مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهِيْمُ الصِيَام

شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرُ البَرَكَةِ وَالرحْمَةِ وَالمَغْفِرَة

 

شَهْرُ رَمَضانَ شَهْرُ البَرَكَةِ وَالرحْمَةِ وَالمَغْفِرَة

 

سوف يدور الكلام هنا حول ثلاث خصال لهذا الشهر العظيم، وهي البركة والرحمة والمغفرة.

ما هي البركة؟ البركة هي الزيادة في الشيء، وهذه الزيادة إما أن تكون مادية كزيادة المال والنبات، وإما أن تكون معنوية كزيادة الأجر والثواب الذين ينتج عنهما زيادة مادية في يوم القيامة وربما في هذه الحياة إذا كان العمل الصالح مما له أثر الزيادة في الدنيا كمسألة الإنفاق في سبيل الله فإن لها مردوداً على فاعلها في الدنيا والآخرة بصريح الآيات الكريمة التي تخبر عن لزوم الزيادة في مثل هذا العمل الصالح كقوله تعالى(مَّثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنبُلَةٍ مِّئَةُ حَبَّةٍ وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَن يَشَاء وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

وهذه الزيادة بنوعيها تتأكد في شهر البركة والخير شهر رمضان الذي لازمته صفة البركة فإن جميع الناس يصفونه بالمبارك، وهذه الصفة ليست مدحاً له بل هي ناشئة من واقعه وحقيقته وفحواه، لأنه شهر مبارك فقد وصف بصفة البركة.

ولكي تتضح أمامنا هذه الفكرة نذكر لكم عدة أمثلة ونماذج حول مسألة البركة.

أما بالنسبة للبركات المادية، أي البركات في العطاء فإنه لا يخفى على أحد أن شهر رمضان منبع البركات المادية حيث أن الناس في هذا الشهر يتصدقون على الفقراء والمساكين ويعقدون الولائم والإفطارات ويقدمون المعونات على عكس ما يفعلون في غيره من الشهور، هذا بالإضافة إلى أن الله تعالى يبارك السموات والأرض فيه ويأمرهما بإنتاج البركات، فلا يدري الفقير في هذا الشهر متى تصل إليه المساعدة وكيف تأتي وما هو نوعها، فإنها إن لم تأت من فوقه فستأتي من تحته أو عن يمينه أو عن شماله.

وأما بالنسبة للبركة في العمل فهذا ما لا يمكن لأحد أن ينكره لأن العمل فيه مضاعف كما أخبرنا النبي وآله(ص) وقدموا لنا العديد من الأمثلة المثبتة لهذا الواقع كما في قول النبي عن تلاوة القرآن في هذا الشهر فإن تلاوة آية واحدة فيه تعدل قراءة القرآن كله في غيره من الشهور، وإن دل ذلك على شيء فإنما يدل على كونه شهر البركة.

وأما كونه شهر الرحمة فإن الشواهد على ذلك كثيرة فقد قال النبي(ص) تفتح فيه أبواب الجنان وتغلق فيه أبواب النيران: وهذا يعني الرحمة للإنسان.

ولكن السؤال الذي يطرح هنا هو: كيف كان شهر رمضان شهر رحمة؟ هذا أولاً، وثانياً: هو شهر رحمة لمن؟ هل للجميع أم لفئة خاصة من الناس؟

نقول: إن الله تعالى رحمن ورحيم وقد وسعت رحمته كل شيء وسبقت غضبه، ولكن نيل رحمته لها مقدمات وشروط، وأهم تلك الشروط هو الإيمان والإلتزام، أما المتهاون بأحكام ربه فإن الرحمة بعيدة عنه.

والحديث عن الرحمة له شقان لأننا تارة نتحدث عن الرحمانية وأخرى نتحدث عن الرحيمية بمعنى أنه ينبغي الحديث عن الرحمن الرحيم عن هذين الصفتين العظيمتين من صفات الله التين ذكرتا في أول كل سورة من سور القرآن باستثناء سورة براءة.

فالرحمن لها معنى خاص بها، وكذلك الرحيم، وليسا أمراً واحداً وإن جمعهما معنى الرحمة لأن معنى الرحمن أوسع من معنى الرحيم، فالرحمن للدنيا والرحيم للآخرة، والرحمن يشمل جميع الخلق أما الرحيم فهو خاص برحمة الله للمؤمنين، وقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: الرحمن إسم خاص بصفة عامة والرحيم إسم عام بصفة خاصة:

فالرحمن إسم خاص بالله تعالى فلا يسمى به غيره فإن الإنسان الذي يتعامل مع الآخرين بالرحمة لا يقال له رحمن بل رحيم، الرحمن إسم خاص بالله بصفة عامة أي أنه شامل للجميع، والرحيم إسم عام فهو يطلق على كل رحيم، ولكن بصفة خاصة أي بصفة الرحمة.

وقد استفاضت الروايات الواردة عن المعصومين في خصوص الرحمة ومدى سعتها وأسباب جلبها أو بعدها عن الإنسان ليكون ذلك درساً لهم تجاه هذا المبدأ الإلهي بالدرجة الأولى والإنساني بالدرجة الثانية التي هي فرع عن الرحمة الإلهية فقد ورد أن الله تعالى أنزل إلى الأرض جزءاً ضئيلاً من الرحمة ليتراحم الناس فيما بينهم، وأما الأجزاء الباقية فبقيت عنده ليرحم بها عباده المؤمنين.

إن الإعتقاد بكون الله رحيماً هذا أمر في غاية الروعة والجمال، ولكننا إذا رجعنا إلى القرآن الكريم وجدنا فيه آيات كثيرة تتحدث عن العذاب في مقابل تلك الآيات التي تتحدث عن الرحمة، كقوله تعالى(نبّأ عبادي أني أنا الغفور الرحيم وأن عذابي هو العذاب الأليم) ومثل قوله(والله شديد العقاب) وقوله(ويحذركم الله نفسه)

ونحن كمؤمنين بالله وملتزمين بأوامره متى نطلب الرحمة؟ ولماذا نطلبها؟

نحن نطلب الرحمة لأننا لا نستحق عطاءات الله لنا بأعمالنا التي لا نسبة بينها وبين الرحمة الإلهية في السعة والنوع، نحن نعتقد بما يقوله الإمام السجاد(ع) في دعائه: لسنا نتكل في النجاة من عقابك على أعمالنا بل بفضلك علينا: وبقوله أيضاً: إلهي حاسبني بعفوك ولا تحاسبني بعدلك: فإنه لو أراد الله أن يحاسبنا بالعدل لما نجا من العباد إلا ثلة قليلة كالمعصومين(ع

فإذا طلبت من الله أن يرحمك ولم تمهد لهذه الرحمة ولم يرحمك الله، فلا يكون ذلك ظلماً بل هو عين العدالة.

فلنجعل شهر رمضان أحد أسباب الرحمة لنا في الدنيا والآخرة، ولنجعله مقدمة لغيره، بمعنى أن نجعل من كل لحظة نعيشها فيه محطة ومجلباً للرحمة الإلهية.

وهنا نوجه إرشاداً لأنفسنا وجميع المؤمنين الذين يرجون رحمة الله وندلهم على باب واسع من أبواب الرحمة، وهو التراحم فيما بينهم، فنقول لهم:  إرحموا بعضكم بعضاً يرحمكم الله تعالى، هذا لسان نبينا وأئمتنا الذين يحاولون تأديبنا على أحسن وجه وتوجيهنا نحو الأصلح.

إرحموا بعضكم بالعطاء المادي والمعنوي، وإرحموا بعضكم بالكلمة الطيبة، وإرحموا بعضكم بقلع الأحقاد والضغائن، فلا يجوز أن يحقد المؤمن على أخيه المؤمن.

إرحموا بعضكم بالوحدة فيما بينكم، وبتنقية القلوب والنفوس من كل ما يعيبها أو يبعدها عن الله تعالى وقد ورد في الحديث: الراحمون يرحمهم الله: وارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء:

وكما كان شهر رمضان شهر رحمة فهو كذلك شهر مغفرة، فينبغي أن نعمل جيداً على طلب المغفرة فإذا لم يغفر الله ذنوبنا وسيئاتنا فيه فلن ننال الرحمة أبداً.

فطلب المغفرة أمر ضروري في مرحلة الإيمان، فهي الضمانة من عدم لزوم التبعات، والإستغفار أمان لأهل الأرض من عذاب الله بشرط أن يتحقق بالشروط المطلوبة التي أشار إليها أمير المؤمنين علي(ع) في نهج البلاغة وهي ستة أمور:

أولاً: أن يقضي الإنسان ما فاته من الواجبات.

ثانياً: أن يؤدي إلى المخلوقين حقوقهم المادية.

ثالثاً: أن يذيب اللحم الذي نبت في جسمه على الحرام.

رابعاً: أن يذيق الجسم ألم الطاعة كما أذاقه حلاوة المعصية.

خامساً: الندم على ما مضى وهو أن يلوم نفسه على المحرمات التي ارتكبتها.

سادساً: العزم على عدم العودة لفعل الحرام.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى