرفة حول هذه الفريضة لم يكن أمامنا سوى الرجوع إلى من أوجب الله الرجوع إليهم وهم النبي وآله(ص)

فالآيات الكريمة تكفلت ببيان بعض الجوانب الخاصة بها، وأما الجوانب الباقية فقد أوضحها لنا رسول الله(ص) في السنة الثانية للهجرة عندما قام خطيباً في المسلمين متحدثاً عن مزايا هذا الشهر المبارك والفريضة الواجبة فيه.

كلام النبي إيضاح لكلام القرآن لأن مصدرهما واحد وهو الله جل وعلا فلا فرق بين ما يرد في القرآن الكريم وبين ما يرد على لسان النبي الأعظم(ص) الذي ما نطق يوماً عن هواه ونفسه بل كان يتم ذلك بوحي من الله تعالى الذي أخبرنا عن ذلك بقوله(وما ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى) أي أن ما تسمعونه من رسول الله إنما هو الوحي الإلهي الذي كان ينزل عليه ويتصل به.

الفرق بينهما هو أن ألفاظ القرآن ومعانيه نزل من عند الله كما هو، أما كلام النبي فإن معناه من الله وألفاظه من عند رسول الله الذي أمره ربه بأن يخاطب الناس على قدر عقولهم.

وتعتبر هذه الخطبة من أهم الوثائق الدينية والمستندات الرمضانية لاشتمالها على كثير من الآداب والمفاهيم الخاصة بهذا الشهر العظيم.

لقد صدرت هذه الوثيقة عن خاتم الرسل والأنبياء وقد شاءت قدرة الله أن تصل إلينا رغم الحصارات التي فرضتها الأعداء على الرسالة الإسلامية والنصوص النبوية بشكل خاص فأحرق منها ما أحرق وأخفي منها ما أخفي وألقي في البحار والأنهار من النصوص ما لا يحصى له عدد، ولكن هذه الوثيقة النبوية بقدرة الله تعالى قد اجتازت مراحل المحنة ووصلت إلى هذا الزمن لأن كثيراً من الأمور الخاصة بشهر رمضان كانت متوقفة على وصول هذا المستند الهام الذي لولاه لجهل المسلمون كثيراً من المفاهيم الرمضانية والآداب الخاصة بهذا الظرف الزمني المقدس.

إن فيها الكثير مما نحن بأمس الحاجة إليه من الدروس والتوجيهات، ولأجل ذلك خصصنا هذا البحث لتعداد ما ورد فيها.

فلو لم تصل إلينا هذه الخطبة لفاتنا الكثير من المصالح والمنافع الجمة في شهر رمضان من كل سنة، ونحن نشكر الله تعالى على حسن التوفيق في مسألة وصول هذا النص النبوي الذي أصبح منارة للمسلمين في أرجاء العالم.

ولكن مع الأسف الشديد لم تشمل الفائدة جميع المسلمين حيث تكبر بعضهم عن الأخذ بمضامينها أو حتى عن الإقرار بصحتها بداعي العصبية العمياء لأنه نقل هذا النص الصحيح أشخاص هم لا يأخذون عنهم، ولم يروجوا لهذه الخطبة كيلا يذكروا أبرز رواتها.

وإما أن يأخذوا ببعضها وهذه فضيحة كبرى لأن النقص سوف يظهر واضحاً.

لقد ورد في هذه الخطبة فقرات كثيرة تحمل معها العديد من المعاني العامة والخاصة، ونقصد بالعامة المعاني الإنسانية، وبالخاصة المعاني الإسلامية وبالخصوص ما يتعلق منها بشهر رمضان المبارك.

وفي هذا البحث سوف نشير إلى تلك الفقرات بشكل مجمل مع الوقوف على أعماقها وأبعادها.

الفقرة الأولى:

وهذه الفقرة تتحدث عن قدوم شهر رمضان الذي كان الجميع عنه غافلين لا يعرفون شأنه ولا يدركون مكانته وقدسيته وليس لديهم أية فكرة تتعلق به إلا بعض الإشارات العامة التي وردتهم عن الآباء والأجداد، وذلك بسبب إهمال الناس للأمور العظيمة وانشغالهم في جمع الثروات ومنافسة الآخرين وإن كان جمعها على حساب الدماء والكرامات، هذا مع العلم بأن الناس قبل مئات السنين من المبعث النبوي الشريف كانوا يولون هذا الشهر اهتماماً واسعاً لما سمعوه من أنبياء الله حول هذا الشهر العظيم الذي كان يعتي للأنبياء شيئاً كبيراً للغاية، ولأجل ذلك كانت تلك الخطبة موضع دهشة كثير من الذين كانوا غافلين عنه ومن الذين كانوا يعرفون الشيئ اليسير حول قداسة هذا الشهر.

نحن لا ننفي أن يكون بعض الناس قبل إيجاب الصوم خالي الذهن عن أية فكرة تتعلق بمفاهيم هذا الشهر بل كانوا يعظمونه ويحترمونه بناءاً على ما ورد إليهم من الأسلاف، ولكن تعظيمهم له لا يفي بالمطلوب لأنهم عظموه على قدر معرفتهم له، ولم تكن معرفتهم له واسعة ولأجل ذلك كان تعظيمهم لشهر رمضان منحصراً في حدود معرفتهم إلى أن جاء النبي وأظهر لهم تلك المفاهيم والتعاليم فازداد هذا الشهر عظمة في نفوسهم.

فتعظيم شهر رمضان قبل الإسلام لم يكن ناشئاً من لا شيء بل كان لهذا التعظيم أسبابه وأهم أسبابه هو ما ذكره الأنبياء للناس حول هذا الشهر من جميع نواهيه ولعل ذلك كان تمهيداً منهم لما سوف يكون من شأن هذا الشهر في عهد خاتم الأنبياء.

الفقرة الثانية:

وهذه الفقرة تتحدث عن إطلاق إسم على هذا الشهر يكشف عن مدى عظمته وشأنه الرفيع، فالقرآن الكريم أطلق عليه شهر رمضان أما رسول الله(ص) فقد أطلق عليه إسم شهر الله، وقد أُطلِق عليه أيضاً(شهر القرآن) و (شهر الغفران) و (شهر التوبة والرحمة)

الفقرة الثالثة:

وهذه الفقرة تبيّن لنا جزءاً من خصائص هذا الشهر كالبركة والرحمة والمغفرة فإن شهر رمضان أحسن ظرف لجمع هذه الخصال الكريمة التي تحمل معها كل خير للإنسان.

الفقرة الرابعة:

وهذه الفقرة تبيّن لنا أفضلية هذا الشهر على غيره من الشهور، وأن كل لحظة من لحظاته يجب أن تستغل لأنه يوجد خلف كل لحظة منفعة.

الفقرة الخامسة:

وهي تلفت انتباهنا إلى كون هذا الظرف الزمني العظيم هو محطة للضيافة الإلهية فإن كل مؤمن في هذا الشهر هو ضيف على مأدبة الرحمن.

الفقرة السادسة:

تخبر عن أن العمل في شهر رمضان مضاعف ومبارك بحيث أن الذي يقوم بالحسنة فإن له أجراً مضاعفاً عن أجر الحالات العادية.

ويدلنا على هذا المعنى قوله(ص) من تلا فيه آية من القرآن كمن تلا القرآن كله في غيره من الشهور.

الفقرة السابعة:

تحث على طلب الإعانة والتوفيق من الله سبحانه في عملية الصوم وقد أشرنا في البحوث السابقة إلى أن عملية الصيام الحقيقي بنوعيه ليست بالعملية السهلة فهي محاطة بالخطورة ولأجل ذلك ينبغي اللجوء إلى الله وطلب العون منه من أجل إتمام هذا الفرض على الشكل المطلوب.

الفقرة الثامنة:

تدعو إلى إجراء علاقة متينة وثابتة مع الله عز وجل وذلك عبر التواصل معه من خلال الدعاء وقد أكدنا هذه العلاقة عندما تناولنا الحديث عن الآية الرابعة من آيات الصوم والتي تحدثت عن الدعاء وضرورة التمسك به وأن الله تعالى قريب يجيب دعوة الداعي.

الفقرة التاسعة:

من خطبة الرسول(ص) حول الصوم: تشتمل على تحذير غير مباشر لكل من يتوانى عن القيام بهذه الفريضة فإن الشقي هو من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم كما صرح به النبي(ص) وهذا يعني أنه يجب العمل الجدي تجاه هذه الفريضة وظرفها ويجب أن نتعاطى معها بشكل مميز ينبغي أن يكون تعاطينا معها حذراً ودقيقاً كيلا نكتب مع الهالكين الذين حرمهم الله من أجر شهر رمضان وثوابه.

الفقرة العاشرة:

وهي جعل هذا الشهر موعظة للناس في حياتهم حيث يذكرنا بجوع يوم القيامة وعطشه.

الفقرة الحادية عشرة:

وهي الدعوة إلى التكافل والتعاون الإجتماعيين من خلال دعوته لمساعة الأيتام والفقراء والمساكين وتوقير الكبار والتحنن والعطف على الصغار حتى يكون سلوكنا الحسن معهم درساً لهم في هذه الحياة.

الفقرة الثانية عشرة:

وهي الدعوة إلى بناء مجتمع صالح يقوم على القوانين والأسس الإلهية الحكيمة والعادلة ويقوم أيضاً على الإحترام المتبادل بين جميع الناس من جميع الفئات والطبقات.

الفقرة الثالثة عشر:

يكشف فيها النبي(ص) أن أفضل الأعمال التي يقوم بها الإنسان هي التورع عن الحرام.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى