
هَلْ يَرَى المَيتُ وَيَسْمَعُ مَا حَوْلَه
إن الموت وما يتعلق به كلها أمور من الغيب، ولا يمكن لأحد من الناس أن يعلم الغيب من تلقاء نفسه إلا إذا أطلعه ربه على شيء منه، لأن الغيب من اختصاص الله وحده، وقد ذكر لنا القرآن الكريم هذه الحقيقة في مواضع كثيرة، ففي سورة الحشر(هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) وفي سورة التغابن(عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) وفي سورة الأنعام(وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لاَ يَعْلَمُهَا إِلاَّ هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلاَّ يَعْلَمُهَا وَلاَ حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الأَرْضِ وَلاَ رَطْبٍ وَلاَ يَابِسٍ إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ) ومن جملة الأمور التي لم يكن لنا أن نعرفها لولا النبي وآله(ص) مسألة هل أن الأموات يرون ويسمعون؟ وهذا ما يسأل عنه كثير من الناس من باب حب المعرفة أو من باب تطمين نفوسهم عندما يحل بهم هذا السر الإلهي الكبير.
لقد ورد أن الروح عندما تخرج من الجسد تبقى في مكانه، وتستقر فوقه، فهي ترى وتسمع كل ما يدور حول الجسد، ولكنها تسمع بنظام الآخرة وليس بنظام الدنيا المرتبط بالآلات والجوارح، فهي ترى من دون عين، بل هي أبصر من العين، حيث قد ترى الروح ما لا تراه العين، وما العين سوى واسطة لنظر الروح في الحياة الدنيا، حيث لا عمل للجوارح من غير روح، والدليل أن هذا الجسد الذي تستخدمه الروح في الدنيا ما هو إلا أداة لها هو أنه عند الموت يبدأ بالتفكك والإهتراء فيصبح طعاماً للحشرات، وجاء في تعريف حقيقة الروح أنها جوهر ملكوتي يستخدم الجسد في حاجاته، فإذا انفصلت الروح عن الجسد فلن تعود إليه إلا في يوم النشور يوم ينفخ في الصور فيأتي الناس أفواجاً.
وورد أن الروح تواكب الجسد من لحظة الوفاة إلى القبر فتمكث في القبر فترة ثم تنتقل بعلم الله تعالى إلى عالم البرزخ، وما أريد أن أقوله هو أن كثيراً من الناس وقعوا في شبهة تجاه عودة الروح للجسد، وذلك من خلال سؤال الإنسان في القبر حين يأتي منكر ونكير لسؤاله فيتوهم الناس بأن الروح في القبر ترجع إلى الجسد، وهذا خطأ، لأن السؤال الذي يطرحه الملكان هو للروح وليس للجسد، ولكن شاءت إرادة الله تعالى وحكمته أن يطرح هذا السؤال على الروح وهي بالقرب من الجسد في تلك الحفرة المظلمة، ولنا بحوث مطولة عندما يصل الكلام إلى موضوع القبر وما يرى فيه الإنسان وماذا يشعر.
لقد ورد أن رسول الله(ص) وقف على القتلى ببدر وقد جمعهم في قَلِيب فقال: يا أهل القليب إنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقاً فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً؟ فقال المنافقون إن رسول الله يكلم الموتى فنظر إليهم فقال : لو أُذن لهم في الكلام لقالوا نعم وإن خير الزاد التقوى: وفي حديث آخر قال: بل هم أسمع منكم:
وقوله(ص) لو أذن لهم، يوحي بكل وضوح أنهم يسمعون ولكنهم لا يستطيعون النطق، وغالبية الناس يعتقدون ذلك فإن أغلب الناس إذا وقفوا على ميتهم خاطبوه وكأنه حي بينهم.
الشيخ علي فقيه



