منوعات

قَصَصُ القُرْآنِ الكَرِيْم

قصة كليم الله موسى(ع)

قصةُ كليم الله موسى(ع)

 

لو بحثتم في شرق الأرض وغربها، وحلّقتم في أرجاء هذا الكون على أن تجدوا مثل قصص القرآن الكريم وتروا مثل عِبَره لما وجدتم وما رأيتم، لأنها قصص واقعية صِيغَت بقدرة الله بعدما اختار الله مضمونها وانتقى من دروس الحياة أنفعها، وقد سجّلها بين دفتي الكتاب الخالد.
وهذا يعني أنّ قصص القرآن تنفع الإنسان من بدايتها وحتى نهايتها، ولا يمكن لزمنٍ أن يمحوها مهما ابتعدنا عن زمن حدوثها لأنَّ القرآن خُلق ليستمر ويبقى وينسجم مع كل زمن وجيل.
فمع بداية القصة القرآنية ينجذب القلب نحوها من أول كلمة يسمعها، ثم يتابع الغوص فيها فلا يخرج من ذلك البحر إلا بصيدٍ ثمين.
ومن تلك القصص التي جرّت خلفها تاريخاً حافلاً ما حدث بعد رؤيا فرعون التي كانت مفتاح شرٍ لبني إسرائيل الذين استعبدهم وذبح أبناءهم واستحيا نساءهم دون أن يردعه شيء، ولكنها في ذات الوقت كان إنذاراً بنهاية جبرةت فرعون الذي أفسد البلاد والعباد.
ففي صبيحة يومٍ من الأيام استيقظ الظالم فرعون على رؤيا أخافته كثيراً، وقد عبّر عنها بالكابوس لفظاعتها حيث بدأت تظهر عليه التغيرات من حينها، ولعله كان يفهم معناها فأحب أن يكذّب نفسه ليشعر بالطمأنينة فجمع الكَهنة والسَحَرة على الفور وقصّ عليهم رؤياه فقال: رأيت وكأنّ ناراً أقبلت من جهة بيت المقدس فأحرقت دور مصر والأقباط، ولم تضر ببني إسرائيل: فترددوا في تفسيرها له خوفاً من غضبه حيث كان معناها عندهم واضح، فأمرهم بالكلام أياً يكن الأمر بعدما أعطاهم الأمان، فقام كبيرهم وقال له: سوف يولد في بني إسرائيل مولودٌ يكون هلاكك على يديه.
فغضب من كلام الكاهن وكأن صاعقة نزلت على رأسه، فاستدعى هامان الداهية الكبرى ليستشيره فيما يجب القيام به، فإن كان فرعون لعيناً فإن هامان كان ألعن منه، وبعد مشاورات دارت بينهما اتفقا على أن يقوما بمذبحة جَماعية لم يشهد الناس مثلها من قبلُ إلا في زمن خليل الله إبراهيم(ع) الذي شابهت نشأته نشأة موسى(ع) من حيث الرؤيا التي رآها ملِك زمانه وكان مضمونها مشابهاً لمضمون رؤيا فرعون، وسلوكه مشابهاً لسلوك فرعون.
بدأ الذباحون بتنفيذ هذا الأمر الإجرامي فقتلوا عدداً كبيراً من الأولاد حتى خشي أهل مصر من فناء القوم وهم بحاجة إلى خدمات بني إسرائيل، فإن ذبحوا جميع أطفالهم ومات شيوخهم وهرِم شبابهم فلن يبقى لهم من يخدمهم ويبني لهم القصور والقلاع، فذهبوا إلى فرعون وكانوا ذا رأيٍ عنده واقترحوا عليه فكرةً تقضي بتعديل هذا القرار، بعدما طلبوا منه إلغاءه فرفض وأصر على استمراره بسبب خوفه وجبروته لأنه لا يحب الخسارة ولم يتعوّد عليها طيلة مدة حكمه، فأخذ كلامهم بعين الإعتبار ولكنه لم يلغ قراره الأول، بل أجرى عليه بعض التعديلات التي ترضي حاشيته فخفف منه إذ قرّر أن يذبح الأولاد الجدد عاماً ويعفو عن المولودين الجدد عاماً.
وصادف أنّ هارون أخا موسى(ع) قد وُلد في عام العفو فلم يُقتل.
وفي العام الثاني(عام القتل) وُلد موسى(ع) وأخفته أمه ثم ألقته في اليم، ثم شاءت قدرة الله تعالى أن ينشأ موسى في قصر عدوه، فسبّب الأسباب حتى انتهى الأمر بهلاك فرعون ومعاقبته على ما اقترفته يداه من جرائم جَماعية وفردية، وانتصر موسى ومن آمن معه، ولن يكون إلا ما أراده الله سبحانه.

قصةُ إِلْقَاءِ موسَى في اليَمّ

 

(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ)
رغم قِصَر هذه الآية إلا أنها تشتمل أمرين ونهيين وبشارتين، وبهذا امتاز القرآن الكريم عن غيره، وليس ذلك ببعيد عن أذهان الماضين والحاضرين، فقد سمع الأصمعي كلام جارية فانبهر لفصاحتها فقال لها: قاتلكِ الله ما أفصحكِ، فقالت أويُعد هذا فصاحةً بعد قول الله تعالى(وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى) إلى آخر الآية، فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين:
ولن أبدأ بقصة إلقاء موسى في اليم قبل أن أذكر لكم مقدمة تتكفل ببيان الكثير مما يتعلق بهذه القصة.
كانت القوابل من آل فرعون يراقبن الحوامل من بني إسرائيل، ومن بين تلك القوابل قابلة تربطها مودة بأم موسى، وعندما أحست باقتراب موعد الوضع أرسلت في طلب تلك القابلة وأخبرتها بالأمر، ووُضع موسى وخرج منه نورٌ انبهرت له القابلة التي كانت ستشي به وتأخذ الجائزة لولا رؤيتها لهذا النور الذي جعل قلبها يرق عليه، وقد بدأت كراماته تظهر من لحظة ولادته.
وقد أعجبني كلامٌ جاء في تفسير الزمخشري حول الآية المذكورة التي ذُكر فيها لفظ الخوف مرتين(فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِ) و(وَلَا تَخَافِي) حيث قال:
ما المراد بالخوفين حتى أوجب أحدهما ونهى عن الآخر؟
أما الأول فالخوف عليه من القتل لأنه كان إذا صاح خافت أن يسمع الجيران صوته فينمّوا عليه، وأما الثاني فالخوف عليه من الغرق، وأما الفرق بين الخوف والحزن فإنّ الخوف غَمٌّ يلحق الإنسان لِمتوقَّع، والحزن غَمٌ يلحقه لواقع.
وبعد هذه المقدمات نتابع القصة المنشودة، فقد وضعت أم موسى حملها في بيتها، واتفقت مع القابلة على أن لا تخبر جنود فرعون بأن المولود ذكر حيث كان الذبّاحون ينتظرون خبر القابلة خارج بيت أم موسى، فرقَّ قلبها ووافقت على مضض، وأخبرت الجنود بأن المولود أنثى، ومضت في سبيلها، ومضى الجنود لشأنهم.
وبعد أيام قليلةٍ من تلك الولادة الميمونة سمع بعض المارّة من أمام بيت عمران صوت بكاء طفلٍ رضيع وبطريقةٍ ما عرف أنه مولود ذكر، فأسرع إلى الجنود وأخبرهم بأمره فأتوا مسرعين إلى دار عمران وراحوا يضربون الباب بشدة ليكسروه وينقضوا على ذبح موسى.
وانتشر الرعب واللاوعي في بيت عمران، وحارت أم موسى أين تخبأ طفلها، ولم يكن أمامها سوى تنورٍ مشتعل، فألقته في التنور من دون وعي، وبقي موسى فيه إلى أن انتهى الجنود من تفتيش البيت ولم يعثروا على أي مولود، ومن الطبيعي أن لا يفتشوا في تنورٍ مشتعل، وقيل بأنهم عاقبوا الواشي، وقد استحق ما نزل به لأنه مجرمٌ مثلهم، بل هو أشر منهم لأنه لم يكن مضطراً لتلك الوشاية، فلم يدفعه إليها سوى الطمع بالجائزة التي كانت في النهاية عذاباً عليه.
وبعد خروج الجنود من الدار استرجعت أم موسى وعيها وانتبهت لفعلتها تلك وظنَّت بأنه مات حَرقاً، فسمعتْ صوت بكائه فأسرعت نحو التنور فوجدته سالماً بقدرة الله تعالى الذي جعلها عليه برداً كما جعلها برداً وسلاماً على إبراهيم من قبله.
وبقي الخطر محيطاً ببيت عمران خصوصاً بعد تلك الوشاية، وكانت الدوريات تأتي وتذهب لشكّهم في كلام أم موسى والقابلة، فأراد الله سبحانه أن يحفظ كليمه ويريح قلب أمٍّ خائفة على مولودها، فأوحي إليها بطريقةٍ لم يُصرّح عنها في كتب التفاسير ولا في كلام المؤرخين لأنها سرٌّ من أسرار الله سبحانه.
ألهمها أن تضع طفلها في صندوق مُحكم الإغلاق وتلقيه في النهر، فأرضعته ثم رمت الصندوق في اليم، والباقي على رب العالمين الذي يسبِّب الأسباب ويُنفّذ إرادته رغماً عن أنوف الكفار والمعاندين، ففعلتْ ما أُمرتْ به وراحت أخت موسى تراقب الصندوق حتى وصل إلى مقربة من قصر فرعون فرأوه وأخذوه إلى المرأة الصالحة آسية بنت مزاحم زوجة فرعون(فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَنًا)
لقد وصل مُهلِك فرعون إلى قصره، وشاءت قدرة الله تعالى أن يهلَك هذا الطاغية على يد طفل ترعرع في بيته لتكون العِبرةُ أبلَغَ والدرس أنفع.
وبقدرة الله العظيم أُلقي في قلب آسية محبة موسى بعد أن أمر فرعون الذباحين بذبحه، وقد عمِلَت جاهدةً على إقناع فرعون بإبقاء هذا الطفل الجميل على قيد الحياة حيث ملأ عليها الفراغ التي كانت تعيشه.
وهنا تدخلّتْ قدرة الله مرة أخرى وربطت على قلب فرعون الذي عدل عن رأيه بمجرد أن نظر إلى وجه موسى(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) فوافق على طلبها.
رجعت أخت موسى إلى أمها وأخبرتها بالخبر فاشتعل قلبها خوفاً، ويا سبحان الله، لقد عملت كل ما بوسعها لتُبعد وليدها عن نظر فرعون وها هو الماء قد حمله إليه(وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمِّ مُوسَى فَارِغًا إِن كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلَا أَن رَّبَطْنَا عَلَى قَلْبِهَا لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ)
كادت تفقد صوابها وتذهب إلى آسية لتسترجع موسى منها ولكن الله سبحانه منعها بقدرته عن فعل ذلك وألهمها الصبر حتى ينفُذ حكمُه.
عاش في كنف فرعون وفي كل يوم كانت آسية تتعلق به أكثر حيث تخلت عن كل شيء وتفرغت لتربية هذا الطفل الرائع.
وأروع من كل شيء هو التدبير الإلهي لكل شيء.

قِصةُ إِرْضَاعِ موسى(ع)

 

(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ فَقَالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)
بعد أن وصل الطفلُ موسى إلى قلب قصر فرعون بقدرة الله تعالى، كَرِه فرعون الرجوع عن قرارٍ قد اتخذه، فأمر الذباحين بتنفيذ الأمر، فتوسلت إليه زوجته أن يعفو عنه، فهو طفلٌ بريء لم يرتكب أي ذنب، وراحت ترغّبه به وترجوه العفو عنه، وتطلب منه النظر إلى وجهه الجميل، فسمع لها ونظر إلى وجهه فسحره هذا الوجه الجميل فرقّ قلبه، وامتنع عن ذبحه بقدرة الله الذي ألقى محبةَ موسى في قلب فرعون وقلب زوجته، فأصبح كولدهم يعيش بينهم وينام في غرفة نومهم(وَقَالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِّي وَلَكَ لَا تَقْتُلُوهُ عَسَى أَن يَنفَعَنَا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَدًا وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ) لا يشعرون بأنه الولد الذي سوف تتحقق رؤيا فرعون على يديه.
لقد سلّط الله قدرته على قلب فرعون المجرم فتحوّل في لحظتها من مجرم قاتل إلى أبٍ عطوف ليبقى موسى حياً ويحق القول على الكافرين.
ولا يُخلف الله وعْده، فقد وعد أم موسى بإرجاع وليدها إلى حجرها، فشاءت قدرته النافذة على أن يجتمع شمل أم موسى بوليدها بعد كل ذلك الخوف والقلق الذي اعتراها، فامتنع موسى بقدرة ربه الذي اصطنعه لنفسه عن الإرتضاع من أية مرضعة غير أمه، فلم تترك آسية وسيلة لإرضاعه إلا وفعلتها، وقد وضعت مكافئة كبيرة لكل امرأة تستطيع أن ترضعه، حيث خشيَت عليه من الهلاك، وبقدرة الله تحوَّل قصر فرعون من قاعة اجتماعات عسكرية وأمنية واقتصادية إلى قاعة تستقبل المرضعات، وقد نفذت قدرة الله كالعادة(وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِن قَبْلُ) بمعنى أنّ الله تعالى جعل موسى يمتنع عن الإرتضاع منهن حتى يقضي الله أمراً كان مفعولاً.
وكانت أخت موسى ترقُب كل ما يحصل عن بُعد، وترى بأم عينها كيف يمتنع أخوها عن الإرتضاع من المرضعات، لقد سهّل الله سبحانه وصول أخت موسى إلى قصر فرعون رغم الحراسة المشددة، فتقدمت نحو آسية وعرضت عليها أن تدلها على مرضعة لم يُرسلوا إليها فوافقت آسية بعد أن كانت قد يئست من حياته وظنّت بأنها لعنة نزلت عليها، ولم تكن لتوافق بعدُ على طلب أخت موسى، ولكنَّ الله تعالى ألهمها أن تقبل بالعرض(هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ نَاصِحُونَ)
لقد انشغلت آسية ومن معها عن السؤال لأخت موسى كيف دخلت القصر لأن همّ آسية كان نجاة موسى من الموت.
رجعت أخت موسى إلى أمها وأخبرتها بالأمر فلم تصدّق نفسها ما تسمع، وذهبت مسرعةً إلى قصر فرعون، وبمجرد أن حملت موسى بين يديها بدأ يرتضع منها، وهناك اجتمعت الدهشة والفرحة معاً في قلب الطاهرة آسية بنت مزاحم التي هيّأت غرفة في القصر لأم موسى لتعيش معهم طيلة فترة الرضاعة فرفضت أم موسى العرض بحجة أنها لا تستطيع أن تترك بيتها وزوجها وقد أقنعت آسية بأن تأخذ موسى معها إلى بيتها فوافقت بعد نقاش طويل دار بينهما.
وحقّت كلمة ربك، ورجع موسى إلى أمه(فَرَدَدْنَاهُ إِلَى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ) ولا يكون إلا ما يريد الله، فهو فعّالٌ لما يريد، وقد جاء في الحديث القدسي:عبدي.. تريدُ وأريدُ، ولا يكون إلا ما أريد.

قِصةُ آسِيَة بِنْتِ مُزَاحِم
زَوْجَةُ فِرْعَون

 

(وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا لِّلَّذِينَ آمَنُوا اِمْرَأَةَ فِرْعَوْنَ إِذْ قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِندَكَ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِن فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
ليس بالضرورة أن يرتبط المرء بمحيطه ويتأثر بعاداتهم وأفعالهم، وإن كان للمحيط دورٌ كبيرٌ في صناعة شخصية الإنسان إن أراد الإنضمام إلى ما هو حوله، فهو غيرُ مضطّر للإلتزام بما هم عليه ولا هو مُلزَمٌ بهم، ولا يمكن أن يجبره أحد على تغيير قناعاته.
فها هو إبراهيم الخليل(ع) قد نشأ بين الوثنيين وتربى في بيت كبيرهم، ورغم ذلك فقد كان شيخ الأنبياء وثاني أنبياء العزم.
وكذا موسى وكذا عيسى وكذا خاتمهم(ص) وهناك الكثير من الناس لا يتأثرون بما هو حولهم، ويعود السبب في ذلك إلى الإيمان المستقر في قلوبهم كما كان حال صاحبة قصتنا زوجة فرعون آسية رضوان الله عليها، تلك المرأة الطاهرة والفاضلة التي تخلّت عن الوجاهة والمال والوضع الإجتماعي الرفيع التي كانت عليه على اعتبارها السيدة الأولى في مصر، فقد تركت زخارف الحياة في سبيل أن تحافظ على إيمانها بربها، وإليكم القليل مما كانت عليه تلك الصالحة التي نالت مدحاً من خاتم الأنبياء محمد(ص) الذي قال في شأنها: كمُل من النساء أربع، آسية بنت مزاحم ومريم بنت عمران وخديجة بنت خويلد وفاطمة بنت محمد:
ولأجل ما صنعت في سبيل الحق فقد جعلها الله سبحانه مضْرِباً للمثل كما أشارت الآية الكريمة التي من شأنها أن تشد من عزيمة الرجال والنساء، وهذا المثل لم يُضرب للنساء فحسب، بل للرجال أيضاً علّهم يتعلمون شيئاً من تلك المرأة العظيمة التي وهبت نفسها لربها.
فمن لحظة وصول موسى الرضيع إلى قصرها بدأت مرحلة جديدة في حياتها حيث استحوذ عليها نور موسى وما يُخفي في طيات مستقبله التي رأته مُشرقاً قبل أوانه.
لقد شعرت بأمر غريب عندما نظرت إليه للمرة الأولى ومن حينها قررت أن تعامله كولدٍ لها، وقد تعاملت معه كأمه الحقيقية وعانت الكثير في سبيل الحفاظ عليه، ولطالما توتر الوضع بينها وبين زوجها فرعون بسبب موسى ولم تتخلى عنه، ونحن على قناعة بأنّ الذي جذبها نحو موسى ليس مشاعر الأمومة فقط، لأن تعاطيها معه بتلك الطريقة يُنبئ عن كون العلاقة بينها وبينه كان علاقة إيمانية بامتياز.
وهنا نقوم بمقارنة بسيطة بين آسية بنت مُزاحم وزوجة العزيز، فإن زوجة العزيز قد ربّت يوسف ولكنها في النهاية راودته عن نفسها ولم تربطها به لا علاقة أمومة ولا علاقة الإيمان، على عكس الذي قامت به آسية بنت مزاحم، وكلتاهما تشبهان بعضهما من حيث مستوى الوضع الإجتماعي، بل إن مستوى آسية كان أرفع من مستوى زوجة العزيز، فتلك لم يدخل الإيمان إلى قلبها، أما هذه فقد استقر في قلبها منذ اللحظة الأولى التي رأت فيها موسى الرضيع، ولعلها رأته نبياً منذ الصغر وشعرت بأنه هو الطفل المنشود لدى فرعون، ولعلها اهتمت به حتى تنفُذ في فرعون قدرة الله تعالى وكانت جزءاً من سبب هلاكه.
لقد اهتمت بتربيته وكأن الله تعالى ربط على قلبها وألهمها أن تقوم بكل الوظائف تجاه هذا الطفل الذي سوف يكون هلاك الظالم على يديه.
ولا شك بأن الإرادة الإلهية كانت تحيط بها من كل جانب حيث سخّرها الله تعالى لتكون وسيلة لحفظ هذا المولود من الذبح بعد أن كان فرعون مصراً على قتل كل مولود وُلد في ذلك العام، فحاولت معه بكل الطرق المتاحة فطلبت الإسترحام لهذا الطفل البريء وأقنعت زوجها باتخاذه ولداً لهما يملأ عليهما الحياة فوافق على مضض.
ولما أصبح موسى في عمر الشباب خرج من مصر بعد تلك الحادثة المعلومة بينه وبين القبطي متوجهاً تلقاء مَديَن، خرج وكأن روح آسية خرجت مع خروجه من مصر، ثم عاد بعد تلك السنوات التي قضاها في مدين يحمل معه أمر الله تعالى بدعوة فرعون وقومه إلى الإيمان، فوصل إلى مصر وقام بوظيفته، وكانت آسية من أوائل الذين آمنوا برب موسى.
وبعد أن علم فرعون بإيمان زوجته راح يضيّق الخناق عليها ويجبرها على الرجوع عن دين موسى، ولكن رغم كل جبروته وتهديداته أصرت آسية على الإيمان، وعندها قرر أن يتخلص منها فأمر رجاله بدق الأوتاد في يديها ورجليها ووضعِ حجرٍ كبير على صدرها لتموت خنقاً.
أخذوها ونفّذوا أمر فرعون، وبينما هي تُحتَضَر أراها الله مكانها في الجنة فاطمأنت، ولما رأت ذلك دعت ربها بأن يبني لها بيتاً في الجنة، ثم فارقت هذه الدنيا بعد أن أعطت درساً عظيماً لكل البشر حول حقيقة الإيمان وكيفية الثبات عليه والبذل في سبيله مهما كان الثمن غالياً، لقد استغنت عن كل متاع الدنيا في سبيل أن تعيش على الإيمان وتموت عليه، وهذا ما كان بالفعل.
فبعد أن دعت ربها أن يبني لها بيتاً في الجنة دعته بأن ينجيها من فرعون وعمله الشرير.
وقد استجاب لها ربه ونجاها من زوجها عندما قبض روحها إليه حتى يخفف عنها تلك الآلام المادية والمعنوية فإن الموت راحة للمؤمن من هموم الحياة ومصاعبها ومصائبها، ولعلها كانت في قرارة نفسها تطلب الموت لتستريح.
وقد ذمّه الله سبحانه على ظلمه لها ولغيرها فقال(وَفِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتَادِ * الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلَادِ * فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسَادَ * فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذَابٍ * إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)

قِصةُ قَارُوْنَ الغَني البَخيْل

 

(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ)
مهما كان نوع العطاء وحجمه وشكله، وأياً كانت أسباب الحصول عليه فإنّ مَرَدَّه إلى الله مالك كل شيء، وقد أخبرنا سبحانه بأنه أعطى قارون الكثير من الكنوز ولكن ليس من باب التكريم له، بل من باب الإمتحان الذي لم ينجح فيه قارون في نهاية المَطاف.
فالخلق يملكون، والخالق يملك، وفرقٌ كبير بين الملكين، فهذا ملكٌ حقيقي، والآخر استئمان واستيداع واستخلاف بدليل قوله سبحانه(آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَأَنفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ)
وقد جرت بحوثٌ مطوَّلة حول لفظ(مالك ومُلك ومِلك) تجدونها في الكتب المختصة وأنا أنصحكم بالمراجعة، ولم أذكر الفرق بينها هنا حتى لا ننحرف عن البحث المطلوب.
وعلى أي حال فإنَّ الله سبحانه يمتحن عباده بأنواع كثيرة من ضُروب البلاء، فقد يمتحن المرء بنفسه أو بولده أو بمحيطه أو بماله، والعاقبة للمتقين الصابرين الذين يتمسكون بإيمانهم أكثر مهما اشتد عليهم البلاء وعظُم الإمتحان.
وبين أيدينا هنا عنوانٌ هام، هو قصة أحد الأغنياء الذين بغوا في الأرض فأهلكه الله بذنوبه حيث أنه كفر بَدَلَ أن يشكر فجعل الله من عقابه عبرةً لكل مَن تسوّل له نفسه حذوَ حذوِ قارون.
وقارون هذا من قوم نبي الله موسى(ع) كان فقيراً مُعدماً يعمل أجيراً عند أحد البنّائين، وكان صاحب حيلة ودهاء، فلا إيمان يردعه، ولا قانون يمنعه، وقد استطاع بدهائه وعدم خوفه من ربه بالإضافة إلى بخله أن يبلغ من الثراء مبلغاً لم يصل إليه أحد غيره من بعده، وقد خصّصتُ القول بمن بعده حيث أشار القرآن الكريم إلى أنه كان قبل قارون مَن هم أغنى منه وقد أهلكهم بذنوبهم حيث قال سبحانه(أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا) وقد تعمدتُ الإشارة إلى هذه النقطة من أجل أن أرفع وهماً مستقراً في عقول بعض الناس ممن يظنون بأن قارون هو الأوحد في هذا الثراء.
لقد لعب هذا المحتال بعقول الناس وضحك عليهم واستولى على أراضيهم ومواشيهم عن طريق الخداع والدهاء متغطّياً بدنوّه من عرش فرعون وصحبته لهامان.
وهو يشبه إلى حدٍ كبير أولئك الذين يسيرون بسيرته في أيامنا الحالية ولكنهم أقل منه جمعاً وأكثر منه دهاءاً، فإذا كان قوم موسى قد ابتُلوا بقارون واحد فلقد ابتلانا ربنا بالمئات مثله.
لقد تلاعب بلقمة عيشهم واحتكر المواد الأولية عندهم ورفع أسعار السلع، وتحكّم بالأسواق على مزاجه، ولم يكن هناك من يوقفه عند حده أو ينافسه على الأقل، فاستضعفهم وبغى عليهم، وكسب ثقة الحاكم الظالم الذي غطى له عيوبه مقابل نسبة من أرباحه كما يفعل الكثيرون في عصرنا الحالي.
وقد ذكّرني ما حدث في عهده بما يحدث عندنا اليوم من احتكار وغلاء وتلاعب بلقمة عيش المواطن، ولكن الفرق بين عهدنا وعهدهم هو أنّه كان في عهدهم موسى، ولا موسى في عهدنا يقف في وجه قارون ويُهلكه.
وكان المؤمنون من قوم موسى يعظونه ويُذكّرونه بالآخرة ويحثونه على إطعام الفقراء، فكان يسخر منهم، وكان الفقراء يقصدون قصره فيطردهم حيث أعمى حب المال بصره وبصيرته.
لقد بنى الغرف الكبيرة والحصينة لوضع الذهب والكنوز فيها، ولعلها كانت تُعد بالمئات، وكان يحمل مفاتيح أقفال تلك الغرف عشرات الرجال الأشداء بسبب كثرتها، فلو حمل كل رجل عشرة مفاتيح وكان يمشي معه أكثر من مئة رجل، فهذا يقرّب لنا عدد تلك الغرف، وقد شكى رجاله من ثقل تلك المفاتيح لأنها كانت حديدية فأمر الصنّاع بصنع مفاتيح من مواد خفيفة حتى يسهل على الرجال حملها.
وهذه النقطة لوحدها كفيلة ببيان مدى حجم ثروته التي لم يكن بالإمكان حصرها، فلو أنه عاش في الدنيا ألف ألف عام لما استطاع أن ينفق جزءاً صغيراً من تلك الثروة التي لم ينتفع بها ولم ينتفع غيره بها، وقد كان أبرز مثل لما قاله الإمام علي(ع) في نهج البلاغة: وَيَتَذَكَّرُ أَمْوَالاً جَمَعَهَا، أَغْمَضَ فِي مَطَالِبِهَا، وَأَخَذَهَا مِنْ مُصَرَّحَاتِهَا وَمُشْتَبِهَاتِهَا، قَدْ لَزِمَتْهُ تَبِعَاتُ جَمْعِهَا، وَأَشْرَفَ عَلَى فِرَاقِهَا:
وبعبارة أخرى، لم يرثها، ولم يوّرثها، بل جمعها وأتعب فكره وقلبه في السهر عليها، ثم حُرم منها ولم يبق لها وله في الوجود إلا الذكر السيء.
ثم يتابع القرآن الكريم حديثه عن قارون وما جرى معه وله فيقول(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
هذا ما قاله المؤمنون بالله تعالى لقارون المفسد، فقد نصحوه وبالغوا في نصحه فلم ينتصح، حيث أعمى الذهب قلبه وأنسته الثروة الخشية من ربه والعطف على الفقراء.
إنّ الله سبحانه لا يريد أن يحرمك من أن تتمتع بمالك، ولكن بشرط أن تكسبه بطرق الحلال وتنفق منه ما أوجبه عليه لأن لك نصيباً منه في الدنيا لا ينبغي نسيانه.
ولعله استعمل جزءاً من ماله في إضرار الناس ومحاربة موسى(ع) ورسالته حيث ورد في بعض الأخبار أنه هو الذي دفع المال للسحرة بأمرٍ من فرعون حتى يهزموا موسى.
لقد أخبروه بقدرته على بلوغ الآخرة من خلال ثروته إن هو أخذها عن طريق الحلال وصرفها في مكانها الطبيعي وأخرج منها ما فرضه الله عليه من الحقوق للمحتاجين والمستحقين، فواجههم بالرفض والعناد والسخرية، وكان في كل مرة يطردهم من قصره ويهددهم مدّعياً بأنه لا فضل لله في ثروته فهو الذي جمعها بعلمه وذكائه، لقد قال ذلك متكبراً متعجرفاً، وما زال الله تعالى يمدّه بالفرص علّه اهتدى ورجع عن ضلاله، ولكنه كان في كل مرة يزداد عتواً وضلالاً وتكبراً.
وهنا يردّ القرآن عليه وعلى أشباهه من الذين سبقوه والذين سيأتون من بعده(قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ)
فعندما ادعى الفضل لنفسه ناسياً فضل الله تعالى ومنكراً ملكه لكل شيء بدأت علامات نزول العذاب من الله واقتراب موعد هلاكه.
لقد فتح الله له ولغيره أكثر من فرصة حتى لا يكون لهم حجة على الله يوم القيامة، وقارون هذا قد أغلق على نفسه جميع أبواب الخير التي فُتحت له حيث استحوذ الشيطان على قلبه فأنساه ذكر ربه.
أفلا يعلم هذا المتعجرف بأنّ الله سبحانه قد أهلك قبله من كان أغنى منه وأقوى، ولكنه لم يعتبر حيث أنساه المال كل شيء.
سوف يهلكه الله ويعذبه أشد العذاب ولن يسأله عن ذنوبه إذ أنه سوف يدخل جهنم مباشرة.
ولم يكن نبي الله موسى(ع) بعيداً عما يفعل قارون، ولكنه كان يرسل إليه بعض أتباعه في كل مرة من باب التبليغ والتذكير حتى أصبح موسى(ع) العائق الأكبر في وجه طموحات قارون الذي وضع يده في أيدي أعداء موسى حسداً وغيظاً وانتقاماً من الحق وأهله حتى وصل به الأمر في يوم من الأيام إلى أن يستأجر مومساً ويرسلها إلى موسى لتدعي بأن موسى قد فجر بها، ولكن عند ساعة الصفر ظهر الحق وزهق الباطل حيث تحدث موسى إلى تلك المرأة بأسلوب نبوي نقي واستحلفها بالله أن تقول الحق والحقيقة، وعندما نظرت في وجهه المشع بأنوار الإيمان خافت وارتعبت واعترفت بالذنب وأخبرت القوم بمكيدة قارون للإيقاع بموسى بعد أن كادوا يصدقون كذبتها الشنيعة.
لقد أراد قارون المدعي للذكاء الخارق أن يُثبت للناس أنه أفضل من موسى الفقير، أو شئتَ قل: أراد أن يحرّض الفقراء من أتباع موسى ويغريهم حتى يتركوا دينهم ويتخلوا عن نبيّهم، هذا مع العِلم بأنه لم يؤذه أحد من أتباع موسى قط، ولكنه استسلم لإرادة الشيطان وتحوّل إلى عبدٍ مطيع له يأتمر بأوامره التي تقضي بتدمير الإيمان في هذا الوجود.
ففي يوم من الأيام خرج في موكبه المذهّب برفقة الرجال الذين يحملون مفاتيح غرف الذهب وهم يرتدون أفخر الملابس المزخرفة، وراحوا يجولون في المدينة بهدف بث الفتنة في قلوب الناس، وقد قيل إنّ الياقوتة التي زيّن بها حذاءه يمكن شراء قصر بثمنها، ولعله فعل ذلك أكثر من مرة من باب التأكيد على تحريض الفقراء من المؤمنين.
ويمكن القول إنه للوهلة الأولى نجح في تنفيذ خطته الشيطانية حيث استطاع أن يستميل قلوب بعض البسطاء من بني قومه، ولكنّ نجاحه لم يدُم طويلاً حيث كانت قوة الإيمان راجحة في قلوب أغلبية المؤمنين بموسى فلم تخدعهم تلك المظاهر الخلابة والزينة الجميلة حيث أدركوا بأنّ حلاوة الإيمان أجمل، وأنّ العاقبة للمؤمنين المتقين، وأنَّ قارون سوف يزول هو وثروته التي جمعها بطرق الحرام.
واستطاع هؤلاء أن يذكّروا البسطاء بدينهم وربهم مبينين لهم أنّ قارون يخدعهم ولن يعطيهم من أمواله شيئاً، وعلى الفور كُشفت تلك اللعبة ورجعت المياه إلى مجاريها، ولكنها رجعت هذه المرة بخيبة الأمل لقارون ومن اتبعه من أهل الدنيا.
لقد باءت خطته بالفشل الذريع، وذلك بفضل العقيدة الراسخة في قلوب المؤمنين بالله وكليمه موسى بن عمران.
هذا ما ذكره القرآن المجيد لنا حيث قال سبحانه واصفاً تلك الحادثة(فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ * وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ)
عند تلك اللعبة القارونية انقسم قوم موسى إلى قسمين، ولولا حكمة موسى(ع) وجرأته في الدفاع عن الحق وإثبات الدين لمشى أغلبية بني إسرائيل خلف قارون.
قسمٌ من بني إسرائيل لم يتأثروا بزينة قارون وذهبه ولآلئه لإدراكهم بأنّ ما عند الله خير وأبقى.
وقسمٌ تمنوا أن يكون لهم مثل ما لقارون من الثروة حتى يتمتعوا بزينة الحياة، وقد كانوا على استعداد لفعل أي شيء في سبيل الحصول على بعض الذهب.
وبعد فترة من الزمن أراد الله سبحانه أن يُحق الحق بكلماته ويثبّت الإيمان بمعجزاته فتوجّهت إرادته للأرض التي بُني عليها قصرُ قارون فانشقت وابتلعت القصر والغُرف المملوءة بالكنوز والجواهر، وعندما رأى قارون ذلك شعر بالخوف والخطر وظنّ بأن كنوزه سوف تنجيه من عقاب الله، ففراح يستغيث ويستغيث فلم يجبه أحد حتى ابتلعته الأرض مع كنوزه، وجاء بنوا إسرائيل إلى مكان الحادث وهناك تغيرت الأحوال وتبدلت الآراء، أما الذين ثبتوا على الإيمان ولم يغرهم قارون وماله حمدوا الله وشكروه على نعمة الإيمان التي تحفظ أهلها في الدنيا والآخرة، وأما الذين وقعوا في فتنة قارون بالأمس، ندموا وشكروا الله الذي لم يكن لهم ما لقارون كيلا يصيبهم من العذاب ما أصابه.
ولأن قارون لم يُحسن التصرف لا في طريقة جمع المال ولا في طرق صرفه استحق ذلك العقاب وكان عبرة لكل إنسان يظنّ بأن ماله سوف ينقذه بحال من الأحوال.
(فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ * وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ)

قِصةُ وَادِيْ التيْه

 

(قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ)
بعد نجاة بني إسرائيل من ظلم فرعون وجنوده ببركة كليم الله موسى وتلك المعجزة الكبرى التي انشق بها البحر وابتلع فرعون وجنوده، بدأت مرحلة جديدة في تاريخ بني إسرائيل، وكان تاريخهم مُظلِماً وما زال أظلم بسبب أهوائهم وانحرافهم القريب.
لعقودٍ من الزمن وبنوا إسرائيل يتمنون اللحظة التي ينجون فيها من ظلم فرعون الذي طال استعباده لهم، وكانوا على استعداد لفعل أي شيء في سبيل الخلاص منه، وقد منّ الله عليهم إذ أنقذهم من فرعون على يد كليمه موسى الذي لم يشكره بنوا إسرائيل على جميع ما قدّمه لهم من خدمات ومعجزات.
فبعد غرق فرعون وجنوده خرج بهم نبيّهم موسى من مصر متوجهاً إلى الشام، ولدى وصولهم إلى أرض الكنعانيين الذين يقطنون فلسطين(وكانوا قوماً جبارين) أمرهم نبي الله موسى بالجهاد، أي بدخول أرض الكنعانيين بقوة السلاح، وأخبرهم بأنّ الجهاد طريق السعادة لهم، ولا يمكن لحياتهم المتزلزلة أن تستقر إلا بالجهاد، وكان الحل الوحيد لهم آنذاك هو أن يقاتلوا الجبّارين في الأرض المقدسة حتى يدخلوها حيث لم يكن للكنعانيين التنازل عنها إلا بالقوة، وكان هذا امتحاناً لهم من الله تعالى.
وكان موسى(ع) قد اختار منهم اثني عشر نقيباً يمثّلون قبائل بني إسرائيل الإثنتي عشرة ليذهبوا إلى أرض الكنعانيين ويستطلعوا الأمر، ولعلهم ذهبوا ثم رجعوا خائفين مما رأوه من القوة والكثرة والحصانة، ولدى إخبارهم لقومهم بذلك آثروا حياة الذل على الجهاد الذي يرسم لهم طريق العزة، فرفضوا فكرة القتال من أساسها وتناسوا فضل موسى وربه عليهم، بل عصوا أمر ربهم، وتركوا موسى وحيداً متجرئين عليه وعلى الله تعالى(قَالُواْ يَا مُوسَى إِنَّا لَن نَّدْخُلَهَا أَبَدًا مَّا دَامُواْ فِيهَا فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ)
يريدون الحياة الكريمة دون تعبٍ ولا عناء، بل يريدون الأكل من زرع غيرهم، والشرب من الآبار الجاهزة، وهي أسوأ صفات البشر، وكأنّ لهم فضلاً على ربهم وعلى باقي الناس، مع أنهم لم يذوقوا طعن العزة والحرية إلا ببركة كليم الله، وما زالت هذه الروحية تتملكهم حتى يومنا الحاضر إذ يظنون بأنهم شعب الله المختار.
لقد فضّلهم الله على العالمين من قبلُ، وأنعم عليهم بإرسال الرسل إليهم، وأنقذهم من ظلم فرعون الذي ذبح أطفالهم وسبى نساءهم، وأراهم من المعجزات ما لم يره غيرهم، ولكنهم تناسوا كل ذلك، فعندما عصوا الله والرسول أذلهم الله في الحياة الدنيا وجعلهم عبرة لمن يعتبر عبر الزمن.
وكان من بينهم رجلان مؤمنان بالله تعالى راحا يشجعانهم على دخول الأرض المقدسة ويدعوانهم إلى تنفيذ أوامر الله ورسوله، وبيّنا لهم بأنّ الغَلَبة لهم إن هم توكلوا على الله سبحانه، ولم يكن ردُّ بني إسرائيل عليهما بأقل وقاحةً من ردّهم على كليم الله(قَالَ رَجُلاَنِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُواْ عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللّهِ فَتَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ)
رفضوا دخول الأرض المقدسة وقتالَ الكنعانيين رغم تطمين موسى لهم لأنهم يريدون أن يحققوا المكاسب على تعب وجهد غيرهم، وطلبوا من نبيّهم أن يعيدهم من حيث أتوا، فرجع بهم إلى حيث أمره الله سبحانه، وقد عاقبهم الله على خذلانهم مدة أربعين سنة، حيث شرّدهم ولم يستطيعوا دخول أية مدينة بعد ذلك، فراحوا ينصبون الخيام في الصحراء الحارقة ويبذلون كل الجهد في البحث عن الماء والطعام، وقد مروا بظروف جوعٍ وعطش قاسية، وعندما أدركوا حجم الخطأ الذي ارتكبوه عندما لم يجاهدوا في سبيل الله قرروا العودة إلى بيت المقدس مرة أخرى (ولو وصلوا إليها ثانية فلن يقاتلوا ولن يدخلوها بل هي مجرد مراوغة من أجل كسب الوقت) ولكنهم عاشوا في متاهة وضاعوا في تلك الصحراء أذلاء مشردين، ولم يدخلوا بيت المقدس بعد ذلك، فكانوا كلما سلكوا طريقاً عادوا إليها من حيث لا يشعرون، واستمر فيهم هذا العقاب أربعين سنة، وهو قليل في حقهم، وقد علموا بأنّه عقابٌ من الله أنزله بهم، ومع ذلك كله بقيت نفوسهم مريضة لم يستقر بها الإيمان الخالص يوماً.
لم يكونوا أقوياء إلا على كليم الله موسى وأخيه هارون، فكانوا في كل مرة وعند أية مخالفة لطلباتهم التي لا تنتهي يهددونهما بالقتل.
هكذا هم اليهود، وسوف تقوم الساعة وهم على تلك الحالة.

قِصةُ مُوْسى مَعْ الفَتَاتَيْن

 

(وَلَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِّنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِن دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ)
غادر مصر خفية بعد أن قتل أحد الأقباط وتوجّه نحو مدينة مَديَن، وقد مشى لأيام في طريق لم يسلكها من قبل، وكان يسد جوعه من نبات الأرض، وبقي على تلك الحال حتى وصل إلى أطراف مدين وجد شباباً كثراً يسقون أغنامهم من بئرٍ كانت هناك، ووجد امرأتين تجلسان في مكان قريب وتظهر عليهما ملامح العفة والإستحياء فشعر بما يدور في خلدهما فسألهما عن سبب وقوفهما جانباً فقالتا: إننا ننتظر تفرّق الشبان حتى تتاح لنا فرصة سقي الأغنام فأبونا شيخٌ كبير وليس لنا أخٌ يساعدنا في هذا العمل فتحركت عنده تلك الحميّة المعهودة فيه حيث عُرف بين أهل مصر ببغضه للظلم ودفاعه عن المظلومين ولم يكن سبب تركه لمصر إلا الدفاعن عن مظلوم استجار به، فكيف يترك هاتين الفتاتين دون أن يقوم بواجبه الأخلاقي معهما خصوصاً أن الشباب الذين كانوا على البئر لم يكن عندهم شيء من النخوة، فدنا من تلك البئر وألقى دلواً كبيراً كان رفعه يصعب على عصبة من الشباب متحدين ورفعه ممتلئاً بمفرده فتعجب الحاضرون من تلك القوة وبالأخص تلك الفتاتان، وقد سقى لهما أغنامهما وهو لا يريد في مقابل عمله إلا الله تبارك وتعالى.
وجلس في ناحية يستريح(فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) وقد عادت الفتاتان إلى دارهما وأخبرا أباهما بصنيع هذا الشاب الوفي والقوي فأخذته الدهشة من هذه الأخلاق التي كانت عملة نادرة في مدينتهم فطلب من إحدى بناته أن ترجع إليه وتدعوه إلى دار أبيها الذي أراد أن يُكرمه مقابل خدمته تلك، وفي الحقيقة هو دعاه حيث أخذه الشوق للقاء به فأحب أن يعرف قصّته ويساعده قدر المستطاع لأنه عرف بأنه غريب عن تلك المدينة وأنه يجمل أخلاق الأنبياء، وهذا الشيخ هو نبي الله شعيب(ع) الذي ألهمه ربه بإرسال إحدى فتاتيه لدعوة موسى.
(فَجَاءتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاء قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
عندما رآها موسى وسمع تلك الدعوة شعر بالراحة والطمأنينة وقد لبى الدعوة مسرعاً ووصل إلى دار شعيب الذي لم يكن يجهل أمر موسى بوحيٍ من الله تعالى، فراح يسأله عن أحواله وموسى يخبره بما جرى له من البداية وحتى النهاية فطمأنه بأنه أصبح في مأمن من مخالب فرعون وجنوده.
(قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ)
أعجبت الفتاتان بشخصية موسى وأخلاقه وطلبت إحداهما من أبيها شعيب أن يستأجره لأنهم بحاجة إليه بينهم فعقد شعيب مع موسى اتفاقية، وهي أن يزوجه إحدى ابنتيه على أن يعمل عنده في الرعي والسقاية مدة ثمان سنوات فإن أكملها لعشر سنوات فهذا تطوّع منه فوافق موسى على الطلب مبيناً له بأنه إن انقضت الحجج الثماني فقد أكمل بها مهر ابنته، وبعدها يفعل الله ما يريد.
(قَالَ إِنِّي أُرِيدُ أَنْ أُنكِحَكَ إِحْدَى ابْنَتَيَّ هَاتَيْنِ عَلَى أَن تَأْجُرَنِي ثَمَانِيَ حِجَجٍ فَإِنْ أَتْمَمْتَ عَشْرًا فَمِنْ عِندِكَ وَمَا أُرِيدُ أَنْ أَشُقَّ عَلَيْكَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ * قَالَ ذَلِكَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَيَّمَا الْأَجَلَيْنِ قَضَيْتُ فَلَا عُدْوَانَ عَلَيَّ وَاللَّهُ عَلَى مَا نَقُولُ وَكِيلٌ)
عاش بينهم سنوات من عمره وقد تزوج من ابنة شعيب وقد اشتُهر بينهم بعلمه وأخلاقه وحكمته وشجاعته، وقد اكتمل الشرط وأتم موسى المدة كما اتفقا ثم أخبر شعيباً بعزمه على الرجوع إلى مصر فوافق لأنه نبيٌ يعرف حجم المسؤولية الملقاة على عاتق موسى(ع) فحمل أمتعته واصطحب زوجته وتوجه عائداً إلى مصر، وفي الطريق أوحى الله إليه وأرسله نبياً وأمره بالذهاب إلى فرعون.
(فَلَمَّا قَضَى مُوسَىالْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِن جَانِبِ الطُّورِ نَارًا قَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِخَبَرٍ أَوْ جَذْوَةٍ مِنَ النَّارِ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ)

قِصةُ الشجَرةِ المُشْتَعِلَة

 

(وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَى * إِذْ رَأَى نَارًا فَقَالَ لِأَهْلِهِ امْكُثُوا إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَّعَلِّي آتِيكُم مِّنْهَا بِقَبَسٍ أَوْ أَجِدُ عَلَى النَّارِ هُدًى)
بعد أن قتل كليم الله موسى رجلاً من بني إسرائيل شعر بخطرٍ كبير بات يتهدد وجوده في مصر، فخرج من تلك المدينة وتوجّه نحو مَدْيَن موطن نبي الله شعيب(ع) ومكث فيها لسنوات بعد أن تزوّج بفتاة من أهل مدين حيث استأجره والدها مدة من الزمن مقابل مهرها، فعاش بينهم كأي واحد منهم وقد أجاروه من الأخطار، وبعد انفضاء المدة المتفق عليها بينه وبين والد زوجته(عشر سنوات تقريباً) عزم على العودة إلى الديار فجهّز أمتعته وانطلق من مدين عائداً إلى مصر، وكل ذلك كان بإلهام من الله تعالى الذي حفظ كليمه موسى طفلاً وشاباً وكهلاً ونصره على أعتى البشر وأشدهم ظلماً.
وفي الطريق حيث كان الظلام حالكاً رأى ناراً مشتعلة من بعيد، فطلب من زوجته البقاء في مكانها ليتحقق من أمر تلك النيران علّه يجد أحداً هناك أو يأتي بشيء من تلك النار لتضيء لهم.
إقترب إلى حيث ذلك الضوء وإذا به يرى عجباً، لقد رأى معجزة لم يشاهد مثلها من قبل.
رأى شجرة خضراء مشتعلة ولكن النار لا تحرقها فشعر بالعجب والدهشة والفزع في آن واحد.
ثم سمع صوتاً هدّئ من روعه وطمأن نفسه، لقد سمع كلاماً يخرج من خلف تلك الشجرة(فَلَمَّا أَتَاهَا نُودِي يَا مُوسَى * إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى)
لقد خلق الله صوتاً كلّمه، ولم يكن صوت الله كما يتوهم البعض لأن الصوت مخلوق، والله عز وجل منزّه عن جميع مخلوقاته، ولأن الوحي أتاه بهذه الطريقة فقد سُمي بكليم الله، وكان هذا الكلام وحياً من الله تعالى الذي أخبره بأنه في الوادي المقدس وأنه اختاره للنبوة وتبليغ الناس رسالة ربهم، ثم أمره بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان بالتوحيد وأن يُرسل معه بني إسرائيل الذين استعبدهم لعقود من الزمن.
وكانت نار تلك الشجرة نوراً انطلق منه موسى في دعوته المباركة، وكانت بداية عهد جديد لبني إسرائيل الذين لم يحفظوا عهودهم ولم يثبتوا على الإيمان رغم العديد من المعجزات التي شاهدوها بأعينهم.

قِصةُ بِنَاءِ بُرْجِ فِرْعَون

 

(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ)
عاد موسى إلى مصر بعد أن أوحى الله إليه بالذهاب إلى فرعون ليدعوه إلى الإيمان فدخل القصر برفقة أخيه هارون وبلّغ فرعون رسالة ربه فأبى واستكبر واتهم موسى بالكذب، فأراه بعض آيات ربه فاتهمه بالسحر، وأمر بجلب السحرة للقضاء على سحر موسى فانتصر عليهم وخاب أمل فرعون الذي راح يفكر في طريقة يصرف بها أذهان الناس عما رأوه من الآيات.
وكان أهل مصر سذجاً يصدقون كل ما يقوله الحاكم، فادعى بأنه ربهم في الأرض، ولا يعلم أن في السماء إلهاً كما يدعي موسى فأمر وزيره هامان ببناء صرح عالٍ حتى يتحقق من أمر إله موسى، وكان الهدف من بناء هذا الصرح صرف أذهان الناس عن دعوة موسى ومعجزاته فأراد فرعون أن يبني لهم صرحاً مميزاً ينسيهم تلك الآيات التي رأوها، فجمع هامان خمسين ألف عامل وبذلوا الأموال الطائلة في بنائه حتى وصل البناؤون إلى درجة لم يعد بإمكانهم أن يرفعوا البناء أكثر، وكان بإمكان أهل مصر الصعود إلى أي جبل، وأي جبل سوف يكون حتماً أعلى من برج فرعون، ولكن ماذا نصنع بتلك العقول الجامدة، وكان أهل مصر في كل يوم يمرون أمام هذا البناء وهم ينتظرون اكتماله بفارغ الصبر إلى أتم العمال بناءه فجمع فرعون الناس وراح يصعد إلى أعلى الصرح وبيده قوس ونبل، وقيل بأنه أطلق السهم على طير كان فوقه أو أنه وضع دماً على سهمٍ ثم نزل إلى الناس وأخبرهم بأنه قتل إله موسى وهذا الدليل بين يديه فصدّقه الكثيرون من البسطاء إما عن قناعة منهم أو عن خوفهم منه.
ثم راح يفتك بهم يوماً بعد يوم حتى لم يعد بالإمكان الصبر عليه، فلجؤوا إلى موسى لينقذهم من ظلم فرعون وقد استجاب الله لكليمه فأغرق فرعون وجنوده(وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ * فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ)

قِصةُ غَرَقِ فِرْعَوْن

 

(وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ)
ما أجملها مِن قصص، وما أروعها من حكايات، وما أعظمها من عِبرٍ حملت المنفعة للبشرية عبر الزمن، إنها قصصٌ واقعية، وحكاياتٌ حقيقية، لا تُشبه تلك التي من نسج الخيال، بل هي نافعةٌ على كل حال، فيها العِلم والتاريخ واليقظة، والتجارب والنفع والموعظة.
ومن تلك القصص القرآنية ما حدث لأعتى رجلٍ في التاريخ وأكثر الناس قوةً على الإطلاق، الذي ذاع سيطه في البلاد، ولم يقصّر في ظلم العباد، فرعون الذي وُصف بذي الأوتاد، الذي طغى بقوله وفعله، وادعى الربوبية لنفسه.
في هذه القصة سوف يظهر لنا ضَعْفُه وكَذِبه، وأنه لا يوجد قوةٌ في العالم تضاهي قوة الحق، ولا يمكن للشر أن يتغلّب على الخير قط.
فبعد ظلمٍ لبني إسرائيل دام عقوداً من الزمن، وبعد القتل والتجويع والسجن والذبح والمجازر الفردية والجماعية أراد الله سبحانه أن يرحم بني إسرائيل من ظلم حاكمهم ومستعبدهم فأرسل إليه كليمه موسى يؤازره أخوه هارون الذي كان أفصح منه لساناً.
فدعاه إلى الإيمان برب العالمين فأنكر رغم حدوث المعجزة، ورغم أنه في قرارة نفسه أدرك صِدْقَ ما يدعيه ابن عمران(فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى)
ولكنّ جبروته وعنفوانه منعاه من الإذعان فأنكر الحق وآثر الضلال على الهدى وجحد بآيات ربه وهي بيّنة، وبعد ما كان من أمر تلك الرحلة القصصية الطويلة قرر فرعون أن يقتل موسى ومن آمن معه فلحق بهم وحاصرهم في مكانٍ مُحاط بالبحر من الأمام وبفرعون وجنوده من الخلف، وفي تلك اللحظات الحرجة على بني إسرائيل الذين استسلموا للهلاك وظنوا أنهم أحيط بهم أوحى الله إلى كليمه موسى أن يلقي عصاه في البحر فألقاها فانشق البحر وكان كل فِرقٍ كالجبل الكبير، فمرّ موسى ومن معه بأمان ولحق بهم فرعون فجاء أمر الله بإطباق الماء عليه وعلى جيشه الجرار فابتلعتهم المياه ولم يبق لهم أثر سوى فرعون الذي أمر الله الموج أن تلقي بجثته إلى الشاطئ ليراها الناس كيلا يبقوا ظانين بأنه إله وقد صعد إلى السماء بحيث يراهم ولا يرونه(فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) وهذا تعبير صريح بالغاية من إنقاذ جثة فرعون فقط.
فعندما شعر فرعون بالخطر وسط الماء أذعن وأقر بصدق موسى وأعلن إسلامه ولكن بعد فوات الأوان حيث تاب في وقتٍ لا تصح فيه التوبة(حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لا إِلِهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَاْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ * آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ)
الآن تبتَ أيها الظالم عندما لم يبق لك حولٌ ولا قوة، لا، لن يقبل الله توبته بل أعد له عذاباً أليماً نتيجة لظلمه الذي لا يكاد يوصف، فقد بغى وفسد وأفسد حتى سولت له نفسه ادعاء الألوهية لنفسه.
وبذلك طوى الله صفحة الظلم تلك، وذهب بنوا إسرائيل برفقة نبيّهم موسى(ع) لتبدأ مرحلة جديدة لهم من مراحل الإمتحان الذي لم ينجحوا به أيضاً.

قِصةُ عَصَا موسى

 

تبدأ هذه الحكاية من اللحظة التي بُعث فيها موسى نبياً لدى عودته من أرض مَدْيَن برفقة أهله، وقد سدّده ربه بالمعجزات وطمأن بها قلبَه.
ومن جملة هذه المعجزات هي تلك العصا العادية التي اتخذها موسى لنفسه من شجرة عادية والتي تحولت إلى ثعبان انتصر به مرتين، مرة أمام فرعون في قصره، ومرة أمام السحرة على أعيُن الجميع.
لقد تحوّلت عصا موسى إلى ثعبان ثلاث مرات:
ففي المرة الأولى حدث ذلك في البقعة المقدسة في الوادي طُوى عند الشجرة المشتعلة، بعدما سمع موسى كلام الوحي يأتي من تلك الشجرة، وفي هذا التحوّل الأول قال سبحانه(وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ يَا مُوسَى * قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا عَلَى غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أُخْرَى * قَالَ أَلْقِهَا يَا مُوسَى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تَسْعَى * قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيرَتَهَا الْأُولَى)
وفي المرة الثانية تحولت عصاه إلى ثعبان مخيف أمام فرعون داخل قصره عندما دخل عليه موسى وهارون ودعواه إلى الإيمان برب العالمين فلم يصدقهما، وهناك أوحى الله تعالى إلى كليمه أن يلقي عصاه ويضمم يده إلى جناحه(قَالَ أَجِئْتَنَا لِتُخْرِجَنَا مِنْ أَرْضِنَا بِسِحْرِكَ يَا مُوسَى * فَلَنَأْتِيَنَّكَ بِسِحْرٍ مِّثْلِهِ فَاجْعَلْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْعِدًا لَّا نُخْلِفُهُ نَحْنُ وَلَا أَنتَ مَكَانًا سُوًى)
وفي المرة الثالثة تحولت العصا إلى ثعبان عندما ابتلعت حبال السحرة وعِصيَّهم، وإليكم بعضاً من تلك التفاصيل.
فعندما دخل موسى إلى قصر فرعون لدى عودته من مدين ومروره في البقعة المباركة بعد أن كلّفه ربه بتبليغ الرسالة جرى حوار طويل بينهما، فلقد تحدث إليه موسى بالعقل والعلم والمنطق السليم(قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى * قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى * قَالَ فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى* قَالَ عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ مَهْدًا وَسَلَكَ لَكُمْ فِيهَا سُبُلًا وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّن نَّبَاتٍ شَتَّى) فلم يؤمن عُتواً ولم يخشع تَكبُّراً، هذا مع العلم أنه في قرارة نفسه موقنٌ بصدق ما جاء به موسى الذي أراه حينها بعضاً من آيات ربه التي كان منها الثعبان واليد المشعّة بنورٍ عظيم، فشعر بالخوف ولم يستسلم رغم أنه كاد يسقط عن كرسي عرشه من شدة الخوف وهو يصيح أبعدوها عني(أي تلك الحيّة)، ثم خرج موسى وهارون من قصره فأمر فرعون بجمع أمهر السحرة في العالَم عندما اتهم موسى بالسحر وتواعدا معاً على يوم المواجهة الكبرى أمام أعين الناس(قَالَ مَوْعِدُكُمْ يَوْمُ الزِّينَةِ وَأَن يُحْشَرَ النَّاسُ ضُحًى) وهو يومُ عيدٍ عندهم، وبما أنه لا عمل في هذا اليوم فإنَّ بإمكان الجميع أن يجتمعوا في الوقت المحدد.
انتظر الناس اليوم المحدد بفارغ الصبر ليعرفوا مَن الصادق ومن الكاذب، واجتهد فرعون في جمع السحرة من كل البلدان، وقد اختار أمهرهم حتى يتأكد من انتصاره على سحر موسى حسب زعمه، وقد أغراهم بالذهب وأدناهم من مجلسه إن هم انتصروا على موسى، وكان عددهم كبيراً جداً، فأكدوا له بأن الإنتصار سوف يكون حليفه حيث لا يمكن لساحرٍ في العالَم أن ينتصر عليهم فوافق على جميع طلباتهم ووعدهم بتنفيذ شروطهم(فَلَمَّا جَاء السَّحَرَةُ قَالُوا لِفِرْعَوْنَ أَئِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِن كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ * قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ إِذًا لَّمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) وفي سورة الشعراء(قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ * يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَحَّارٍ عَلِيمٍ * فَجُمِعَ السَّحَرَةُ لِمِيقَاتِ يَوْمٍ مَّعْلُومٍ * وَقِيلَ لِلنَّاسِ هَلْ أَنتُم مُّجْتَمِعُونَ* لَعَلَّنَا نَتَّبِعُ السَّحَرَةَ إِن كَانُوا هُمُ الْغَالِبِينَ)
ترقّب الناس ذلك اليوم ليتبعوا المنتصر، وهذا عين النفاق الذي استعمله المنافقون في زمن خاتم الأنبياء محمد(ص) وهي حالة منتشرة بين جميع الناس وفي كل العصور.
وجاء الموعد المحدد فاجتمع الناس في ساحة كبيرة ووقف موسى وأخوه في ناحية، وعشرات السحرة في ناحية أخرى ثم سألهم أيبدأ أم يبدأون، فطلبوا أن يكونوا هم أول من يبدأ حتى يسحروا الناس فيخاف موسى ويقر بالهزيمة حسب ظنهم، فوافق على طلبهم وألقوا حبالاً وعِصياً كانت بحوزتهم فسحروا بها أعين الناس حيث خُيّل لهم بأنها أفاعٍ تسعى(فَأَلْقَوْا حِبَالَهُمْ وَعِصِيَّهُمْ وَقَالُوا بِعِزَّةِ فِرْعَوْنَ إِنَّا لَنَحْنُ الْغَالِبُونَ) وفي سورة طه(قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِن سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى)
وفي تلك اللحظة وبسبب انتشار الذعر بين الناس شعر فرعون والسحرة بنشوة النصر الذي لم يكن حليفهم يومها، فأوحى الله سبحانه إلى كليمه موسى أن يلقي عصاه فألقاها فتحولت بقدرة الله تعالى إلى حية كبيرة أكلت عصي السحرة وحبالهم وأنهت تلك المهزلة.
وعندما رأى السحرة ذلك أيقنوا بأنه ليس سحراً بل هو معجزة خارقة لقوانين الطبيعة، فلو كان سحراً ثم زال لاسترجعوا حبالهم وعصيّهم، ولكنه عندما عادت الحية عصاً كما كانت فلم يكن هناك أثرٌ لأدوات سحرهم، وعندها خرّ السحرة ساجدين لله مقرين بالإيمان(فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سُجَّدًا قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ هَارُونَ وَمُوسَى)
وعندما رأى فرعون صنيع السحرة شعر بخيبة الأمل بعد أن كان ظاناً بالنصر، وقد خاف أن يعلن الناس إيمانهم بموسى في تلك اللحظات المؤثرة فراح يستعمل جبروته مجدَّداً فتوعّد السحرة بالذبح بعد التعذيب لهم ولنسائهم وأطفالهم(قَالَ آمَنتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُم مِّنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى)
وهناك سجّل السحرة موقفاً تغنَّى به التاريخ حيث واجهوا فرعون بكل بسالة(قَالُوا لَن نُّؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا * إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى)
ثم تمادى في غيّه ونفّذ جميع تهديداته ولم يتراجع السحرة عن إيمانهم لأن الحق واضح لا يشك به إلا المعاند.
والفرق بين المعجزة والسحر هو أنّ المعجزة أمرٌ خارقٌ لقوانين ونواميس الطبيعة، أما السحر فإنه مجرد وهمٍ وخداع بمعنى لو دنا أحدهم من حبال السحرة التي رأوها ثعابين وأخذها بيده لما لسعته لأنها في الواقع ليس ثعباناً، بل مجرد خيال، أما لو دنا من الحيّة التي خلقها الله سبحانه بلحظة لابتلعته.

قِصةُ السامِريّ صَانِع العَجلِ الذَهَبِي

 

(فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ)
منذ بداية الحياة على الأرض بدأ الصراع بين الحق والباطل، وتماشى الطريقان مع كل جيل حتى شهدت البشرية أنواعاً وألوانا من الكفر وأهله، ومع وجود الأهواء والمطامع التي يدعمها إبليس أصبح فعلُ الشر متاحاً لمن يرغب من ذوي النفوس المريضة.
وكان من نِعَم الله على الناس أنه أرسل إليهم الأنبياء مبشرين ومنذرين وداعين إلى الحق بأمره وإذنه، ولولا ذلك لامتلأت الأرض بالكفر المطبق ولم يبق للخير أي مكان.
وعلى الجميع أن يوقنوا بأنّ قوى الخير في الإنسان أقوى من قوى الشر، والإنسان بغرائزه وشهواته هو الذي يُضعف نفسه التي كان بإمكانها التغلّب على الوسوسات الشيطانية بكل سهولة بما آتاها الله من عقل وعلمٍ وبصيرة.
ومن جملة نماذج رموز الكفر وعناوين الضلال الذين كانوا حطباً لنار الوثنية(حيث أحرقوا أنفسهم في سبيل إثباتها وتغلّبها على دعوة الأنبياء إلى التوحيد) شخصٌ حاقد على نور النبوّة، عاش في زمن نبي الله موسى(ع) وكان يعمل نحّاتاً يصنع التماثيل للوثنيين، وكان فنُّه محبوباً لديهم إذ أتقن صنعها بدقة متناهية وأعطاها العديد من الأشكال والصور الملفتة للنظر، وكان يُدعى السامريّ الذي ذكر القرآن اسمه أكثر من مرة.
فبعد أن أهلك الله فرعون وجنوده وسار موسى وبنوا إسرائيل في الطريق التي شقّها الله لهم في البحر كان السامريّ برفقتهم، وبقي معهم حتى وصلوا إلى مكانٍ أمرهم كليم الله بالتخييم فيه حيث أراد أن يصعد إلى الجبل لميقات ربه فصعد الجبل وخلّف أخاه نبي الله هارون(ع) فيهم يرعى لهم شؤونهم في غيبته.
لقد صعد موسى إلى الجبل حتى يرجع إلى بني إسرائيل بخير الدنيا والآخرة، بتعاليم التوراة التي أنزلها الله تعالى ألواحاً إليهم، ولكنهم ما عملوا بها ولا استجابوا لله ورسوله.
ولم يكن هارون كموسى في تعامله مع بني إسرائيل، فهم يخشون موسى ولا يخافون هاروناً ولا يأتمرون بأوامره، وبعبارة أخرى كانوا يستضعفونه لأسباب نفسية لا تخفى على أي عاقل مطّلع.
وفي تلك الأثناء استغلّ السامري فرصة غياب موسى ونفسية بني إسرائيل المتزلزلة لعلمه بميولهم إلى الإنحراف بكذبة واحدة، فقد عاش بينهم فترة طويلة وهو يعرف الكثير عنهم ويُدرك سهولة انحرافهم عن الحق بأكذوبة واحدة، وهو واحد من الذين رأوا المعجزات وكذّبوها، بل إنه رأى الخيل الذي حمل جبرائيل وهم يسيرون وسط الماء وأخذ قبضة من أثر أقدام خيله ومزج بها المادة التي صنع منها العجل المشؤوم.
فصنع لهم عجلاً من الذهب الخالص له فتحتان، واحدة في مقدمته وأخرى في مؤخرته، ووضعه في مكان بعكس الهواء، فكان الهواء يدخل من مقدمته ويخرج من مؤخرته أو العكس، وكان يُصدر صوتاً عالياً يشبه صوت العجل بفعل الهواء، فأُعجب بنوا إسرائيل بهذا العمل الفني المميز، وعندما رأى السامري دهشة بني إسرائيل وإعجابهم بعجله المصنوع من الذهب خطرت له فكرة جهنمية، فلقد وسوس الشيطان في قلب السامري فادعى بأنّ هذا العجل هو إلههم وإله هارون موسى، وهو يتكلم معهم بهذا الصوت، فانكبوا على عبادته وراحوا يقدمون له القرابين ويأخذها السامري.
وقد حصلت هذه الحادثة بعد رؤية بني إسرائيل للعديد من المعجزات التي من شأنها أن تلين الصخر، ولكنّ قلوبهم أقسى من الصخر الأصم لأنهم ميّالون للشر دائماً.
(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)
استغلّ السامري بُعد موسى عن بني إسرائيل الجهلة عندما تركهم وصعد إلى الجبل ليأتيهم بالتوراة، فصنع العجل الذي ذكرناه، وعكف بنوا إسرائيل على عبادته من دون الله عز وجل، فحذّرهم نبي الله هارون من الكفر، فهددوه بالقتل، وأنكروا كل المعجزات التي رأوها بأم أعينهم وما حصل لفرعون يوم شَقِّ البحر، والجراد والقمّل والدم وغير ذلك من المعجزات الكبرى.
وادعى السامري بأنه صنع العجل من التراب الذي داس عليه المَلَك جبريل، وكان ذلك مبالغة منه في الكفر، فبدل أن يستعمل تلك القبضة فيما ينفع الناس راح يستعملها فيما يزيدهم كفراً، ولهذا استحق العذاب في الدنيا قبل الآخرة.
لقد غاب موسى عنهم أربعين يوماً، وكان غيابه امتحاناً لبني إسرائيل من الله سبحانه حيث كان المقرر أن يغيب عنهم ثلاثين ليلة فأتمها الله إلى الأربعين، وكان لهذا التأخير أثرُ سلبي على نفوسهم حيث أشاعوا بين بعضهم البعض بأنّ موسى هرب وتركهم تائهين مشردين، والدليل أنه لم يرجع في الوقت المحدد، وحينها أعلنوا الحرب على التوحيد ولم يسمعوا لنبي الله هارون وعبدوا العجل بكل وقاحة، فامتحنهم ربهم ولم ينجحوا لا في هذا الإمتحان ولا في غيره.
وبينما هم غارقون في عبادة الوَثَن مطمئنون بأنّ موسى لن يرجع إليهم وإذ بهم يرونه قادماً من جهة الجبل يحمل في يديه ألواحاً، فعندما نظر إليهم وهم يعبدون هذا التمثال غضب بشدة وأمسك بلحية أخيه هارون يؤنبه كيف سمح لهم أن يعبدوا هذا الوثن، فأخبره هارون بأنه حاول منعهم ولكنهم استضعفوه وهددوه بالقتل، وقد خشي من إحداث الفرقة إن حاول منعهم بالقوة(قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا * أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي * قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَن تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي)
ولما هدأ روعه توجّه نحو السامري الذي كاد يقع على الأرض من شدة خوفه، ودار بينهما حوار قاس وشديد اللهجة، وقد حاول السامري أن يكذب ويخدع بني إسرائيل حتى مع وجود موسى ولكنّ محاولته باءت بالفشل حيث حكم موسى عليه وعلى العجل بحكمٍ يتناسب مع تلك الجريمة.
أما حكمه على العجل فتحطيمه وحرقُه وإلقاؤه في البحر بعيداً بهدف إذلال هذا الوثن الذي ظنّ بنوا إسرائيل لوهلة أنه إلههم حقاً.
وأما حكمه على السامري فكان أشد من الموت بالنسبة لهذا الضال، فقد منع الجميع بالتكلم معه أو النظر إليه فجلس وحيداً بقية حياته كئيباً تقتله الوحدة والوحشة، وبقي في منفاه إلى ما شاء الله، ولكن مع الأسف لم تمت تلك العقيدة الفاسدة التي زرعها في نفوس ضعفاء العقول من البشر، وقد استمرت عبادة العجل فترة طويلة وربما ما زالت قائمة حتى يومنا الحاضر.
(قَالَ فَمَا خَطْبُكَ يَا سَامِرِيُّ * قَالَ بَصُرْتُ بِمَا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِّنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهَا وَكَذَلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي * قَالَ فَاذْهَبْ فَإِنَّ لَكَ فِي الْحَيَاةِ أَن تَقُولَ لَا مِسَاسَ وَإِنَّ لَكَ مَوْعِدًا لَّنْ تُخْلَفَهُ وَانظُرْ إِلَى إِلَهِكَ الَّذِي ظَلْتَ عَلَيْهِ عَاكِفًا لَّنُحَرِّقَنَّهُ ثُمَّ لَنَنسِفَنَّهُ فِي الْيَمِّ نَسْفًا * إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا)

قِصةُ موسى مع الخِضْر

 

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا)
في حياة كليم الله موسى(ع) يوجد العديد من القصص النافعة للبشر عبر الزمن، ولعلها من أطول قصص القرآن الكريم حيث ذُكر كليم الله في القرآن عشرات المرات نظراً لأهمية ما جرى له ومعه، ولأهمية معرفة تفاصيل تلك الأحداث التي تصلُح أن تكون دروساً للناس في أي زمان.
والأهم من معرفتها هو العمل بها لأن مجرد المعرفة اللازمة لا تنفع إلا بشكل محدود، أما تطبيق تلك المعارف على الحياة فهو الأنفع للمرء في دنياه وآخرته.
وسوف نختار من تلك القصص واحدةً لعلها كانت الأهم في حياته(ع)، وهي عبارة عن حادثةٍ تحمل لنا الكثيرَ من الدروس المفيدة والروحانية العالية.
يذكر المفسِّرون والمؤرِّخون بأنّ كليم الله موسى(ع) ظنّ في نفسه يوماً أنه أعلمُ الخَلق على الإطلاق لأنه واحدٌ من أنبياء العَزْم سلام الله عليهم، ولا أريد أن أتعمق أكثر لمعرفة ما إذا سأله أحد عن ذلك فأجابه أم كان مجرد حديث نفْس، فأوحى الله إليه بوجود شخص هو أعلمُ منه يسكن عند مجمع البحرين، وقد أمره ربُّه بالذهاب إليه، فقرر موسى من حينها الذهاب للقائه حباً بكسب العلم وملاقاة العباد الصالحين والتزاماً بأمر الله تعالى رغم تلك المشقة التي حملتْها تلك الرحلة العلمية التي لو استمرت أكثر لاستفدنا منها أكثر، فقد استفدنا منها ثلاثة دروس أساسية يمكن أن يتفرع عنها العديد من الدروس الأخرى.
وقد اختلفوا في تحديد المنطقة التي كان يقطنها الخضر والتي أطلق عليها القرآن اسم(مجمع البحرين) وهناك آراء كثيرة حول تحديد الموقع، ومع وجود هذا الإختلاف الكبير أرى من الأفضل أن نجتازها ونواصل الحديث عن القصة التي حدثت معهما.
وقيل إنّ الخضر نبيٌّ، وقيل هو عبدٌ صالح، وليس هناك ما يدل على نبوّته، ولكنهم اتفقوا على أنه من الصالحين، وليست العبرة هنا في كونه نبياً أو مجرد عبد صالح، وإنما العبرة في كونه يعلم ما لم يعلمه نبي الله موسى(ع) وهي النقطة المبحوث عنها هنا.
حضّر موسى نفسه وطلب من يوشَع بن نون أن يرافقه، وهو المراد بالفتى في الآية الكريمة، وقد أوحي إلى موسى(ع) أن يحمل معه سمكة ليأكلها هو وفتاه عندما يجوعان في سفرهما.
ولكن الحقيقة أن تلك السمكة لم تكن للأكل، وإنما كانت لغرضٍ آخر سوف نعرفه عما قليل.
وانطلقا في رحلة طلب العلم، وهي من أجمل الرحلات لدى كل مُحبٍ للعلم، وسارا طويلاً حتى وصلا إلى مجمع البحرين فشعرا بالتعب فناما ليستريحا من عناء السفر، ثم استيقظا وتابعا مسيرهما حتى شعرا بالجوع فطلب موسى من فتاه أن يهيئ السمكة للأكل حيث أخذ الجوع منهما مأخذه(فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءنَا لَقَدْ لَقِينَا مِن سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا)
وهنا أخبر يوشع بن نون كليم الله بأنه فقد السمكة عند تلك الصخرة التي ناما بالقرب منها وقد أنساه الشيطان هذا الحدَث الجَلَل(قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا) والعجيب في الأمر هو أن الله سبحانه قد أحيا تلك السمكة بعد موتها، وقيل إنها كانت مشوية وجاهزة للأكل، فطلب موسى منه أن يرجعا إلى ذلك المكان لأنه المكان المنشود، وكان إحياء السمكة وقفزها في الماء علامة على وصولهما إلى المكان المحدد فرجعا إلى مكان الصخرة(قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا)
وهنا أخبر كليم الله فتاه بأنّ هذا ما كان ينشده وينتظره، هيا لنرجع بسرعة حتى نلقى العبد الصالح ونتعلم منه ما لم نعلم(لسان الحال)
لقد رأى يوشع بن نون كيف أحيا الله الحوت وكيف قفز في الماء ولكنه لم يُخبر موسى بالأمر بعد أن أنساه الشيطان تلك المعجزة التي لا يمكن أن تُنسى، ولا شك بأنّ كل ما حصل في تلك الرحلة من قولٍ أو فعلٍ كان فيه حكمة من الله سبحانه.
رجع موسى وفتاه إلى المكان الذي أحيا الله فيه الحوت، وكانت حياته علامةً على المكان المنشود، فوجدا العبد الصالح جالساً بالقرب من تلك الصخرة ينتظر قدومهما(فَوَجَدَا عَبْدًا مِّنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِندِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِن لَّدُنَّا عِلْمًا) فسلّم عليه موسى بإعجاب واحترام، وهنا عقدا مع بعضهما صفقة علمية حيث طلب منه موسى أن يرافقه ليتعلّم منه ما لم يعلمه(قَالَ لَهُ مُوسَى هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَن تُعَلِّمَنِ مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا) فوافق الخضر على طلب موسى واشترط عليه أن لا يسأله عن أي شيء قبل أن يخبره هو عن السبب(قَالَ فَإِنِ اتَّبَعْتَنِي فَلَا تَسْأَلْنِي عَن شَيْءٍ حَتَّى أُحْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْرًا) فوافق موسى(ع) على الشرط(قَالَ سَتَجِدُنِي إِن شَاء اللَّهُ صَابِرًا وَلَا أَعْصِي لَكَ أَمْرًا) وانطلقا في تلك الرحلة العجيبة.
كان لتلك الرحلة مبدأ وهو تلك المنطقة المعبّر عنها بمجمع البحرين، ولكن لم يذكر المؤرخون بأنه كان لتلك الرحلة نهاية، فلم يسأله موسى عن الوجهة، ولم يصرّح الخضر لموسى عن ذلك، فمشي خلفه فقط وكلُّه ثقةٌ بأنه سوف يتعلّم ما لم يتعلمه في حياته.
ذهبا إلى ميناء قريبة من تلك المنطقة وطلب الخضر من ربّان السفينة أن يأذن لهما بالركوب فوافق على ذلك وركبا في تلك السفينة التي أعدّت لنقل البضائع والركّاب، وكانت سفينة عادية لأناس فقراء يعتاشون من نقل البضائع بها.
لقي الخضر وموسى من طاقم تلك السفينة كلّ ترحاب إذ لعلهم كانوا يعرفون الخضر حق المعرفة وأنه صاحب علم غزير وكرامات عديدة(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا رَكِبَا فِي السَّفِينَةِ خَرَقَهَا قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا)
ففي وسط البحر وأثناء توجّه السفينة إلى بعض الموانئ أخذ الخضر فأساً وخرق قعر السفينة فراح الماء يتسرب إليها، فتعجّب أصحاب السفينة من فعل الخضر، كيف يؤذيهم وهم عاملوه بالحسنى، ولماذ أحدث هذا الخرق في السفينة، هل أصيب بالجنون؟ أم يوجد وراء فعلته سبب آخر؟
ومن الذين تفاجأوا واستنكروا هذا الفعل الذي كان في الظاهر شنيعاً كليم الله موسى(ع) الذي توجّه بالكلام للخضر قائلاً له: أتريد أن تغرق أهل هذه السفينة: لماذا؟ ماذا فعلوا لك حتى تبادلهم بهذا العمل.
هناك نسي موسى وعده للخضر بعدم سؤاله عن شيء، ولكن بسبب فظاعة الأمر الذي قام به الخضر انطلقت الكلمات من موسى بشكلٍ عفوي واستهجاني واستنكاري.
وكانت تلك أول مخالفة لوعده، وقد ذكّره الخضر بوعده، فوعده مجدداً بأنه لن يسأله عن شيء، ولكنه(ع) بقي متفاجئاً من موضوع خرق السفينة التي توجهت إلى أقرب ميناء على الساحل خشية الغرق في عَرض البحر.
وكان الخضر قد أخبر كليم الله بالنتيجة منذ البداية بأنه لن يستطيع الصبر على ما سوف يرى منه(قَالَ أَلَمْ أَقُلْ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِيَ صَبْرًا * قَالَ لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيتُ وَلَا تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي عُسْرًا) اعتذر منه ووعده بأن لا يسأله عن شيء مرة أخرى.
(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلَامًا فَقَتَلَهُ قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَّقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُّكْرًا)
بعد أن وصلت تلك السفينة التي خرقها الخضر إلى ميناء كانت قريبةً منها ترك الخضر وموسى تلك السفينة وأهلها وراحا يسيران على اليابسة،(ولنا عودة إلى موضوع السفينة) وبعد سيرٍ دام فترة لا بأس بها وصلا إلى مكانٍ فيه أولاد يلعبون، فاختار الخضر واحداً من الأولاد فقتله، وهنا قامت قيامة موسى(ع) معترضاً على فعل الخضر، فقد يكون خرق السفينة أمراً هيناً، أما قتلُ ولد لا حول له ولا قوة فهذه جريمة لا يمكن السكوت عنها، وهذا ما يعترض عليه كل عاقل لأنّ الولد لم يفعل ما يجعله مستحقاً للقتل، ولكنّ الله سبحانه يفعل في خلقه ما يشاء ولا يُسئل عن أفعاله.
وبالفعل كان أمراً عظيماً ومحيراً للعقول، فلو حدث مثل هذا الأمر أمام أي إنسان منا فسوف يظن بالفاعل سوءاً، وهذا ما ظنّه من قبلُ نبي الله موسى(ع) ولم يكن مخطئاً حين اعترض على قتل الولد، بل كان يريد معرفة السبب فقط، وهذا ما كُشف واضحاً له واستسلم لواقع الأمر عندما عرف السبب من الخضر بعد انتهاء تلك الرحلة.
ثم أعاد الخضر تذكير موسى بوعده(قَالَ أَلَمْ أَقُل لَّكَ إِنَّكَ لَن تَسْتَطِيعَ مَعِي صَبْرًا) فلقد وعد موسى الخضر بأن لا يعترض عليه في شيء، وهذه المرة الثانية في الرحلة التي يعترض فيها موسى على أفعال العبد الصالح.
ثم اعتذر موسى لسؤاله الخضر عن فعله، ووعده مرة أخرى بعدم سؤاله عن شيء على أن يسمح له بمتابعة الرحلة معه(قَالَ إِن سَأَلْتُكَ عَن شَيْءٍ بَعْدَهَا فَلَا تُصَاحِبْنِي قَدْ بَلَغْتَ مِن لَّدُنِّي عُذْرًا)
فقَبِل الخضر عذر موسى وأعطاه الفرصة الأخيرة وإلا فلن يستمر معه بعد هذا العذر إن هو سأله عن شيء.
وانطلقا مجدداً فوصلا إلى قرية جميع أهلها بخلاء، وقد كانا جائعَين جداً فطلبا الطعام من أهل تلك القرية فلم يطعمهما أحد، وقد أغلقوا أبواب بيوتهم في وجهيهما بعد أن أسمعوهما أفظع عبارات الزجر والرفض، فذهبا إلى بيت قديم كان في أطراف تلك القرية وجلسا تحت جدار يكاد يسقط على الأرض فراح الخضر يُصلح هذا الجدار ويقيمه كيلا يسقط، فاعترض عليه موسى(ع) كيف تصنع معهم هذا المعروف وقد امتنعوا عن إطعامنا، إنهم قومٌ لا يستحقون أية خدمة، ولا يمكن أن نشجعهم على بخلهم، يمكن لنا أن نأخذ أجراً على إصلاحه ونشتري الطعام، وهنا طفح الكيل عند الخضر وقرر أن يفترق عن موسى، ولعل الآتي كان أعظم لو تابعا رحلتهما والله أعلم، وموسى الذي لم يستطع الصبر على ما رأى فلن يستطيع الصبر على ما سوف يكون(فَانطَلَقَا حَتَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ اسْتَطْعَمَا أَهْلَهَا فَأَبَوْا أَن يُضَيِّفُوهُمَا فَوَجَدَا فِيهَا جِدَارًا يُرِيدُ أَنْ يَنقَضَّ فَأَقَامَهُ قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا* قَالَ هَذَا فِرَاقُ بَيْنِي وَبَيْنِكَ سَأُنَبِّئُكَ بِتَأْوِيلِ مَا لَمْ تَسْتَطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)
وجاء الوقت المناسب ليكشف الخضر عن تلك الأسرار التي لم يكن كليم الله يعلمها ولا غيره إلا الخضر الذي منَّ عليه ربّه بنعمة العِلم، وراح الخضر يشرح لموسى مما علّمه ربه وأعطاه من النِّعم التي لا تُقدّر.
(أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ فَأَرَدتُّ أَنْ أَعِيبَهَا وَكَانَ وَرَاءهُم مَّلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا)
أما السفينة التي خرقها الخضر فكان أصحابها من المساكين وكانوا يعتاشون من جَنيها ولم يكن لهم مصدر رزق آخر، وقد أحدث الخضر فيها هذا العيب لأنها سوف تصل إلى ميناء حاكمُها يحب السفن الجميلة والمتينة والخالية من العيوب، ويأخذها من أصحابها عُنوةً وغصباً، فأراد الله سبحانه أن تبقى هذه السفينة لهؤلاء المساكين فألهم عبدَه الخضر أن يفعل بها ما فعل، وبالفعل عندما رآها الملِك الظالم أمر بإرجاعها إلى أصحابها لأنَّ مثل هذه السفينة لا تليق بمقام أسطوله، وهذا معنى القول الشهير الذي يتداوله الناس فيما بينهم(الله مسبِّبُ الأسباب)
(وَأَمَّا الْغُلَامُ فَكَانَ أَبَوَاهُ مُؤْمِنَيْنِ فَخَشِينَا أَن يُرْهِقَهُمَا طُغْيَانًا وَكُفْرًا * فَأَرَدْنَا أَن يُبْدِلَهُمَا رَبُّهُمَا خَيْرًا مِّنْهُ زَكَاةً وَأَقْرَبَ رُحْمًا)
وهذا من الأمور الغيبية التي أطلع الله عليه الخضر، والله يعلم بأنّ هذا الغلام عندما يصبح شاباً قوياً سوف يُتعب أبويه ويرغمهما على الكفر، وهما مؤمنان بالله وصالحان، فأراد الله أن يرحمهما ويخفف عنهما العناء والمشقة فأراحهما من شر هذا الغلام وأبدلهما بولدٍ بارٍ عاملهما بالحسنى حتى فارقا الحياة.
(وَأَمَّا الْجِدَارُ فَكَانَ لِغُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ تَحْتَهُ كَنزٌ لَّهُمَا وَكَانَ أَبُوهُمَا صَالِحًا فَأَرَادَ رَبُّكَ أَنْ يَبْلُغَا أَشُدَّهُمَا وَيَسْتَخْرِجَا كَنزَهُمَا رَحْمَةً مِّن رَّبِّكَ وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي ذَلِكَ تَأْوِيلُ مَا لَمْ تَسْطِع عَّلَيْهِ صَبْرًا)
لم يكن هذان الولدان يعلمان بأمر الكنز، ولم تصرّح الآية بأنّ أباهما المؤمن هو الذي دفن الكنز أم أنه كان موجوداً ولم يكن أبوهما يعرف عنه شيئاً، ولكن يُفهم من السياق ومن بعض الأخبار الواردة في هذا الشأن بأنّ أباهما هو الذي دفن الكنز حتى يستخرجاه عندما يكبران ويحسنان التصرف بهذا المال، ولعل أباهما قد أُلهم بأنّ ولديه سوف يعثران على هذا الكنز فدفنه تحت ذلك الجدار الذي لو لم يصلحه الخضر لوقع وكُشف الكنز وذهب هباءاً.
هذا ما لم يكن يعرفه كليم الله، ولهذا سافر وقطع المسافات الطويلة وتحمّل المشقة في سبيل معرفته وقد علِم ما لم يكن يعلَم، ورجع بعد ذلك إلى قومه مسروراً بعد معرفة تلك التعاليم الإلهية التي لم يأتنا الله منها سوى القليل.

قِصةُ مُؤْمِنِ آلِ فِرْعَون

 

في كثير من المواضع يذكر القرآن الكريم العديد من الأحداث دون أن يتعرّض لذكر الأسماء، ولا شك أنه يوجد في هذا التكتم فائدة ومصلحة، ولربما كانت الموعظة مع عدم ذكر الإسم أبلغ في بعض الأحيان، وربما كان إخفاء الإيمان ذا فائدة أكبر على المصلحة الإيمانية كما فعل أبو طالب رضوان الله عليه عندما كتم إيمانه عن قريش حتى يحمي بذلك الرسول والرسالة في آن واحد.
وفي بداية القصة الخاصة بهذا المؤمن قال سبحانه(وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلًا أَن يَقُولَ رَبِّيَ اللَّهُ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَيِّنَاتِ مِن رَّبِّكُمْ)
هو رجلٌ آمن بدعوة موسى(ع) كما آمنت آسية بنت مزاحم زوجة فرعون، وشاءت حكمة الله أن تجهر آسية بإيمانها لوجود مصلحة في ذلك للدين، وأن يبقى إيمان هذا الرجل مكتوماً لنفس السبب، وقيل هو ابن عم فرعون وولي عهده، والقَدَر المتيقَّن هو أنَّ هذا الرجل كان ذا شأن رفيع عند فرعون وكان فرعون يستشيره في العديد من الأمور ويأخذ برأيه، ولعله استمع إلى كلام موسى وهارون عندما جاءا إلى قصر فرعون، ورأى المعجزات، ولكنّ أثر كلام موسى على قلب هذا الرجل كان أعظم من أثر تلك المعجزات الخارقات لقوانين الطبيعة.
فبعد أن دعا كليم الله موسى فرعون إلى الإيمان بالله تعالى وأجرى له العديد من المعجزات، أيقن فرعون في نفسه بأنّ موسى على حق ولكنه أنكر وجحد تكبُراً وعتواً وخوفاً على كرسيّ العرش، فأراد أن يقضي على دعوة الحق قبل أن تنتشر بين الناس ويعرفوا الحقيقة التي أخفاها عنهم فرعون لعقود من الزمن، لذا قرّر أن يقتل موسى دون أن يفكّر في عواقب تلك الجريمة.
موسى(ع) لم يخطئ في أية كلمة ولم يكن أسلوبه فظاً حيث أمره الله تعالى أن يستعمل اللين في دعوة فرعون إلى الإيمان(اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)
وبعد أن سمع فرعون إلى كلام موسى قرّر أن يتخلص منه قبل أن تخرج كلماته من قاعة القصر لأنه كان يدرك بأنّ الناس إذا عرفوا بجوهر تلك الكلمات فسوف يؤمنون برب موسى ويتخلون عن عبادته حيث كانوا يعتقدون بأنه إلههم، وهناك تدخّلت الإرادة الإلهية لحمايته عبر شخص مؤمن كان مقرّباً من فرعون وذا رأي سديد عنده حيث وقف في وجه تلك المجزرة ومنعها بحكمته مع حفاظه على إخفاء إيمانه، وبما أنّ رأيه كان مسموعاً في قصر فرعون فقد استطاع أن يصرف عن ذهنه فكرة التخلص من موسى والتي لن تكون لمصلحته لأنه سوف يقول الناس قتل فرعون موسى لأن موسى على حق.
وهناك راجع فرعون حساباته فعلم بأن الحق كما يقول هذا الحكيم، لا فائدة من قتل موسى لأنه لم يسئ لا بالقول ولا بالفعل فأمره بالخروج من قصره.
(وَإِن يَكُ كَاذِبًا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ وَإِن يَكُ صَادِقًا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ) إذا كان موسى يكذب(والعياذ بالله) فلن يضركم في شيء بل هو الذي يتحمل تبعات كذبه، أما إذا كان صادقاً فاسمعوا له فلعله أصابكم خيرٌ من صدقه.
وهناك بدأ هذا المؤمن يُظهر الحقيقة لآل فرعون بالتدريج كيلا يشكوا في أمره، وقد أعان موسى على دعوته بطريقة ذكية حيث راح يدعو فرعون وقومه إلى الإيمان برب موسى بطريقة سلسلة تُبعد الشك عنه، وقد حكى لنا القرآن الكريم شيئاً من دعم هذا المؤمن للرسول والرسالة حيث قال تعالى(وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُم مِّثْلَ يَوْمِ الْأَحْزَابِ * مِثْلَ دَأْبِ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِن بَعْدِهِمْ وَمَا اللَّهُ يُرِيدُ ظُلْمًا لِّلْعِبَادِ * وَيَا قَوْمِ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ يَوْمَ التَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ مَا لَكُم مِّنَ اللَّهِ مِنْ عَاصِمٍ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ)
لعله هنا راح يجهر بالإيمان شيئاً فشيئاً، ولعل الله تعالى ربط على قلبه خوفاً عليه من ظلم فرعون، وفي ذات الوقت فإن الله تعالى أبعد الشك عن قلب فرعون في هذا الرجل المؤمن حتى يحفظه من الشر.
يجب على المؤمن أن يتمتع بالحكمة والهدوء ليوصل الرسالة إلى المجتمع كما أوصلها هذا المؤمن الذي جعله الله درساً للبشرية.

قِصةُ البَقَرَةِ الصَّفْرَاء

 

(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
إذا ذُكر اليهود في مكانٍ ذُكر معهم الشرُّ المطلق والكذب والإجرام والمراوغة والمماطلة وكلُّ صفة رذيلة، هذا ما عهدناه عنهم عبر تاريخهم الأسود.
ويكفينا بياناً لنفوسهم المريضة ما قيل في حقهم عبر القرآن الكريم الذي بالغ في ذمّهم نتيجة لسلوكهم المنحرف(أُوْلَئِكَ شَرٌّ مَّكَاناً وَأَضَلُّ عَن سَوَاء السَّبِيلِ)
فرغم المعجزات التي رأوها بأم أعينهم، ورغم العقوبات التي أنزلها الله عليهم، بل رغم الكرامات التي كرّمهم بها وفضّلهم عن باقي الناس، لم يتغيروا ولن يتغيروا، وهي نعمةٌ سوف يسألهم الله عنها في يوم الحساب(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ)
ولعل نبي الله موسى(ع) هو أكثر الأنبياء معاشرةً لهم حيث نشأ بينهم ومات عندهم بعد أن رأى منهم ما يكسر القلب ويحط من العزائم.
ما رأيك بقومٍ شقّ الله لهم البحر نصفين، وأنزل عليهم المنّ والسلوى، واقتلع لهم الجبل العظيم، وأحياهم بعد موتهم، وأنقذهم من شر فرعون وجنوده الذين لم يكن الخلاص منهم بالأمر السهل، وبقيَتْ نفوسهم مريضة وعقيدتهم متزلزلة.
وإليكم هذه القصة التي تكشف لنا عن نواياهم تجاه أنبيائهم، وعن كيفية مراوغتهم مع أصحاب الرسالات السماوية.
فذات يومٍ قُتل أحد رجال بني إسرائيل الأغنياء، وكادت تحصل مجزرة بينهم بسبب قتله في ظروف غامضة وعدم وجود ما يدل على المفتعل، فراحوا يلقون بالإتهامات على بعضهم يميناً وشمالاً، حيث كان المهم عندهم إلصاق التهمة بأحدهم حتى يثأروا للقتيل ويصنعوا فتنة فيما بينهم، وأصبح حالهم كفوّهة بركان سوف تنفجر بين لحظة ولحظة إذا لم يظهر مُفتعل هذه الجريمة.
لجؤوا إلى كليم الله موسى كالعادة حتى يُنقذهم من هذا المأزق الخطير، فكانوا لا يتواصلون معه إلا لطلب الحاجة الذاتية، فأوحى الله إليه أن يأمرهم بذبح بقرة(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ)
ظنوا(بسبب سوء ظنهم) أنّ موسى يستهزئ بهم أو يسخر منهم، ما علاقة ذبح البقرة بمعرفة الجاني؟ ورغم المعجزات التي أجراها لهم بقي ظنهم فيه سيئاً، فاستعاذ بالله تعالى أن يكون من الجاهلين، وقد نصحهم بذبحها دون تردد لأنه كان يعلم عواقب الأمر إن هم امتنعوا عن ذبحها أو ماطلوا في بيان أوصافها.
تركوه ورجعوا إلى القبيلة ليتشاوروا فيما بينهم وهم يتساءلون عن السر وراء ذبح البقرة، أليس رب موسى قادراً على إحيائه دون أن نذبح بقرة، ولعلهم امتنعوا عن شراء بقرة بسبب بخلهم.
ولأنهم قومٌ مراوغون راحوا يطرحون الأسئلة على نبيّهم لشكهم في كلامه، ولو أنهم امتثلوا لأمر الله تعالى لأجزأهم أية بقرة يذبحونها، ولكنهم شدّدوا فشدّد الله عليهم.
جاؤوا إلى موسى مرة أخرى وسألوه عن ماهية تلك البقرة خوفاً من أن يذبحوا بقرة ولا تكون هي المطلوبة، أو مراوغةً منهم علهم يقنعون موسى بإحياء الميت دون أن يتكلّفوا شيئاً.
(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ)
واللافت في الأمر هو أنّ بني إسرائيل كانوا يستعملون دائماً كلمة(ربك) وكأن ربهم غير رب موسى، وهذا نوعٌ من إساءة الأدب.
فأخبرهم ببعض المواصفات وطلب منهم أن ينفّذوا الأمر دون مراوغة، يجب أن تكون متوسطة العمر فلا كبيرة مسنة ولا صغيرة، بل بين العمرين.
رجعوا مرة أخرى للتشاور فيما طُلب منهم، ولم يقفوا عند هذا الحد من الثرثرة التي لا تجدي نفعاً، فلم يكتفوا بما قاله موسى في المرة الثانية فذهبوا إليه مرة ثالثة وسألوه في هذه المرة عن لونها، وبجوابه لهم كانت الكارثة عليهم(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ)
وهنا اشتد الضيق عليهم أكثر حيث لا يوجد في محيطهم كله بقرة صفراء، ويا ليتهم وقفوا عند اللون لكان الأمر أهون عليهم، بل زادوا في لجاجهم وطلبوا من موسى أن يوضح لهم أكثر(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاء اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) وقد عاهدوه أن لا يطرحوا عليه مزيداً من الأسئلة(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلاَ تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ)
يجب أن تكون البقرة مسلّمة من أي عيب، ولا شية فيها، أي لا يوجد فيها غير اللون الأصفر ولو بمقدار قليل، وأن لا تكون من النوع المذلّل لحرث الأرض وسقيها.
ولكن يا تُرى.. أين يجدون مثل هذه البقرة الصفراء التي لا لون آخر فيها، وهنا رمى الكرة في ملعبهم، فإن لم تأتوا بهذه البقرة فلن يحيا ميتكم.
راحوا يبحثون عن تلك البقرة في أماكن كثيرة من الأرض حتى عثروا على واحدة تحمل تلك المواصفات، ولعله لم يكن يوجد على وجه الأرض مثلها، وكانت لولدٍ يتيم ورثها عن أبيه وكان من الصعب عليه أن يستغني عنها فأغروه بالذهب حتى طلب مثل وزنها ذهباً خالصاً فوافقوا على طلبه وأعطوه الكثير من الذهب وأتوا بها وذبحوها ولم يكونوا يريدون ذبحها لشكهم بكلام نبيّهم.
وبعد تلك المراوغات والعناء والكلفة الباهظة ذُبحت تلك البقرة(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وأُلقي بشيء من لحمها على القتيل فولجته الروح بإذن الله تعالى وأخبرهم عن قاتله الذي كان وريثه، ولولا خوفهم من التضييق أكثر لسألوا نبيّهم عن القطعة التي ألقوها على القتيل، وبعد أن رأوا بأم أعينهم كيف يحيي الله الموتى ازدادوا كفراً بدل أن يوقنوا بالله عز وجل(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ)

قِصةُ المَن والسلْوَى

 

(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ)
أقبح أمّتين شهدهما تاريخ البشرية هم اليهود والوثنيون من قريش، ولعل كثرة ذِكر أحداثهما في القرآن نابعةٌ من كثرة ظلمهم وشدة غيِّهم، فلقد رأت كل أمَّة من نبيّها ما لا يعتريه الشك ولا يُنكره الطبع السليم، فلمسوا الحقيقة بأيديهم، ورأوا قدرة الله بأعينهم، ورغم كل تلك الدلائل بقي الشك مسيطراً عليهم، لا لأنّ شكَّهم قويٌّ، بل لأن إيمانهم ضعيف، إن كان الإيمان قد دخل في قلوبهم أصلاً.
ولم يكونوا بحاجة إلى المزيد من الدلائل، فما رأوه وسمعوه كان كافياً، ولكن الله تعالى ألقى عليهم الحجة أكثر من مرة حتى لا يبقى لهم ما يتذرّعون به في يوم الحساب.
ماذا نقول في أمة أتاها نبيُّها بتسع معجزات، ورأوا منه عشرات الكرامات، فلم يؤمنوا إلا بألسنتهم خوفاً من عقاب موسى أو اتخاذه وسيلة لتخليصهم من ظلم فرعون، وليس خوفاً من الله أو طمعاً بثوابه(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) مع أنّ آية واحدة من تلك التسع كفيلة بنقل أمةٍ بكاملها من ظلمات الكفر إلى أنوار الإيمان.
كانوا يظنون بأنّ موسى بحاجة إليهم، مع أنهم هم كانوا بحاجة إليه وإلى معجزاته وتدابيره التي استفادوا منها كثيراً، وأبرزها إغراق فرعون وجنوده وإنزال التوراة من السماء، فيها من كل التعاليم التي يمكن أن يحتاجوا إليها في مسيرة حياتهم.
وكانت طلباتهم لا تنتهي، وأكثرها كانت للتعجيز والمراوغة فقط، والدليل أنهم طلبوا رؤية الله عز وجل بالعين المجردة، ووالله لو لم يُمتهم الله ثم يحييهم في تلك الساعة لأنكروا نبوة موسى الذي لم يُريَهم ربَّهم بالعين لأنهم كانوا يتمنون أن يعجز موسى عن تنفيذ ولو طلبٍ واحد حتى يتهموه بالكذب وينسلخوا مما دعاهم إليه.
والدليل على ما نقول أيضاً هو اتخاذهم العجلَ رباً عندما تركهم موسى لأيام وصعد إلى الجبل لميقات ربه، ولكنه استجاب لكل ما سألوه بقدرة الله عز وجل فاستأمنوا ولم يؤمنوا.
ولم تقف المعجزات لهم عند تلك الحدود، ففي يومٍ حارٍ لم يعد بإمكانهم الإحتماء من أشعة الشمس الحارقة، ولم يكن معهم ما يستظلون به، شكوا الأمر إلى كليم الله(ع) ولجّوا عليه كالعادة، فدعا ربه فأظلهم بغمامة حمتهم من حرارة الشمس، وتابعوا مسيرهم والغمامة تسير معهم لطفاً من الله عليهم ورأفةً منه بحالهم، ولم يَرِدْ أنَّ أحداً منهم شكر الله على تلك النعمة إلا مَن أخلصوا دينهم لربهم.
ثم تتالت عليهم نِعمُ ربهم، فذات مرة وهم يسيرون خلف موسى وسط تلك الصحراء شعروا بجوع شديد، لأنّ عددهم كان كبيراً وطعامهم قليلاً، جاؤوا إلى موسى وطلبوا منه أن يُنزل ربه عليهم طعاماً، وهم يريدون كل شيء جاهزاً بين أيديهم دون أن يُحركوا ساكناً مع أنه كان بإمكانهم أن يصنعوا العجائب، ولكنهم أهل خداع ونفاق.
توجّه موسى إلى ربه بالدعاء فأنزل الله عليهم المنّ والسلوى، وهي عبارة عن طيور مشوية ونوع من الحلوى ففرحوا وراحوا يأكلون حتى التخمة، وقد خزّنوا ما استطاعوا من هذا الطعام الشهي والنادر، ولم يشكروا الله على ما أنعم عليهم وكأنّ لهم فضلاً على ربهم، وبعد مدة من الزمن سئموا من هذا الطعام وأرادوا طعاماً غيره هو أدنى منه في الطعم واللذة والغذاء، وكأنّ همهم كان الإعتراض لمجرد الإعتراض، وجاؤوا إلى موسى وطلبوا منه أن يدعو ربه ليُخرج لهم الزرع من الأرض، واللافت في الأمر هو أنهم يريدون من الأرض أن تُطعمهم دون أن يستصلحوها للزراعة(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا)
إنّ طَلَبَهم للأدنى دليل على تلك المراوغة التي كانوا يتعاطون بها مع أنبيائهم، ولو أنهم طلبوا الأفضل لقلنا غير ذلك.
(قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ)
وهنا تعجّب موسى لهذا الطلب إذ كيف يؤثرون الأدنى على الأعلى، وما السر وراء هذه المماطلة؟
(اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ)
إذا كنتم تريدون التنوّع في الطعام فارجعوا إلى مصر وكلوا من فتات الفراعنة الذين أذلوكم، أو ادخلوا بيت المقدس وحرروها من الجبابرة وازرعوا أرضها وكلوا ما شئتم.
أما وأنتم تائهون في هذه الصحراء فيجب أن تصبروا على هذا الطعام أو عيشوا بدونه.
ولو أراد موسى أن يستجيب إلى كل ما طلبه بنوا إسرائيل لقضى كل حياته في تحقيق مطالبهم التي لا تنتهي، ولهذا رفض هذه المرة طلبهم وأحرجهم بهذا الكلام لأنه يعرفهم تماماً.
يعرف أنهم جبناء لا يقاتلون، ويعرف أنهم يؤثرون حياة الذل على حياة العزة والشرف، وأنهم أهل دنيا بلا دين، وأنهم يأكلون مما يزرع غيرهم، وأنهم يعيشون في الدنيا من دون هدف شريف وسامٍ.
وما زالوا حتى يومنا الحاضر يسكنون أرضاً ليست لهم، ويأكلون الأموال على حساب تنفيذ رغبات الذين يطعمونهم ويدعمونهم.

قِصةُ الإِسْتِسْقَاء

 

(وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ)
كان عدد بني إسرائيل كبيراً، ولم يكن بالإمكان السيطرة عليهم إلا بتنظيم شؤونهم، ولا يمكن تنظيم شؤونهم إلا بتقسيمهم إلى مجموعات، كتقسيم الجيوش إلى كتائب وسرايا وفصائل وغير ذلك حتى تسهل السيطرة عليهم، وهذا ما حصل لبني إسرائيل، فقد قُسّموا إلى اثنتي عشرة مجموعة، وبالخصوص أنّ شرّهم مأمول، وكانت كل مجموعة منهم تنتمي إلى أحد أبناء نبي الله يعقوب(ع)، وبنوا إسرائيل هم بنوا يعقوب، لأن اسمه(إسرائيل) وهي كلمة عبرية، معناها في العربية(عبد الله).
ولعلهم من أكثر الناس منازَعةً ومخاصَمة، وهذا ما شهد به تاريخهم الحافل بالنزاعات الفردية والجماعية، ولأنهم كانوا كذلك فقد سهُل على فرعون أن يسيطر عليهم ويستعبدهم.
ولم يخلُ الأمر من نزاعات بينهم كحالة أية قبيلتين من العرب والعجم ولكن بشكلٍ خاص، أما نزاع بني إسرائيل في تلك الصحراء هذه المرةَ فكان من أجل الماء بسبب شحّه، ولم يكونوا يعملون بثقافة الإيثار لأنها من شيَم الأبرار وصفات الأخيار، وقد خشي بنوا إسرائيل من الهلاك عطشاً فاستسقَوا نبيّهم فدعا ربّه فأوحى إليه أن يضرب حجراً بعصاه ففعل فانبجست من تلك الصخرة اثنتا عشر عيناً من الماء، وقد استولت كل مجموعة على عينٍ منها كيلا تقع المجازر بينهم بسبب تقسيم الماء لأن الطمع كان يتملّك بهم، ولا شك أنه كان سيقع نزاعٌ كبير بينهم لولا القدرة الإلهية التي أخرجت لهم الماء من لا شيء.
وزيادةً في معرفة نفوس بني إسرائيل سوف أجري لكم مقارَنة بينهم وبين أمّةٍ قديمة كانت في زمن ذي القرنين.
يذكر المؤرخون بأن العبد الصالح ذا القرنين مرّ بجيشه على قومٍ يعيشون في الصحراء وقد طلب منهم ذو القرنين الماء له ولجيشه فأخبروه بأنهم يكادون يموتون من العطش حيث نفِد الماء الذي اختزنوه وهم ينتظرون هطول الأمطار فتعجّب ذو القرنين لأمرهم وسألهم: لماذا لا تستخرجون الماء من باطن الأرض؟ فظنوا بأنه يسخر منهم، وهناك علّمهم كيف يحفرون الآبار ويستخرجون الماء من جوف تلك الصحراء.
أما بنوا إسرائيل فكان بإمكانهم أن يحفروا الآبار ولكنهم قومٌ كسالى يريدون أن يأتيهم الماء والطعام دون أي جهد أو تعب.

قِصةُ الحِطةِ والحِنْطَة

 

(وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُواْ حِطَّةٌ وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ)
طلب اليهود من موسى(ع) أن يكون لهم مدينة كأية مدينة يسكنون فيها بدل التشتت في الصحراء والعيش بين كثبان الرمال وتحت أشعة الشمس الحارقة بعد أن أنقذهم الله من ظلم فرعون وجنوده وأجرى على يد كليمه معجزة انفلاق البحر، فأمرهم أن يدخلوا بيت المقدس ويقاتلوا العمالقة فأبوا وفضّلوا حياة الذل على الجهاد في سبيل الله.
وقد أخبرهم بأنهم إن دخلوا بيت المقدس فسوف يكون عيشهم فيها رغيداً وحياتهم سعيدة بشرط أن يمتثلوا لأوامر الله سبحانه وتعالى.
أبوا كالعادة تلبية أمر الله، وأنكروا الجهاد، لأنهم متمسكون بالحياة الدنيا التي اعتبروها مقراً لهم، وهذا من صفات أهل الكفر الذين يعتبرون الموت نهاية، بينما هو في عقيدتنا البداية، وفضّلوا البقاء في الصحراء عناداً منهم وتعنُّتاً، إلا القلة القليلة التي ثبتت على الإيمان، ولكنّ عددهم وعتادهم لا يكفي لمواجهة العمالقة.
ولو أن بني إسرائيل التزموا بأمر الله لقضوا على العمالقة في ساعة واحدة نظراً لعددهم الكبير، ولكن لا يوجد في قلوبهم حبٌّ لله يعطيهم الشجاعة.
وهناك أغلظ بنوا إسرائيل القول لموسى وقالوا له مستهزئين(فَاذْهَبْ أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ) ولهذا فقد استحقوا ما نزل بهم من عقابٍ وبلاء حيث تاهوا في الأرض أربعين سنة.
ومما أمرهم به لدى اقترابهم من بيت المقدس هو قول(حطّة) أثناء دخول أحد أبواب بيت المقدس، ومعناه: يا رب حطّ عنا ذنوبنا وأوزارنا: وما زال في بيت المقدس بابٌ إسمه(باب الحطّة) ولعله الباب الذي أمرهم موسى بالدخول منه وأن يقولوا تلك الكلمة(حطّة)
وهناك بدأت السخرية منهم، وبدّلوا تلك الكلمة التي كانت معروفة ومستعملة عندهم بكلمة أخرى من باب الإستهزاء، فقد ورد في بعض الأخبار أنهم كانوا يقولون(حنطة) بدل(حطة) وإن دلّ هذا على شيء فإنما يدل على خلوِّ قلوبهم من الإيمان والإخلاص، وأكثرهم آمنوا لمصلحة شخصية كان في مقدمتها الخلاص من فرعون وجنوده، ولم يكن إيمانهم قلبياً، بل مجرد لقلقة لسان لحماية أنفسهم من العذاب.
لقد كان الأجدر بتلك المجموعات أن تشكر الله على تلك النِعم الكبرى التي أنعم بها عليهم، ولكنهم قومٌ فاسقون جاحدون لا يستحقون الحياة العزيزة، ولأجل هذا عرف فرعون كيف يتعامل معهم عندما استعبدهم لأنهم قومٌ اعتادوا على الذل والعبودية لغير الله عز وجل، ولهذا قال الله في حقهم( فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَظْلِمُونَ)
لقد ظلموا أنفسهم، ولم يظلموا ربهم، وأضروا بها ولم يضرّوا بموسى وأخيه والمؤمنين بهما ومعهما، ولهذا أرسل الله عليهم الرجز من السماء.
وللرجز معنيان: الأول: الإضطراب، ولا شك بأنهم اضطربوا عندما عذّبهم الله بالتَّيه وغيره.
الثاني: العذاب: وقد أنزل الله عليهم العذاب أكثر من مرة بسبب عنادهم وكفرهم، ثم عفا عنهم، ولكنهم كانوا في كل مرة يخلفون الوعد والعهد.

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى