
يَوْمُ القِيَامَة
وهو المرحلة الأخيرة التي يصل إليها الإنسان في نهاية المطاف بعد أن اجتاز قبلها خمس مراحل أساسية لم تكن كالسادسة من جميع النواحي والجهات، لأنها الأعظم والأكبر والأطول إقامةً إما في الراحة والسعادة وإما في العذاب والشقاء والندم.
لقد خلق الله أرواحنا في البداية فكانت ذراً، وهي ما نعبّر عنها بمرحلة الذر، وهذا الوقت الذي أوجدنا الله فيه لا نعرفه، ولم يطلع الله عليه أحداً من خلقه، فقد يكون وقتاً طويلاً لا تحتمله العقول، وفيه قال تعالى(مَا أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا خَلْقَ أَنفُسِهِمْ) وفي تلك المرحلة أخذ الله ميثاق التوحيد على الخلق حينما أشهدهم على أنفسهم فأقروا له بالربوبية.
ثم ينتقل الإنسان بعلم الله وقدرته إلى عالَم الأصلاب، ونحن بدورنا نجهل الطريقة التي نقلت بها أرواحنا إلى أصلاب آبائنا، وهذا سر من أسرار القدرة، ولكننا نؤمن بأن الله تعالى خلقنا وأجرانا في أصلاب آبائنا فلن نسأل عن الطريقة إذ ليس كل شيء مقدوراً على معرفته.
ثم ننتقل عبر التواصل الجنسي بين الآباء والأمهات إلى أرحام أمهاتنا ثم تمكث فيها أشهراً معلومة حتى يكتمل الجسد ويصبح قادراً على خوض أنظمة الحياة الدنيا فنخرج إليها وتبدأ فيها مرحلة جديدة لنا ثم يأخذ الجسم بالنمو والإشتداد ثم بعد ذلك يبدأ بالتراجع حتى يأتي الأجل وينتقل الإنسان إلى المرحلة الخامسة من مراحله الأساسية وهي مرحلة البرزخ فيمكث في البرزخ ما شاء الله إما في نعيمها وإما في جحيمها إلى أن يأتي اليوم الموعود يوم النشور والحساب الذي لا يمكن تصوره لشدته ولكثرة أهواله والصعوبات فيه، فهو اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة من سنوات هذه الحياة، والأمر هنا لا يتعلق بالشأن الزمني فقط وإنما بموضوع ما يراه الإنسان هناك وما يشعر به عندما ينظر فيرى أشياءاً لم يرها من قبل، ويسمع شهيق جهنم وزفيرها، ويرى لهيبها، وينظر إلى الملائكة التي لا تعد ولا تحصى، ويرى العرش والصراط والميزان وغيرهم من أنظمة يوم القيامة، ذلك اليوم الذي وصفه القرآن بقوله(يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاء إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ) وهو اليوم الذي قال فيه سبحانه(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ فَاصْبِرْ صَبْرًا جَمِيلًا إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا وَنَرَاهُ قَرِيبًا يَوْمَ تَكُونُ السَّمَاء كَالْمُهْلِ وَتَكُونُ الْجِبَالُ كَالْعِهْنِ وَلَا يَسْأَلُ حَمِيمٌ حَمِيمًا)
أَسْمَاءُ يَوْمِ القِيَامَة
إن يوم القيامة أهم يوم من أيام الوجود، لأن كل الأيام التي سبقته لم تكن سوى مقدمات له وتمهيدات للورود عليه من أجل المحاسبة العامة والجزاء الإلهي على طبق القوانين التي سنتها الشرائع السماوية.
ولأن يوم القيامة في غاية الأهمية فلقد ركز القرآن على ذكره وبيان أحداثه لتكون الحجة على الناس أبلغ وأوضح، ولم يرد الحديث عن ذلك اليوم باسم خاص وإنما استعمل القرآن الكريم له أسماءاً كثيرة،
منها: القيامة: وهو أشهرها على الإطلاق وقد وردت أكثر الآيات مستعملةً هذا الإسم، قال تعالى (لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ) وقال في سورة البقرة(فَاللّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) وفي سورة آل عمران(وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ والآيات التي استعملت هذا الإسم كثيرة جداً فهي تُعد بالعشرات إن لم يكن بالمئات.
ومنها: الحساب : ونفس إطلاق هذا الإسم واستعماله في الدلالة على ذلك اليوم كاشف عن سبب تسميته به لأن يوم القيامة هو اليوم الذي يحاسب الله فيه الناس على أعمالهم.
ومنها: يوم الحشر : وهو اليوم الذي يُحشر فيه الخلق من أجل الجزاء، فقد قال تعالى(وَمَا مِن دَآبَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلاَّ أُمَمٌ أَمْثَالُكُم مَّا فَرَّطْنَا فِي الكِتَابِ مِن شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ)
ومنها: النشور: أي عندما تُنشر الخلائق للحساب، وفيه قال تعالى(وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَسُقْنَاهُ إِلَى بَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا كَذَلِكَ النُّشُورُ)
ومنها: الدِّين: فهو يوم الدين، ويوم محاسبة الناس على دينهم، قال تعالى (وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِّلْمُكَذِّبِينَ الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ)
ومنها: الساعة: وهو من الأسماء التي كثر استعمالها في القرآن الكريم، ففي سورة الأنعام قال سبحانه(قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِلِقَاء اللّهِ حَتَّى إِذَا جَاءتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُواْ يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا)
ومنها: الصَّاخَّة: قال تعالى(فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ) والصاخة هي ما تصك الآذان، وإن في يوم القيامة أصواتاً تصم الآذان.
ومنها: الطامَّة: قال سبحانه(فَإِذَا جَاءتِ الطَّامَّةُ الْكُبْرَى يَوْمَ يَتَذَكَّرُ الْإِنسَانُ مَا سَعَى) والطامة هي المصيبة، ويوم القيامة هو يوم المصيبة الكبرى على أهل المعصية.
ومنها: الآزفة : قال تعالى في سورة النجم(أَزِفَتْ الْآزِفَةُ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ)
ومنها : الآخرة : وهو أيضاً من الأسماء التي استعملت كثيراً للدلالة على يوم الحساب، قال تعالى(وَبِالآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ) أي بيوم القيامة،
ومنها : الواقعة: قال تعالى(إِذَا وَقَعَتِ الْوَاقِعَةُ لَيْسَ لِوَقْعَتِهَا كَاذِبَةٌ)
ومنها: التغابن: قال تعالى(يَوْمَ يَجْمَعُكُمْ لِيَوْمِ الْجَمْعِ ذَلِكَ يَوْمُ التَّغَابُنِ)
ومنها: المعاد : وهو اليوم الذي يعيدنا الله فيه مرة أخرى للحساب.
ومنها: اليوم الآخر: قال تعالى(ذَلِكُمْ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ)
ومنها: اليوم الموعود: قال تعالى(وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ)
ومنها: البعث: قال تعالى(يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ)
ومنها: الفصل: قال تعالى(إِنَّ يَوْمَ الْفَصْلِ مِيقَاتُهُمْ أَجْمَعِينَ يَوْمَ لَا يُغْنِي مَوْلًى عَن مَّوْلًى شَيْئًا وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ)
ومنها: الحسرة: قال تعالى(وَأَنذِرْهُمْ يَوْمَ الْحَسْرَةِ إِذْ قُضِيَ الْأَمْرُ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ وَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ)
ومنها: التلاق: قال تعالى(رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ذُو الْعَرْشِ يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التَّلَاقِ يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ)
الشيخ علي فقيه


