
حَالُ أَهْلِ المَيت
وينتقل الإنسان من حالة النزع والإحتضار إلى حالة الموت حيث تخرج روحه من جسده فيصبح جثة هامدة لا نَفَسَ ولا حركة ولا بصر ولا سمع، فمنهم من يصدق بالأمر، ومنهم من يسيطر عليه الوهم فيظن بأنه لم يمت لأنه ما زال أمام عينيه، فيلجأ إلى فلان وفلان ويطلب منهم المساعدة فيأتيه الجواب بالنفي لأن ما نزل بهذا الميت أمر حتمي لا يقدر على رفعه سوى الخالق القدير الذي كتب علينا الموت وجعله من أهم سنن الحياة، فهو باب الآخرة وأحد أكبر عوامل الإمتحان في هذه الدنيا، وقد أشار القرآن إلى هذه الناحية بقوله تعالى(تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ)
أي ليمتحنكم في هذه المرحلة لأنكم لم تُخلَقوا عبثاً، وقد امتحن الله تعالى جميع الناس من الأولين والماضين، وسوف يجري هذا الإمتحان على كل من يأتي بعدنا(أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) فعندما تخرج روح الإنسان من جسده يقف أهله عنده باكين متأسفين متحسرين على فقد حبيبهم، ومن الطبيعي أن يحزن الإنسان على فراق أحبته وأهله، ولكن لا ينبغي للحزن أن يجرنا نحو معارضة حكم الله وقضائه أو نحو ارتكاب الحرام بل يجب أن نتجمل بالصبر فهو الوسيلة الوحيدة للترويح والتخفيف فيجب عند المصاب أن نذكر الله ونحمده على كل حال فهو خالقنا ومالكنا يفعل بنا ما يشاء يحيينا ويميتنا ولا يُسأل عما يفعل فله الحكم وله الأمر فهو الذي أعطى وهو الذي أخذ، فعند المصيبة يجب علينا أن نلجأ إلى الله تعالى ونطلب منه الإعانة على الصبر والله يحب ذلك من عباده فهو يرحمهم ويصلي عليهم إذا لجؤوا إليه، قال تعالى(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) بهذه الطريقة الإيمانية كان يواجه الأنبياء والأولياء ما ينزل بهم من محن وشدائد ومصائب، أما أن نفقد صوابنا وصبرنا ونكفر ونتكلم بكلام لا يجوز التفوه به أو نضرب وجوهنا ونمزق أثوابنا كما تفعل كثيرات من النسوة عند نزول المصيبة عليهن، وكذلك يفعل بعض الرجال أيضاً فذلك أمر مبغوض عند الله ومرفوض في الشريعة السمحاء.
فمن كان يرجو رحمة الله وثوابه له ولميته فليصبر وليدعو للميت بالرحمة والمغفرة، فإن هذا خير ما يفعله أهل الميت، وقد ورد أن الإمام الصادق(ع) مرّ بأهل ميت يبكون ميتهم فقال ما يبكيكم فقال لقد مات لنا حبيب فقال(ع) : إعتبروه مسافراً فإن لم يرجع إليكم ذهبتم أنتم إليه:
وهذه هي الحقيقة التي ينبغي أن نفهمها فلربما لم نلبث بعد ميتنا سوى وقت قصير، فإذا صبرنا على فقده وسلّمنا الأمر لله وكُتب علينا الموت فسوف يجمعنا الله به، أما إذا فعلنا غير ذلك فسنموت بحسرتنا ولا نحصل على ما نأمل.
فلا يجوز لنا أن نظهر عبارات الإستنكار والإعتراض ونقول لماذا أخذته يا رب، فإنه ما زال في مقتبل العمر، وغير ذلك من العبارات التي نسمعها في مناسبات الموت والتي تنبئ لنا عن نقص في الإيمان وفقدٍ لعامل الصبر الذي هو جزء من الإيمان فإن الإيمان من دون صبر يعتبر في الموازين الإلهية ناقصاً.
وهناك سر إلهي في موضوع الفراق فهناك أشخاص يظنون أنهم إذا فقدوا أحد أهلهم فسوف يفقدون صبرهم وهم لا يظنون بأنهم قادرون على مواجهة الموقف، ولكن هناك أموراً غيبية تتدخل فتلقي الصبر في قلب الإنسان كيلا يفقد عقله وصوابه ويخسر إيمانه، فلقد ورد عن الإمام الصادق(ع) أنه قال: إن الميت إذا مات بعث الله عز وجل ملكاً إلى أوجع أهله عليه فمسح على قلبه فأنساه لوعة الحزن لولا ذلك لم تعمر الدنيا:
الشيخ علي فقيه



