الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

اللهُ يَتَوَفى الأَنْفُس

 

 

اللهُ يَتَوَفى الأَنْفُس

 

وفي مجال حقيقة الموت المشار إليها عن طريق النبي(ص) والإمام الصادق(ع) قال سبحانه وتعالى(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)

نلاحظ بأن القرآن هنا يوجه أنظارنا نحو التفكر لأن التفكر فوق كونه عبادة فهو باب من أبواب المعرفة حيث أن كثيراً من المعارف يتوقف فهمها وإدراكها على التفكر.

فقوله سبحانه(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا) يشبّه عملية نزع الروح بنزع النفس التي قُصِد بها الحواس الخمس، فإن الحواس تُرفع في حالتي الموت والنوم، أما في حالة النوم فهي ترتفع ثم تعود بإذن الله حين الإستيقاظ لأن وجود الروح يستدعي رجوعها لمتابعة الحياة بشكل سليم، وأما في حالة الموت فلا حاجة إلى رجوع النفس لأن الروح سوف تخرج من الجسد، ووجود الحواس من دون الروح لا قيمة له ولا ثمرة، حيث لا حواس من دون روح لكونهما مرتبطين ارتباطاً وثيقاً، وذلك أنّ الروح هي المحرك الأول للبدن والأحاسيس والمشاعر القلبية والعقلية والنفسية، فإذا خرجت الروح فلا يبقى مكان لتلك القوى والأحاسيس.

وإلى هذا الأمر يشير القرآن بقوله(فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي إلى أن يحين موعد خروج الروح فتخرج الحواس حينئذ من دون رجعة.

وهذا الكلام يؤيد فكرة تشبيه الموت بالنوم، فهو يشبهه من جهاته كلها إلا من جهة الوقت فإن الموت أمده طويل يمتد حتى يوم القيامة، بخلاف النوم الذي هو الموت الأصغر الذي يتكرر في كل يوم وليلة.

 

المَوْتُ أَحَدُ ثَلاثَةٍ

مهما أطلنا الكلام حول حقيقة الموت تبقى الحاجة إلى معرفتها ملحة وضرورية، حيث يتوقف على معرفتها كثير من المعارف الأخرى، بل يتوقف على معرفتها كثير من الأعمال والإلتزامات الدينية، لأن الإنطلاق من خلال المعرفة هو الإنطلاق الصحيح الذي يدعو إلى السير في الجادة المستقيمة التي أمرنا الله تعالى بالعبور فيها بهدف نيل الرضوان والفوز بالجنان.

فق قيل لأمير المؤمنين عليٍّ(ع) صف لنا الموت؟ فقال(ع) : على الخبير سقطتم، هو أحد ثلاثة أمور يرد عليه، إما بشارة بنعيم الأبد وإما بشارة بعذاب الأبد وإما تحزين وتهويل وأمر مبهم لا يُدرى من أي الفِرَق هو:

ونلاحظ عبر ما ورد في هذا الوصف للموت أنه ثلاثة أنواع:

النوع الأول: أن يكون الموت هيناً ليناً، وهذا النوع يحمل معه البشارة لصاحبه بنعيم الأبد والجنة التي أعدها الله عز وجل لعباده المؤمنين، والعاقل المؤمن هو الذي يسعى لأن يكون موته من هذا النوع فإنه إذا لم يربح هذا النوع فقد خسر نفسه إلى الأبد، ولا يجد بعد ذلك مَنْ يخلصه من العذاب، والأمر في غاية الخطورة لأن الفرصة المفتوحة لك في دار الدنيا لن تتكرر مرة أخرى، فإذا مات الإنسان انقطع عمله وأغلق باب فرصته، فإذا كان من المطيعين نجا من أهوال منازل الآخرة، أما إذا كان مستهتراً بالأمر فسوف يقتله الندم ألف مرة حيث لا ينفعه ندمه، ولا تخلصه حسرته، ولا يشفع له بكاؤه.

النوع الثاني: وهو أن تكشف عملية الموت للإنسان عن مصير سيء وطريق مظلم ينتهي بصاحبه إلى عذاب دائم لا مفر منه ولا خلاص ولا نهاية ولا تخفيف ولا هدنة، وما ربك بظلام للعبيد، لأن الإنسان هو الذي بإمكانه أن يحدد مصيره في يوم الحساب عن طريق عمله في دار الدنيا، فإن كان العمل صالحاً صلح صاحبه وفاز فوزاً عظيماً، وأما إذا كان العمل سيئاً فليستعد صاحبه لأنواع من العذاب، واعلموا بأنه تعالى خلقنا في هذه الحياة وخيّرنا بين طريقي الحق والباطل والخير والشر والإيمان والكفر، فكل إنسان منا قادر على أن يجر نفسه نحو النعيم أو الجحيم، والنعيم لا يدرك بالتمني وإنما يدرك بالطاعة الصادقة.

فالأمر رهن إشارة الإنسان وهو مرتبط بسلوكه في هذه الحياة، فلا يكفي أن يقول المرء أنا مؤمن بالله، بل لا بد من العمل بما يفرضه عليك الإيمان، ولقد أكد القرآن في مواضع كثيرة على ترجمة الإيمان بالعمل،الأمر  كشف عن كون الإيمان المجرد لا قيمة له في موازين الآخرة، قال تعالى(الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ طُوبَى لَهُمْ وَحُسْنُ مَآبٍ) وفي سورة إبراهيم(وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلاَمٌ) وفي سورة الكهف(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا  أُوْلَئِكَ لَهُمْ جَنَّاتُ عَدْنٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِن ذَهَبٍ وَيَلْبَسُونَ ثِيَابًا خُضْرًا مِّن سُندُسٍ وَإِسْتَبْرَقٍ مُّتَّكِئِينَ فِيهَا عَلَى الْأَرَائِكِ نِعْمَ الثَّوَابُ وَحَسُنَتْ مُرْتَفَقًا) وفي سورة مريم(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا)

النوع الثالث: وهو نوع من العذاب الجزئي والخفيف يعاقب به الله بعض المسيئين الذين لا يستحقون العذاب الأبدي، فهو يشعر بالخوف عند الموت والحيرة في شأنه فيرتجف لجهله بمصيره.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى