الفكر الكربلائي

أصحاب الإمام الحسين(ع)

مُحَاضَرَاتٌ مِنْ وَحْيِ عَاشُوْرَاء

 

أصحاب الإمام الحسين(ع)

 

هناك كثير من الناس يطرحون أسئلة حول الثورة الحسينية بهدف الإحتقار بها والإنتقاص من شأنها فهي كانت وما تزال مصدر العز والشرف والكرامة للإسلام والمسلمين، فيقولون: لماذا تنظرون إلى واقعة الطف بهذا الشكل مع أنها عبارة عن معركة صغيرة قياساً للمعارك الإسلامية الكبرى.

ونجيب على هذا السؤال بما يلي:

نحن نعلم بأن معركة كربلاء قد استغرت ساعات معدودة من اليوم العاشر، ولكن هذه المعركة الصغيرة بساعاتها قد تحولت إلى مدرسة للأجيال عبر الزمن، فهي لا تقاس بساعاتها ولا بعد المقاتلين وحجم السلاح ونوعيته وإنما تقاس بأهدافها ونتائجها….

كيف لا ننظر إليها بعين الإجلال والإكبار وهي سبب بقائنا ومصدر قوتنا وهي ثورة الإسلام الكبرى التي كان لا بد منها في ذلك الزمان والمكان.

كيف لا نهتم بحادثة علمتنا من الدروس الجهادية والمواقف البطولية ما لم نتعلمه من غيرها.

لقد تعلمنا من ثورة الحسين كيف نعيش أحراراً في هذه الحياة

تعلمنا منها كيف ندافع عن قيمنا ومبادئنا ومعتقداتنا…

تعلمنا منها كيف نضحي في سبيل الوطن والإنسان والمعتقد

تعلمنا من ثورة كربلاء دروساً لهذه الحياة كانت دافعاً نحو الخير المطلق وحصناً لنا من الشر المطلق

تعلمنا من كربلاء كيف نقف موقفاً جريئاً في وجوه الطغاة والظالمين وغصبة حقوق الناس وأكلة لحوم البشر

تعلمنا من ثورة الحسين أن أفضل أنواع الجهاد كلمة حق في وجه السلطان الجائر

تعلمنا من كربلاء أن النصر حليف الحق وأن صاحب الحق منتصر في كل الظروف والمواقف وأنه من كان مع الله كان الله معه كما كان شأن الإمام الحسين في تلك الثورة التي حققت أعظم انتصار في تاريخ الإسلام إذ ليس المهزوم من قُتل جسده بل المهزوم من ماتت نفسه ومن سقط في أنظار الناس وإن كان جسده حياً إنما الميت ميت الأحياء

يزيد لم يقتل في كربلاء ولكنه مات في تلك المعركة، مات عندما مات ضميره وعندما سولت له نفسه قتل الحسين

لقد ولد يزيد في هذه الحياة وهو ميت لأنه نشأ في بيت كانت ضمائر أهله معدومة وأخلاقهم منحطة ونفوسهم دنيئة.

تعلمنا من ثورة الحسين كيف يجب أن نكون على الحق وندافع عنه بالروح والجسد والولد

لقد تغنى المسلمون بالقول الشهير الذي أطلقه الزعيم الهندي المهاتما غاندي عندما قال:تعلمت من الحسين كيف أكون مظلوماً فأنتصر: إنه قول جميل وشرف كبير لنا أن يقتدي الناس بإمامنا الشهيد ولكنه قول غير دقيق حيث كان من المفروض عليه أن يقول:لقد تعلمت من الحسين كيف أكون على الحق فأنتصر: إذ ليس كل مظلوم على حق فقد يُظلم بسبب تقصيره وتهاونه في الأمور، أما من كان على الحق فإنه منتصر وإن لم يكن مظلوماً.

إننا كؤمنين حسينيين نكره أن نكون مظلومين كما نكره أن نكون ظالمين

نحن نرغب بالحياة الكريمة تحت النظام العادل الذي يتعامل مع الجميع على أساس كونهم كأسنان المشط.

تعلمنا من ثورة الحسين كيف نصون الكرامات ونحافظ على القيم والمعتقدات وكيف نصنع المجد لأمتنا عبر الجهاد القائم على الأسس الشرعية…وليس عبر الإرهاب الذي يحصل باسم الجهاد والإسلام…

تعلمنا من ثورة الحسين كيف نصل إلى إحدى الحسنين إما النصر مع الحياة وإما النصر مع الشهادة.

تعلمنا من ثورة كربلاء أن الحياة الكريمة للفرد والمجتمع والأمة لا تدرك بالتهاون والإهمال والتخاذل وإنما تدرك بالصدق والوفاء والتضحية والجهاد.

وقد تعلمنا من تلك الثورة المباركة كل ما نحتاج إليه في هذه الحياة لأنها ثورة الحق ضد الباطل وثورة الخير ضد الشر وثورة العدل ضد الحكم الجائر وثورة الإسلام الكبرى والسر الإلهي العظيم والمعجزة التي حققت للبشرية ما لم تحققه العهود الماضية.

وفي هذه المناسبة الكبرى ينبغي علينا أن نقف عند المحطات الأساسية في ثورة كربلاء ونركز الكلام حول عناوينها التي تحمل الكثير من مواقف الإنسان الصادق.

إن أبرز عنوان في ثورة كربلاء هو قائدها العظيم أبو عبد الله الحسين(ع) وقد تشكلت هذه الثورة من عدة عناوين هي: زينب وزين العابدين وعلي الأكبر وأبو الفضل العباس والقاسم بن الحسن والطفل الرضيع والسبايا وأرض كربلاء والدماء والعطش ويزيد وعبيد الله وعمر بن سعد والشمر وغيرهم من طرف الشر، كل هذه عناويين لثورة كربلاء

وهناك عنوان كبير كان له أهمية كبرى في إنجاح الثورة وصناعة النصر وهم أصحاب الحسين رضوان الله عليهم.

هؤلاء العمالقة الكبار الذين كانوا شركاء وأصحاب فضل كبير في نصرة هذا الدين الحنيف، وشركاء في صناعة المجد للإسلام والمسلمين حيث خطوا بدمائهم الزكية وأرواحهم الطاهرة طريق السعادة لمن أتى بعدهم من المؤمنين، وأناروا التاريخ بصدقهم وإخلاصهم وجهادهم وصبرهم آلام الطعنات والضربات التي كانت تأتيهم من كل صوب وبذلك أصبحوا المصداق الأبرز لقوله تعالى(من المؤمنين رجال صدقوا…)

هؤلاء العظماء هم أسياد الشهداء وقادة المجاهدين وخير الأتقياء والصادقين حيث كان بإمكانهم أن يتخلوا عن نصرة الحسين في اللحظات الأخيرة وينقلبوا عليه كما انقلب عليه مئات الآلاف من الذين كانوا يظنون أنفسهم مسلمين ولكنهم ليسوا مسلمين إذ لو كانوا كذلك لأطاعوا سيدهم الناطق الرسمي باسم الإسلام والمسلمين.

أما أصحابه الكرام فقد أصروا على موقفهم البطولي الذي لم يكن له مثيل في تاريخ الجهاد، أضف إلى ذلك أن الإمام (ع) قد أسقط عنهم وجوب الجهاد وحلهم من تلك المسؤولية الشرعية التي تتعلق بعنق كل مسلم في هذا الوجود وطلب منهم الرجوع إلى الأهل والوطن وذلك في ليلة العاشر من المحرم قبل البدء بالمعركة بساعات قليلة، عندما سمعوا هذا الكلام من الحسين لم يفرحوا لأن ذلك يعني عدم الحصول على شرف الشهادة بين يدي هذا الإمام العظيم فأخذوا يضجون بالبكاء ويتوسلون إلى الإمام كي يتراجع عن هذا الموقف ويقبل ببقائهم معه حتى آخر نقطة من دمائهم فقبل الحسين بعد إلحاح منهم أظهر مدى حبهم لله ورسوله والحسين فظهرت البسمات على وجوههم وأحيوا تلك الليلة الأخيرة من أعمارهم الشريفة بالصلوات وتلاوة الكتاب والتوجه إلى الله تعالى بالدعاء.

كان بإمكان هؤلاء العظماء أن يتخذوا قول الحسين حجة شرعية لهم في سقوط الواجب عنهم ويجعلوا من كلامه عذراً لأنفسهم، ولكنهم بعد أن سمعوا كلام الحسين أقبلت نفوسهم على الجهاد بشكل أعظم وآكد لأن الأجر في الجهاد عن طريق التبرع أعظم من أجر الجهاد الواجب وهذا ما جعلهم يتمسكون بقرارهم أكثر مما كانوا عليه قبل كلام الحسين.

هؤلاء فهموا واقع الحياة وأدركوا معنى العيش الكريم فوصلوا إلى تلك النتيجة التي وصل إليها الحسين قبلهم وهي أن الموت اولى من ركوب العار لأن الركون للظالم أكبر عار في هذه الحياة.

لقد أدرك هؤلاء الكرام أن الموت بعز وشرف وكرامة أشرف بكثير من العيش تحت رحمة الظالمين.

لأجل ذلك كله أطلق الإمام الحسين كلمته المشهورة والتي مدح فيها أصحابه حيث قالك لا أعلم أصحاباً خيراً من أصحابي:

ففي ليلة عاشوراء حيث الحر الشديد والعطش القاتل الذي تفتدى عنده نقطة الماء بمال الدنيا وكان بينهم وبين الماء مجرد رفضهم للمشاركة في تلك المعركة قد رووا أكبادهم الحرة بذكر الله وآنسوا وحشتهم ووحدتهم بالصلاة والدعاء حيث كان لهم دوي كدوي النحل في تلك اللحظات الحاسمة ولم يبالوا بتلك الجموع التي احتشدت لتقطيع أبدانهم وفصل رؤوسهم عن أجسادهم فلم يعيروا اهتماماً لتلك الذئاب الكاسرة التي اجتمعت على قتلهم لأن بينهم وبين الجنة ساعات قليلة وقد عظم الخالق في انفسهم فصغر ما دونه في أعينهم.

إنهم أطواد شامخات رسخت في بطن التاريخ واعتلت عرش العزة والكرامة وأنارت للبشرية دروب السعادة وكانوا أمثلة عليا لمعنى البذل والتضحية في سبيل الحق وأهله.

لقد كان أصحاب الحسين رواسي لا تدرك قممها ينحدر عنها السيل ولا يرقى إليها الطير.

كانوا أركاناً ثابتة لا تزلزلها العواصف الشديدة ولا تحركها الزلازل العتيدة ولا تهزها الرياح العاتية العنيدة.

كانوا اصحاب قلوب سليمة مفعمة بالإيمان وأصحاب عقول نيرة وإرادات صلبة ونفوس زكية خضعت لإرادة الله سبحانه وتعالى.

كانوا على مستوى العدد نيفاً وسبعين ولكنهم على مستوى المعنى والأثر أمة لا يحصى عدد أفرادها ولا يدرك مستوى قوتها.

كانوا مدرسة لمن جاء بعدهم من الأجيال المتعاقبة، وكانوا أمثلة عليا في الجهاد والذود عن شرف الأمة وكرامتها.

كانوا عناوين بارزة في الصدق والوفاء والإخلاص لدينهم وإمامهم الذي تجب طاعته.

كانت أعمارهم متفاوتة كان فيهم من هو في مقتبل العمر ومن هو في سن متقدمة كحبيب ابن مظاهر الأسدي ولكن قلوبهم كانت بحجم واحد من الإيمان والإخلاص وحب الشهادة.

لقد استهان العدو بالكهول من أصحاب الحسين ولكن عند نشوب المعركة تبدلت تلك النظرة عندما قتل الكهول من أصحاب الحسين فرسان الأعداء وابطالهم وشجعانهم وكأنهم شباب لم يدركوا الأربعين.

ما سبب تلك الشجاعة، وما هو منشأ تلك القوة، هو الإيمان الصحيح والإتكال على الله.

لقد كان أصحاب الحسين يتسابقون لنيل شرف الشهادة ويتهافتون لمواجة العدو كالعطشان المتهافت لشرب الماء المعين.

لم يوجد أفضل ولا أقوى ولا أشجع من أصحاب الحسين وإن سمعنا بعض الجهلاء يدعي أن هناك من هم أفضل من أصحاب الحسين.

لا يمكن لنا أن نثبت وجود أشخاص أعظم من أصحاب الحسين إلا إذا رجع الزمن ألفاً وثلاثمئة وأربعة وستين سنة أي غلى العاشر من المحرم سنة واحد وستين للهجرة وهناك نحكم إذا كان هذا أفضل أم ذاك.

إن أصحاب الحسين البالغ عددهم اثنين وسبعين رجلاً لم يواجهوا ثلاثين ألفاً فحسب وإنما واجهوا كل الأمة الضالة التي خضعت لحكم يزيد وابن زياد.

لم تقتصر تلك المواجهة على مواجهة الجيش الذي كان موجوداً في كربلاء وإنما كان المقصود كل ظالم عبر الزمن.

الحسين حارب يزيداً ويزيد كان بعيداً عن أرض المعركة حوالي ألف كيلو متر.

الحسين وأصحابه لم يحاربوا يزيد الشخص وإنما حاربوا يزيد النوع الذي انتشر وجوده في كل بقاع الأرض.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى