قصص وحكايات

قصص القرآن الكريم(الحلقة الثامنة)

قِصةُ قَابيْلَ وهَابِيْل

 

 

قِصةُ قَابيْلَ وهَابِيْل

 

(وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ بِالْحَقِّ إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا فَتُقُبِّلَ مِن أَحَدِهِمَا وَلَمْ يُتَقَبَّلْ مِنَ الآخَرِ قَالَ لَأَقْتُلَنَّكَ قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ)

يختار القرآن الكريم أنفع العِبَر وأحسن القصص ويلقيها بين أيدي الخلق من باب تعليمهم وتوجيههم وإلقاء الحُجّة عليهم بما حلّ بالأمم السابقة ليحذروا ويسلكوا طريق الحق، وسوف تلاحظون بأن القصص التي سوف نوردها لكم تارةً تكون من باب الترغيب، وأخرى من باب الترهيب، وهو أسلوب يستعمله الله تعالى مع خلقه كلٌّ بحسبه، فإن كان الفرد أو الأمة ينتفعون بالترغيب رغّبهم الله بالكثير من المُرغِّبات، وإن كانوا لا ينتفعون إلى بالأسلوب الآخر استعمله معهم، والقصص التي يختارها القرآن تحمل من الفوائد ما تنفع البشر عبر الزمن إلى قيام الساعة، فمنها ما يحمل منفعةً للآخرة، ومنها ما يحملها للدنيا والآخرة، وليس عند الله إلا الخير للبشر.

ومن جملة تلك القصص التي أوردها القرآن الكريم ما حدث بين ابنَي خليفته آدم عندما لم يكن في الأرض غيرهم، ولعلّ عددهم آنذاك كان قليلاً جداً ومقتصراً على أسرة آدم.

وبمعنى آخر فإننا نستفيد من تلك الأحداث التي دفع ثمنها مَن كان قبلنا غالياً، والعاقل هو الذي يستفيد من تلك العِبَر ويستخدمها في حياته وبين أفراد أسرته ومجتمعه وهي مدفوعة الثمن.

فعندما أهبط الله تعالى خليفته آدم إلى الأرض كانت خالية موحشة ليس فيها بشرٌ سواه هو وحواء لأنه أصل البشرية، وكان حزيناً كئيباً بسبب تلك المخالفة التي دفع ثمنها الكثير، حيث نزل من مستوى العيش الرغيد إلى حياة مملوءة بالهم والغم والعناء والعداء والشقاء، وقد علّمه ربّه أساليب العيش وأُسُس البقاء والإستمرار كيلا يموت جوعاً أو تفترسه السباع.

فأسس بيتاً له ولزوجته وراح يأكل مما تُنبت الأرض ومن لحوم الحيوانات التي أحلَّها الله له وسخّرها لخدمته.

وبعد فترة زمنية رزقه الله بالذرية، كان منهم الصالحون ومنهم دون ذلك، ومن بينهم ذَكَران، قابيل الحاسد الظالم، وهابيل المؤمن العابد.

ولهما قصة جديرة بالمعرفة لأنها تحمل للبشرية أول درس من دروس الخير والشر، حيث بدأ الصراع بين الحق والباطل منذ ذلك الزمان فتمثّل الحق بهابيل المغدور، والباطل بقابيل الحاقد الذي لم يحترم صلة الأخوّة ولا حقَّ القرابة والرحِم الذي يربطه بمَن يظنّه خصمَه.

والجدير بالذكر هو أنّ العداء بينهما لم يكن إلا من طرف واحد، أعني من طرف قابيل الذي قتله الحسد وأعمى قلبه بعد أن استمع لوسوسة الشيطان الذي حرّضه على أخيه لا لذنبٍ ارتكبه إلا لأنه إنسان عاقل ومؤمن ومحبوبٌ لدى والديه وبقية أخوته نتيجة سلوكه الحسن.

كان هابيل يرد إساءة أخيه بالإحسان احتراماً لحق القرابة القريبة بينهما، وكان ذلك يُغيظ قابيل أكثر ويزيد من حقده على أخيه المحسن بدل أن يحترمه.

والذي زاد في الطين بلّة أنّ الفتاة الأجمل كانت من نصيب هابيل، وكان قابيل يريدها لنفسه فرفضت الزواج منه.

وكان قابيل يدّعي الأفضلية لنفسه وأنه على الحق دون هابيل فاتفقا أن يقرّبا قرباناً لله عز وجل، ومَن يتقبّل الله منه يكون هو على الحق، فاختار قابيل سنابل بالية هي أردى ما عنده من الطعام، بينما هابيل اختار أسمن نعجة عنده وصعدا إلى الجبل ووضع كلٌ منهما قربانه في ناحية، وكانت علامة قبول القربان آنذاك أن تنزل نار من السماء تلتهم القربان، فجلسا ينتظران، وعلامات الحسد بادية على وجه قابيل القاتل، وبينما هما جالسان وإذ بنارٍ تنزل من السماء على نعجة هابيل فتلتهمها، أي أنّ الله تقبّل من أهل التقوى(هابيل) وهنا اشتعلت نيران الحسد في قلب قابيل أكثر والذي كان يظنّ نفسه خيراً من أخيه، فغضب كثيراً وواعد أخاه بالقتل.

(لَئِن بَسَطتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي مَا أَنَاْ بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لَأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخَافُ اللّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ)

إنها أول جريمة قتلٍ في التاريخ ارتكبها أخٌ ضد أخيه ظلماً وافتراءاً بداعي الحسد، وأول يومٍ يُسفك فيه دمٌ زكي، وأول درس حصل في الحياة لا ينبغي أن يُنسى مهما تقدّم الزمن.

فبعد أن تقبّل الله تعالى قربان هابيل التقي اشتعلت نيران الحسد في قلب قابيل فتوعّد أخاه بالقتل وراح ينتظر الفرصة المناسبة لارتكاب هذه الجريمة بعيداً عن نظر نبي الله آدم(ع).

فأجابه هابيل بمنطق الإيمان والحب والأخوّة الصادقة بأنني لن أمدّ يدي لقتلك وإن أردتَ قتلي لأنني أخاف الله رب العالمين الذي حرّم قتل النفس من دون حق، وواعد القاتل الخلودَ في النار، والقصاص في الدنيا.

وفي يوم من الأيام وبينما كانا يرعيان أغنامهما بعيداً عن الأنظار هجم قابيل كالذئب الكاسر على أخيه وضربه بحجر على رأسه فقتله، وكان ذلك برفقة إبليس الذي رأى في قابيل القابلية لارتكاب الذنب، فكان يزيّن له فكرة الخلاص من أخيه حتى يحظى باهتمام أبويه ويأخذ زوجته الجميلة بعد قتله، وهو الذي كان يوسوس له دائماً ويملأ قلبه حقداً على أخيه المؤمن حتى وقع في المحظور.

ووقعت الجريمة، وقتل قابيل هابيل، واحتار في أمر إخفاء الجثة، وصال وجال حتى رأى غراباً يحفر في الأرض ويدفن فيه جثة غراب ميت ففعل مثل ذلك، وأصبح من النادمين، ولم يصل إلى مراده بل زاد قتلُ أخيه الأمر سوءاً وازداد حقد أخوته وأبويه عليه أكثر ولم يهنأ بأكل ولا شرب ولا نوم بعد ذلك.

وهنا نستذكر الحديث القائل:لله دَرُّ الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله:

وقد أصبحت قصتهما مضرِباً للمثل عبر العصور، ويا ربح من اعتبر وتعلّم من هذا الدرس كيلا تكون عاقبته كعاقبة قابيل الذي كان لقمةً سائغة في فم الشيطان الرجيم.

وقد لخّص الكتاب المجيد هذه الحادثة فقال سبحانه(فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخَاسِرِينَ * فَبَعَثَ اللّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْءةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَا أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْءةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى