
مقارنة بين صوم الحاضر وصوم ما قبل الإسلام
لقد وجّه الله سبحانه أمراً واضحاً في وجوب الصيام عبر قوله الكريم(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ)
ولعله الموضع القرآني الوحيد المشير إلى إيجاب هذه الفريضة من فرائض الإسلام وأركانه وفروعه.
وهي من الآيات التي تتطلب البحث العميق والتأمل الواسع لإدراك أبعادها ومداليلها وفهم المراد من كل كلمة وردت فيها.
ولأجل أن نفهم معنى هذه الآية بشكل جيد لا بد من فصلها أربعة فصول كما هو حالها.
الفصل الأول: وهو قوله تعالى(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ)
فقد يتساءل البعض حول هذا النداء .. هل وجّهه الله تعالى لفئة خاصة من البشر أم أنه ورد عاماً وشاملاً لا يمكن تخصيصه في فئة دون أخرى، مع العلم بأنه ورد مخصصاً في الذين آمنوا، ولكن هذا التخصيص لا يعيّن فئة بعينها بل هو وارد للذين آمنوا، فمن هم الذين آمنوا؟ فإذا عرفنا ذلك فقد انحلت المشكلة الأولى في هذا البحث.
إن معنى الذين آمنوا لو ورد مطلقاً لشمل كل من آمن بالله تعالى أو بمعنى آخر كل من آمن بوجود الله بغض النظر عن الإيمان بالوحدانية، وبناءاً على ذلك يكون النداء الرباني حول الإلتزام بفريضة الصيام شاملاً للجميع فهو وارد للمشرك كوروده للمعتقد بالوحدانية.
ونحن نؤمن بأن الله تعالى قد وجّه أوامره لجميع الناس، فلايعفى من تلك الأوامر فئة من الناس لأن الجميع مكلفين ومسؤولين عن الطاعة ومستلزماتها، نعم.. هناك أحكام خاصة حول مسألة القضاء على الكافر إذا أسلم فإن الله قد خفف عنهم وأعفاهم مما فاتهم من الواجبات أثناء الكفر لأن الإسلام يجب ما قبله، وهذا لا يعني أنهم ليسوا مشمولين بالأوامر الإلهية الواردة في الكتب السماوية وعلى ألسنة الأنبياء والرسل.
فيأيها الذين آمنوا.. أي يا أيها الناس جميعاً عليكم أن تلتزموا أوامر الله تعالى ونواهيه ولن يكون لكم ذلك إلا من خلال الدخول عبر الباب الصحيح لذلك أو لقبول الأعمال وهو الإسلام الذي جعله الله الدين الأوحد كما ورد في الكتاب العزيز(إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ) وفي آية أخرى(وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ)
هذا مجمل ما شمله الفصل الأول من آية وجوب الصوم.
الفصل الثاني: وهو قوله تعالى(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ)
قبل إيضاح معنى الكَتب الوارد في الآية الشريفة ينبغي أن نشير إلى الطرق والأساليب التي يوجه الله بها أوامره لعباده لتنجلي بذلك تمام الصورة المبحوث عنها في هذا الفصل.
فهناك ألفاظ عديدة يأمر الله بها خلقه في فعل شيء من الأشياء، فلا حاجة لأن يقول لنا في كل واجب لقد أوجبت عليكم هذا الشيء.
ومن الواضح جداً أن الله تعالى يوجّه أوامره عبر طرق معلومة لدى الفقهاء والمثقفين أيضاً لأن الأمر لا يخفى على الطبقات العادية من الناس، ولا بأس بذكر بعض الطرق التي يأمر الله بها عباده.
- مادة الأمر: فقد يوجه الله أوامره أو بعض أوامره بمادة (أ م ر) فيقول للعبد:آمرك بكذا وكذا: وهذا عين الوجوب فلا داعي معه إلى تأويل وتفسير وإيضاح.
- صيغة الأمر: كما يأمرنا الله عز وجل بمادة الأمر في بعض الموارد فكذلك يأمرنا بصيغة الأمر، وصيغة الأمر هي كل فعل يستشعَر منه الأمر، كقوله، صلّ أو صم أو إفعل، وقد أجمع الأصوليون على أن صيغة الأمر ظاهرة في الوجوب، فكل أمر يرد بصيغة الأمر فإنه يحمل على الوجوب إلا مع صدور قرينة متصلة أو منفصلة تصرف الذهن عن الوجب إلى الإستحباب، ولسنا هنا بصدد عقد بحث أصولي حتى نتوسع في المقام، وإنما ذكرت لكم ذلك من باب المثال المساعد على فهم المراد.
- الألفاظ التي يفهم منها الأمر: وهي كثيرة جداً:
منها: لفظ(فرض) كما لو قال لنا المولى سبحانه: فرضت عليكم هذا الأمر أو هذه الفريضة، فلا بد من حمل هذا الأمر على الوجوب لأن لفظ الفرض ظاهر في الوجوب كظهور صيغة الأمر فيه إلا مع وجود القرينة التي تصرف الذهن عن المراد الأولي من هذا اللفظ وأشباهه.
ومنها: لفظ(عليكم) كما لو قال تعالى(وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) فإن الحج واجب، وهذه الآية هي الدليل على كون الحج واجباً، ولم يرد هذا الأمر لا بمادة الأمر ولا بصيغته، وإنما ورد بلفظ يفهم منه الأمر.
ومنها: لفظ(كَتب) أو (كُتب) كما هو حال الآية المبحوث عنها في هذا المقام وهي قوله تعالى(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) فكتب لفظ يدل على الوجوب، ومن هذه الآية الكريمة أدركنا وجوب الصيام علينا، طبعاً هناك العديد من النصوص النبوية الدالة على كون الصوم واجباً ولا يختلف في ذلك مسلمان.
الفصل الثالث: وهو قوله عز وجل(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ)
ماذا يعني قوله كما كتب على الذين من قبلكم؟ هل يقصد به الكيفية؟ أو يقصد به الظرف الزمني؟ أو أنه يقصد به جوهر تلك العبادة التي يجب أن يقصد بها وجه الله وحده؟
هل يقصد بها الصوم عن المفطرات المعلومة؟ أو أنه يقصد بها صوم الروح؟
هناك عدة تساؤلات واهتمالات حول معنى قوله(كما كتب على الذين من قبلكم) وهذا ما يحتاج منا إلى التوضيح والتفصيل.
هناك فكرة سائدة بين الناس وهي أن الله تعالى قد فرض الصيام على الأمم من قبلنا فلا تخلو أمة من هذه الفريضة التي قد يعبر عنها في بعض المجالات بالعبادة العالمية التي يتعبد بها العالم كله مما يدل على شأنها الرفيع وعظمتها الباهرة.
نحن نؤيد هذه الفكرة ولكن ضمن الطرق والكيفيات التي وردت عن أئمة أهل البيت(ع) فلقد أخبرنا مولانا جعفر بن محمد الصادق(ع) عن حقيقة وجوب هذه الفريضة على الأمم السابقة، مع العلم بأن الله تعالى قد شرّف أمة نبيّه محمد بهذه العبادة دون سواهم من الأمم، فكيف يمكن أن نجمع بين النص القرآني القائل بكونها كانت مفروضة من قبلكم وبين قول الإمام الصادق بأن الله تعالى لم يفرض صيام شهر رمضان على الأمم من قبلنا.
وقبل بيان هذا الأمر الذي يستشم منه التصادم بين الآية والرواية وقبل ذكر أن النص القرآني لا يعارضه نص آخر أي لا تعارض بين الدليل القرآن وغيره لأن الدليل القرآني هو الذي يقدم على ما سواه، وأنه لا يوجد تصادم بل هو تفسير لقوله تعالى (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) ينبغي أن نذكر حديث الإمام الصادق حول قوله تعالى(كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ) قال(ع):
” إن شهر رمضان لم يفرض الله صيامه على أحد من الأمم قبلنا، فقيل له: فقول الله عز وجل(ياأيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم) قال(ع) إنما فرض الله صيام شهر رمضان على الأنبياء دون الأمم ففضّل الله به هذه الأمة وجعل صيامه فرضاً على رسول الله وعلى أمته:
لقد أوضح الإمام(ع) أن المقصود بالذين من قبلكم هم الأنبياء والأوصياء والصلحاء، فإذا أراد الله أن يكرم أحد عباده فرض عليه هذه الفريضة التي جعلها لنفسه لما ورد في الحديث القدسي: كل عمل ابن آدم هو له غير الصيام فهو لي وأنا أجزي به:
ويمكن الإستدلال على ذلك من خلال التاريخ الصحيح الذي لم يذكر أن أحداً من الناس العاديين كان يتعبد لله تعالى بعبادة الصوم غير الأنبياء كموسى وعيسى وزكريا ومريم، ولنا تفصيل حول صيام الأنبياء.
وعلى فرض أن الصوم كان واجباً على الناس العاديين فيمكن تخريجه بأنه لم يكن بهذه الكيفية التي كرّم الله بها رسوله وأمة رسوله، فلربما فرض الله الصيام من قبل في غير شهر رمضان وفي غير هذه الكيفية المخصوصة.
وهنا نتوقف عند قوله تعالى(كما) هل يعني به عدد الأيام والكف عن المفطرات المعلومة من الفجر حتى الغروب الشرعي؟ وهل كان ذلك في شهر رمضان؟ أم أن قوله(كما) يعني أمراً أعمق مما نتصور؟ بمعنى أنه صوم مخصوص كصوم النفس مثلاً.
ولعل قوله تعالى(كما) يعني أنه تعالى قد شرّفنا بهذا الأمر كما شرّف بعض الناس كالأنبياء والأوصياء ليكون ذلك منّة علينا ونعمة سوف يسألنا عنها في يوم القيامة.
وعلى كل حال لقد كرّمنا الله تعالى حين جعلنا موضعاً لهذا التكليف العظيم وهو الصوم.
لقد صام بعض الأشخاص من الأمم السابقة ولكن صومهم ربما كان مثل صومنا من حيث الكيفية كصوم موسى(ع) الذي ضعف جسمه في بعض الأيام من شدة العطش لأنه كان صائماً كما ورد في التاريخ، وهذا يعني أنه كان صائماً عن الطعام والشراب، وربما كانت عادة البعض من الماضين أن ينذروا نوعاً معيناً من الصيام وهو الصوم عن الكلام كما يصرح القرآن الكريم في حديثه عن مريم(ع) حيث قال(إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا)
وذلك لا يعني أن الصوم في الماضي كان عن الكلام كما قد يتوهم البعض من خلال الفهم السطحي للآية الكريمة التي حدثتنا عن مريم.
لعل الصوم عن الكلام في الماضي كان مجرد عادة اعتاد عليها السابقون وهي من العادات الحسنة التي تساعد الإنسان على لجم نفسه ولسانه لأن الصوم عن الكلام يحتاج إلى مقدرة عالية.
ويظهر لنا بأن الصوم عن الكلام لم يكن أمراً مفروضاً حيث لم يحدثنا التاريخ عن مثل هذا النوع من الصيام، وإنما كان يأتي بنذر وعهد ونحوهما، والحال يشبه حالة بعض الناس في زماننا حيث وقعت نذورهم على مادة الملح، ولا أساس لهذا النوع من النذر في الشريعة، وإنما هو مجرد عادة قد شاعت بين الناس، أو كمن ينذر أن يمشي حافياً، وهناك نكاذج كثيرة تسالم عليها الناس وهي لا تعني شيئاً في الشرائع السماوية.
ويمكن لنا اكتساب هذا الفهم من خلال ربط ذيل الآية بأولها، فأولها(إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) فما هو نوع الصوم الذي نذرته السيدة مريم؟ هو كما ذكرت الآية نفسها(فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيًّا) أي أنه كان صوماً عن الكلام.
ويمكن للإنسان أن ينذر أنواعاً كثيرة من الصيام ولا مانع من ذلك، غاية ما في الأمر أن تلك النذور الخاصة لا تولد حكماً عاماً حول حقيقة وكيفية هذه الفريضة.
ثم إن مسألة الصيام ليست خاصة بفئة دون فئة، ولا هي محتكرة لدى أهل دين بعينهم وإنما هي من الفرائض القديمة والحديثة لدى جميع الأمم والشعوب وذلك مع وجود اختلاف في الطريقة والكيفية والظروف الأخرى.
فالمصريون القدامى كانوا يتعبدون بالصوم، وكذلك اليونانيون وغيرهم ممن سبقوا المبعث النبوي الشريف.
وإن اهتمام الجميع بهذه العبادة لأكبر دليل على كونها من العبادات الخاصة لدى الله سبحانه وتعالى.
الفصل الرابع: وهو قوله تعالى(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) صوموا لعلكم تصبحون من أهل التقوى عند الله عز وجل، وهي قريبة منكم جداً.
الشيخ علي فقيه



