أمثال القرآن

أَمثَالُ القُرْآنِ الكَريْم

مَثَلُ النفقة ابتغاء مرضات الله تعالى

 

مَثَلُ النفقة ابتغاء مرضات الله تعالى

 

النفقة عنوان ديني وإنساني من الدرجة الأولى، وهو لا يحمل آثاراً للآخرة فقط وإنما يحمل آثاراً لمصلحة الفرد والمجتمع والأمة، وهو مصدر أُلفة بين الناس ومصدر رحمة وهو تعبير عن مشاعر المنفق تجاه المنفَق عليه فهو يشعر بجوع الجائع وألم المريض وبؤس الفقير ولأجل ذلك يحاول المعطي أن يُخرج المعصى له من تلك المرحلة القاسية والظروف الصعبة وينقله إلى مستوى يرضاه.

والنفقة تولّد الإحترام وتوطد العلاقات بين الناس وتزرع الأمل في نفوسهم وأن هذه الحياة لم تخل بعدُ من المحسنين وأهل الشعور بالآخرين، ولا ينبغي نسيان كون هذا السلوك محبوباً لدى الله الذي زرع حب الإحسان في قلوب عباده ومتّعهم بتلك القوة لتكون حجة عليهم في يوم الحساب.

والنفقة عامل من عوامل دعم الإقتصاد وازدهاره فهو يحرك العمل التجاري من حيث الصناعات والتطوير لأنه إذا كان كثير من الناس لا يملكون ثمن الحاجة فهذا يعني أن هناك مؤسسات كثيرة ومصانع عديدة سوف تتوقف عن الإنتاج وهذا ما يؤدي إلى دمار الإقتصاد وانهيار الحالة المعيشية، وهذا الأمر ملاحَظ في شرائع السماء التي أرادت أن تقوم الحياة على الأرض بالشكل السليم وقد وضعت أحكاماً تتفق كلها مع تطوير الإقتصاد كتحريم الغش بالمادة أو الوزن أو الكم أو الكيف فوضعت للتجارة واجبات ومحرمات ومستحبات ومكروهات وذلك من أجل تنظيم الحالة الإقتصادية والتي تقوم عليها الحياة في جميع العالم وقد حرمت الشريعة الربا لأنه يفسد المعاملات وحرمت الإحتكار وهو أحد أسباب الجمود الإقتصادي.

كل ذلك يكشف لنا عن مدى اهتمام الشرائع السماوية بالحياة لأن الشرائع ترى استقامة الحياة باستقامة سلوك الناس فإذا كان سلوكهم حسناً وتعاطيهم الإقتصادي والمعيشي سليماً كانت الحياة كريمة والعيش رغيداً، أما إذا راح كل تاجر يعمل من دون مراقبة الحلال والحرام ومن دون التعاطي مع الآخرين بإنسانية فهذا يعني أن الخلل في الإقتصاد سوف يحصل من دون أي شك، ولذلك فقد أكد القرآن على النفقة ومثّل لها بأكثر من مثال من باب الحث عليها بالشكل الصحيح الذي تستمر معه ومن باب بيان عظمة هذا السلوك الذي اشتمل على صفتي الدين والإنسانية في آن واحد، قال تعالى في سورة البقرة(وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ وَتَثْبِيتًا مِّنْ أَنفُسِهِمْ كَمَثَلِ جَنَّةٍ بِرَبْوَةٍ أَصَابَهَا وَابِلٌ فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ فَإِن لَّمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) فما أروع هذا التمثيل الذي يزرع في النفوس اطمئناناً واجتهاداً في الإنفاق، فمثل الذي ينفق وهو يريد رضا الله انطلاقاً من الإيمان المستقر في قلبه كمثل شجرة في المرتفعات والأماكن العالية التي تكون ثمارها أكثر وطعم ثمارها أطيب وأزكى بسبب هطول المطر عليها بشكل غزير، وهذه الشجرة في المكان المرتفع إذا لم يصبها مطر فسوف يصيبها الندى والمطر الخفيف وهذا يعني بأن النفقة ابتغاء مرضات الله تعالى نافع على كل حال فإن لم يكن النفع فيه كبيراً فصغير، المهم أنه لا يوجد أية خسارة في النفقة.

والنفقة لها آثارها في الآخرة وهذا لا يشك فيه أحد لأن الشاك فيه شاك بربه الذي أخبرنا في مواضع كثيرة من كتابه الكريم عن أجر النفقة والصدقة، وفي نفس الوقت فإن للنفقة في سبيل الله آثاراً في الدنيا كالزيادة في العطاء والرزق ودفع الخطر والمرض والشر، ولكن الذي ينفق في سبيل الله لا ينبغي أن يحصر كل تفكيره في الحظ الدنيوي إذ قد تقتضي حكمة الله تعالى أن يكون الرد على المنفق في الآخرة فقط، وربما يكون الرد عليه في الدنيا والآخرة وهو نور على نور، ما أريد قوله هو أنه لا تعطي من أجل أن تأخذ في الدنيا بل أعط من أجل الآخرة فإذا عاد عليك شيء من ذلك في دار الدنيا فهو كرم ولطف من الله عليك وأما إذا لم يعد عليك شيء من الدنيا في الدنيا فاعلم بأن عطاء الآخرة أعظم وأكبر وأبقى وأدوم.

ثم يتابع القرآن بيانه عن النفقة وآثارها وضرورة الإلتزام بها لكثرة ما يعود منها من الخير على الإنسان فيقول تعالى(أَيَوَدُّ أَحَدُكُمْ أَن تَكُونَ لَهُ جَنَّةٌ مِّن نَّخِيلٍ وَأَعْنَابٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الْكِبَرُ وَلَهُ ذُرِّيَّةٌ ضُعَفَاء فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ  يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَنفِقُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا كَسَبْتُمْ وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأَرْضِ وَلاَ تَيَمَّمُواْ الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ وَلَسْتُم بِآخِذِيهِ إِلاَّ أَن تُغْمِضُواْ فِيهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ  الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُم بِالْفَحْشَاء وَاللّهُ يَعِدُكُم مَّغْفِرَةً مِّنْهُ وَفَضْلاً وَاللّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ)

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى