الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

التأَهبُ لِلمَوْت

 

 

التأَهبُ لِلمَوْت

 

كما تجهز نفسك لاستقبال شخص عزيز لديك أو مهم عندك، أو كما تنتظر عملاً أو وظيفة تعتاش منها فتنتظر الرد بالساعات والدقائق والثواني، ولا تدري إن كان سوف يصل إليك منها شيء أو لا، فعليك أن تكون أشد استعداداً وأكثر تأهباً لاستقبال أمر عظيم حتمي الوصول والحلول، سواء دعوته إليك أم لم تدعه، وهو الموت الذي لا يفر منه هاربه ولا يتخلص منه كارهه ولا يتأخر عن طالبه.

والتأهب للموت في الغالب يجعلك أكثر عملاً وانتباهاً وحذراً من الوقوع في الأخطاء التي تلازمك تبعاته إلى قبرك وبرزخك ومحشرك، وأقول (في الغالب) لأن هناك أشخاصاً يتأهبون لاستقبال الموت وهم لم يعملوا صالحاً.

وقد ورد في هذا الشأن كثير من الآيات والعديد من الأحاديث عن أئمة البشر(ع) تزرع في داخلنا حب لقاء الله، وتحثنا على العمل الصالح الذي نواجه به أهوال الساعة ومخاطر ما قبلها من منازل الآخرة.

ويعظنا إمامنا السجاد(ع) في دعائه فيقول: فمن يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نُقلت على مثل حالي إلى قبر لم أمهده لرقدتي ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي، وما لي لا أبكي ولا أدري إلى ما يكون مصيري وأرى نفسي تخادعني وأيامي تخاتلني وقد خفقت عند رأسي أجنحة الموت فما لي لا أبكي أبكي لخروج نفسي أبكي لظلمة قبري أبكي لضيق لحدي أبكي لسؤال منكر ونكير إياي أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً حاملاً ثقلي على ظهري

وبهذه الكلمات العظيمة التي خرجت من قلب الإمام عندما كان يناجي ربه يصور لنا الحالة التي سيكون عليها الإنسان منذ لحظة قدوم مَلَك الموت مروراً بالقبر والبرزخ ووصولاً إلى اليوم العظيم، يوم يقوم الناس لرب العالمين، ذلك اليوم الذي كان مقداره خمسين ألف سنة لشدته وعِظَمه.

فلقد قال أمير المؤمنين وإمام المتقين علي(ع): إن العاقل ينبغي أن يحذر الموت في هذه الدار ويحسن له التأهب قبل أن يصل إلى دار يتمنى فيها الموت فلا يجده:

وفي هذا الكلام العظيم ثلاث محطات يجب التأمل بها لتكون الفائدة أنفع وأثمر:

المحطة الأولى: أنه(ع) يحث الناس على التفكر بالموت والتأمل بجميع ما يتعلق به حتى يحصل عندهم الحذر من حلوله وهم في حالة يغضب الله لها، وهذا يعني أن الإنسان يجب أن يحرص على أن تكون الخاتمة حسنة.

المحطة الثانية: وهو أن يحسن المرء تأهبه لهذا الأمر الإلهي العظيم الموت الذي هو من الغيب والذي يجب تحسينه عبر الطاعة في هذه الدنيا لأنه أمر خطير ومخيف ولو لم يكن لنا من بعد الحياة من المراحل الأخروية سوى حدث الموت لكان ذلك دافعاً لنا نحو الطاعة وحاجباً لنا عن ركوب الشر والعصيان.

المحطة الثالثة: وهو بيان حقيقة كبرى تختص بيوم الحساب وبالعقاب على وجه الخصوص وهي أن العاصي المستحق للعذاب يتمنى الموت لشدة العذاب فلا يموت لأنه في النار لا يوجد حياة ولا موت بل يوجد عذاب دائم، وإليه يشير تعالى بقوله(وَيَتَجَنَّبُهَا الْأَشْقَى  الَّذِي يَصْلَى النَّارَ الْكُبْرَى ثُمَّ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيَى)

وفي ذلك الموقف يندم الإنسان حيث لا ينفع الندم، ويتمنى لو أنه كان أحقر مخلوق في هذا الوجود بدل أن يكون إنساناً عاصياً قد أوصله سوؤه إلى هذا الموقف الحرج والعذاب الدائم الذي ليس فيه تخفيف أو هدنة، قال تعالى(الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْمًا عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيرًا  وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَا لَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلًا  يَا وَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلَانًا خَلِيلًا  لَقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَاءنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلْإِنسَانِ خَذُولًا) وقال سبحانه(إِنَّا أَنذَرْنَاكُمْ عَذَابًا قَرِيبًا يَوْمَ يَنظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَا لَيْتَنِي كُنتُ تُرَابًا)

 

الإِسْتِعْدَادُ للرَحِيل

 

على كل إنسان في هذه الحياة أن يستعد للرحيل سواء كان مؤمناً أم غير مؤمن، لأن الموت هو الأمر الوحيد الذي لا يشك فيه أحد، فقد يكفر الإنسان بالله ووجوده ووحدانيته وجنته وناره، ولكنه لا يستطيع أن يكفر بالموت، لأنه حق مفروض على كل ذي روح من البشر وباقي ذوي الأرواح، فلا يستطيع أن ينكر الموت لأنه يرى الموتى ويعلم بأنه سوف يلاقي المصير نفسه.

لقد قهر الله عباده بالموت، وأجبرهم عليه، فلا يستطيع أحد أن يفلت منه أو يفر من ملك الموت مهما كان قوياً وغنياً ومحصنِّاً نفسه من الأمراض والأخطار الخارجية، فإذا جاء الأجل فلا ينفع معه أية وقاية أو وسيلة، ولن يؤخره الله لحظة واحدة، فإذا جاء أجله فسوف يأتيه الموت ولو كان بين آلاف الناس ولو كان يسكن القصور الكبيرة والقلاع المحصنة(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ) وبعد هذه المقدمة يجدر بنا الإستعداد للرحيل الذي كان وما زال وشيكاً، فلا يدري واحد منا متى يموت، وفي أي مكان يأتيه ملك الموت(وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَّاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ) ولطالما حثنا النبي وآله على هذا الإستعداد وتمهيد الطريق لنواجه كل العقبات ونتخطى جميع الصعوبات ونجتاز تلك المواقف بثقة وثبات من دون خوف أو جزع، ولكننا لم نسمع كلامهم ولم نعمل بوصاياهم، مع أنهم دعوننا لما هو خير لنا، ففضّلنا خوض الشر وركوب الباطل، ونحن نعلم بأن العاقبة سيئة، حيث استسلمنا للشيطان الرجيم الذي كان همه الأكبر إغواء بني البشر، فإذا وجدك الشيطان مطيعاً له استملكك وأغراك حتى يُخسِرك الدنيا والآخرة في وقت واحد.

يجب علينا أن نقبل الموعظة ونعمل بها قبل فوات الأوان وحلول الأجل، فعند ذلك لا توبة ولا عمل ولا شفيع ولا منقذ لنا من عذاب الله عز وجل.

وقد اعتبر رسول الله(ص) أن التأهب للموت يدخل النور إلى صدر صاحبه حيث قال:إن النور إذا دخل الصدر انفسح، قيل هل لذلك من علم يُعرف به؟ قال نعم، التجافي عن دار الغرور والإنابة إلى دار الخلود والإستعداد للموت قبل نزوله:

والتأهب للموت هو أحد أبرز العوامل للإنابة إلى دار الخلود والتفكر فيما يأتي في تلك الدار من نعيم أو جحيم، ولذا حذرنا أمير المؤمنين(ع) عن الإشتغال في حوائج الدنيا من دون الرجوع إلى الله تعالى وطلب ما عنده فقال: إياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق عن ربك في طلب الدنيا: وقال(ع) من استعد لسفر قرّ عيناً بحضره: وقال: إن قادماً يقدم بالفوز أو الشقوة لَمستحق لأفضل العدة: بمعنى أن تعد العدة لأن تحصل على الفوز، والفوز هو أن تجتنب العذاب، وفيه قال تعالى(كُلُّ نَفْسٍ ذَآئِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَما الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلاَّ مَتَاعُ الْغُرُورِ) وقال(ص) :من ارتقب الموت سارع في الخيرات: وهو يعني أن ذكر الموت يدفع بالإنسان نحو العمل ويحثه على الحذر من سطوات الشيطان الرجيم الذي كان وما يزال سبب كل خطأ يصدر عن البشر لأنه عدو البشر كما هو عدو الإيمان وأهل الإيمان.

وقال أمير المؤمنين: إزهد في الدنيا واعزف عنها وإياك أن ينزل بك الموت وأنت آبق من ربك في طلبها فتشقى:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى