
أحداث القبر الشريف
لو لم يذكر المؤرخون ما حدث عند القبر الشريف عبر التاريخ البعيد والقريب لأدركنا وأيقنا بحدوث أمور يعجز المؤرخون عن إحصائها لكثرتها لأن أحداث العظماء لا تتوقف عن موتهم وغياب أجسادهم عن الساحة بل إن أحداثهم تستمر كما لو كانوا موجودين بين الناس بأجسادهم وأرواحهم، والإمام الحسين موجود فينا قبل ولادته وموجود فينا بعد ولادته وكذلك بعد استشهاده ولو كشف لنا الغطاء ما ازددنا يقيناً بعظمته ونزاهة ثورته، فلقد تتالت الأحداث بعد استشهاده وبقي الجسد الطاهر محط أنظار الناس قبل دفنه وبعده، وما زال مرقده الشريف مزاراً لملايين الناس من كل حدب وصوب، وها هي كربلاء حتى اليوم مزدهرة ببركة ما حدث عليها قبل أربعة عشر قرناً ومباركة لضمّها الأجساد المباركة وفي مقدمتها جسد أبي عبد الله الحسين(ع) وها هم المؤمنون يتوافدون على شكل الدوام إلى تلك البقعة الطاهرة رغم الأخطار المحدقة بهم من قبل أعداء الله والحسين والإنسانية.
لقد تعرّض القبر الشريف إلى نكبات على أيدي مبغضي صاحبه ومنكري الحق بجميع وجوهه، كما وأنه حدثت أمور جيدة عند قبره المقدس، فمن جملة تلك الأحداث الجيدة زيارة الناس له بُعَيد استشهاده بأيام حيث تحولت أرض الطف إلى مزار للشرفاء والأحرار والأوفياء وأصحاب الإرادات الصادقة النابعة من الإخلاص لله ورسوله وآل الرسول(ص) ويذكر التاريخ بأن أول من قام بزيارة الحائر المقدس عبيد الله بن الحر الجعفي الذي كان قريباً من ذلك الموضع، ونحن نحتمل بأن أكثر الذين أتوا إلى زيارة تلك القبور كانوا خائفين من جواسيس يزيد وأعوانه لأن الخطر آنذاك لم يكن محدقاً بالحسين فقط بل بكل من يحبه وينصره بفعل أو بقول أو بإشارة ولقد أحصى التاريخ وقائع كثيرة قريبة من هذا النوع فلقد حدثنا المؤرخون عن كثير من المؤمنين الذين قُتلوا على أيدي الأمويين وغيرهم لمجرد أنهم موالون لعلي وأولاده كما صنع معاوية بأصحاب الإمام علي كحجر بن عدي الكندي وميثم التمار وأبي ذر الغفاري وغيرهم من الأطهار الذين قضوا لأنهم من شيعة علي، وقد استفحل هذا الأمر في عهد المجرم الأكبر الحجاج بن يوسف الثقفي الذي لاحق المؤمنين في كل مكان وقتلهم لأنهم من شيعة علي، فعبيد الله بن الحر الجعفي هو أول من زار القبور في كربلاء حيث وقف عليها واستعبر باكياً ورثا الحسين بقصيدة معروفة.
وكذا فعل الصحابي الجليل جابر بن عبد الله الأنصاري حيث زار القبر الشريف مع جماعة من أهل المدينة في العشرين من صفر، وقال لمن معه ألمسوني القبر لأنه كان كفيفاً، وهذا دليل على كون قبر الحسين لم يكن مخفياً كما يدعي بعض المشككين والمعادين.
فيقول بعض المؤرخين بأن زيارة جابر بن عبد الله حصلت سنة اثنتين وستين للهجرة ونحن نعلم بأن ذلك حدث سنة إحدى وستين للهجرى حيث التقى الإمام زين العابدين والسيدة زينب بجابر أثناء عروجهم إلى كربلاء لدى عودتهم من الشام إلى المدينة فلا مانع من أن تكون الزيارة قد تكررت من جابر في السنة الثانية ولا مانع من أن يكون هناك خطأ من المؤرخ فبدل أن يقول سنة 61 قال سنة62 وربما يكون ذلك خطئاً مطبعياً لأن الأرجح أن يكون جابر قد زار القبر الشريف مرة واحدة، هذا بالنسبة للأحداث الجيدة وهي كثيرة، وأما بالنسبة للأحداث السلبية ففي سنة مئة وأربعين للهجرة المنصور الدوانيقي العباسي بتخريب القبر الشريف….. وفي عهد هارون الرشيد أي من سنة مئة وسبعين للهجرة وإلى سنة مئة وثلاث وتسعين ضُيّق الخناق على زائري القبر الشريف وقُطعت شجرة السدرة التي كان يستدل بها الزائرون على موقع القبر الشريف ويستظلون تحتها من حرارة الشمس، وفي عهد هارون أيضاً خُرّب القبر وهدمت الأبنية التي كانت تحيط به.
وفي الفترة ما بين سنة 236 و247 أمر المتوكل العباسي بهدم القبر الشريف وحرث أرضه وأسال الماء عليه فحار الماء حول القبر الشريف وبسبب ذلك سميت البقعة الشريفة لموضع القبر بالحائر كما أنه منع الناس من زيارته.
وفي شهر شوال سنة 247 قُتل المتوكل على يد ابنه المنتصر الذي سمح بزيارة المرقد الشريف ووضع إشارة يُستدل بها على موضعه وأعاد بناء القبر فراح العلويون يتوافدون إلى كربلاء في ذلك العهد وسكنوا بجوار المرقد وقد كان أول ساكن لكربلاء في ذلك العهد هو السيد ابراهيم المجاب.
وفي سنة 407 احترق حرم الإمام الحسين حيث كان مزيناً بخشب الساج وذلك على إثر سقوط شمعتين كبيرتين فيه، وفي سنة 1216 هاجم سعود بن عبد العزيز الوهابي مدينة كربلاء وأباد أهلها قتلاً وسبياً وكسر جنوده شباك القبر الشريف ونهبوا ما فيه من كنوز ذهبية ثمينة، وفي سنة 1258 وقعت مجزرة نجيب باشا التي سميت بغدير دم حيث لم يمنعه احتماء المستضعفين بضريح الإمام من أن يقتحم المرقد ويجعل دماء الضحايا تسيل في الحرم وقد وقعت هذه المجزرة البشعة في حق المؤمنين يوم عيد الأضحى من تلك السنة.
ثم تعرض المرقد منذ سنوات إلى القصف والدمار على يد النظام الذي كان حاكماً.
الشيخ علي فقيه


