
حَقِيقَةُ الروْح
قبل أن نبدأ بالكلام حول أنواع الموت وأسبابه يجب أن نضع أمامنا فكرة أن الموت والحياة بيد الله عز وجل، وإن كانت الأنواع كثيرة والأسباب عديدة، فإن تعدد السبب لا يجعل قابض الروح أكثر من واحد.
والحديث عن أنواع الموت وأسبابه يحتم علينا البحث حول حقيقة الروح ليسهل علينا فهم المَطْلَب وإدراك المقصود بكل كلمة ترد فيه.
فهذه الروح سر من أسرار الله عز وجل لم يطلع أحداً من خلقه على حقيقتها فهي المحرك للبدن والأحاسيس والمشاعر وهي الحاكمة على النفس والقلب والعقل وإن كان لكل جهة من هذه الجهات وظائفه الخاصة فإنه إذا خرجت الروح من الجسد تعطلت وظائف العقل والقلب والحواس لأنها تقترن بالروح اقتراناً وثيقاً مما جعل بعض علماء النفس بأن القلب والعقل والنفس هي الروح، والصحيح أنها غير الروح بدليل أن فاقد العقل إنسان حي يذهب ويجيئ ويأكل ويشرب وينام ويستيقظ ويسعى ويعاشر الآخرين، ومن هنا فإننا نخالف رأي الفلاسفة الذين يدعون بأن العقل هو الروح أو القلب هو الروح لأن هذه النظرية لا تخالف الشرع فحسب وإنما تخالف المنطق السليم والواقع الصحيح.
والروح سر من أسرار الخالق سبحانه وتعالى وهو القائل في كتابه العزيز(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) والمقصود بالروح هنا هي الروح التي تعتبر مصدر الحياة لعدم وجود قرينة تصرف الذهن إلى معنى آخر كما ذهب بعض المفسرين إلى كون المراد بالروح ملكاً عظيماً من ملائكة الله كان ملازماً لرسول الله محمد(ص)
نحن نؤمن تماماً بأن النبي كان مسدداً بالملائكة بأمر الله تعالى، ولكن هذا الإعتقاد لا يدفع بنا نحو الإعتقاد بكون المقصود بالآية المذكور هو ذلك الملك العظيم وذلك لعدم وجود قرينة دالة على هذا المعنى سوى رواية وردت في المقام لا يمكن التعويل عليها، وإنما المعوّل عليه هو جواب الباقر أو الصادق لأبي بصير عندما سأله عن معنى قوله تعالى(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُم مِّن الْعِلْمِ إِلاَّ قَلِيلاً) فقال(ع) :التي في الدواب والناس: وقد رجحنا هذا المعنى على المعنى الذي ذهب إليه بعض المفسرين خصوصاً وأن لفظ الروح له أكثر من معنى، وقد استعمله القرآن الكريم للدلالة على عدة معان:
منها: وهو المعنى الأساسي للروح الذي يتبادر إلى الأذهان مباشرة بمجرد سماع اللفظ الدال عليه من دون أية قرينة متصلة أو منفصلة وهو أنها مبدأ الحياة التي يقوى بها الحيوان على الحركة ونقصد بالحيوان كل حي ذي روح، وهو الذي عبّر عنه المناطقة بالحساس المتحرك بالإرادة في مقابل الحياة الأخرى الخاصة بالنبات.
ومنها: أن معنى الروح هو العلم الذي يعتبر حياة للقلوب والعقول حيث يعبّر بعضهم عن الجهلاء بالموتى التي تتحرك على الأرض، وإلى هذا المعنى يشير القرآن الكريم بقوله(أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ) أي أو من كان منكم جاهلاً فعلّمناه، والعلم كما يعلم الجميع روح الحياة إذ لولا العلم لما ازدهرت حياة البشر ولما استمرت.
ومنها: أن الروح هي القرآن الكريم وقد استعمل سبحانه هذا اللفظ للدلالة على كتابه العزيز لأنه روح الأرض والعقول والقلوب والنفوس ومن سار على نهج القرآن فقد حيا حياة حقيقية، قال تعالى في سورة الشورى(وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا مَا كُنتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ) فإذا كان العلم العادي روحاً للبشر فإن القرآن الكريم أجدر بهذه الصفة من باقي المعارف والعلوم لأنه رأس كل علم ومعرفة.
ومنها: أن الروح هي الأمر بالشيء والإذن به قال تعالى(تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا) أي الأمر معها، ويمكن أن يكون المراد بالروح هنا أمراً آخر نحن لا نعرفه.
ولعل قوله تعالى(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ) ناظر إلى هذا المعنى والله أعلم وربما يكون المقصود بالروح هنا الأمر والإذن.
ومثله قوله سبحانه(يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا) والذي يجعلنا نؤيد فكرة أن الروح المقصودة بقوله تعالى(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ) هي الروح التي في الحيوان وليس الملك العظيم هو أولاً: عدم وجود قرينة تصرف الذهن إلى ذلك المعنى، وثانياً قوله تعالى(يُنَزِّلُ الْمَلآئِكَةَ بِالْرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنذِرُواْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ أَنَاْ فَاتَّقُونِ) فقال بالروح ولم يقل والروح أو مع الروح، وقد وردت بعض الآيات توحي بأن الروح ملك من الملائكة كما في قوله(تَعْرُجُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ) ولكن هذا لا يؤكد كون الروح ملكاً إذ يصح استعمال هذه العبارة في الأمر فلا مانع من أن تكون الملائكة قد عرجت ومعها الأمر الإلهي.
الشيخ علي فقيه



