
لا نَعْلَمُ مِنْهُ إلا خَيْراً
قد تنطبق هذه الشهادة على الإنسان وتقع في محلها إذا كان من أهل الخير والتقوى والصلاح وصاحب يد بيضاء لعيال الله، لا يؤذيهم بقول أو فعل، ولا يصدر عنه القبيح، فإذا كان كذلك كان ممن شملتهم هذه الشهادة وأثرها، لأن لهذه الشهادة أثراً على عاقبة الإنسان إن لم يكن بسبب فعله فبسبب هذه الشهادة التي لن يخيبها الله إذا صدرت من المؤمنين، ولذلك ورد في الشريعة حول آداب الدفن أن يُكتب على ورقةٍ هذه الشهادة من أربعين مؤمناً وتوضع معه في القبر، وقد لا تنطبق هذه الشهادة عليه إذا كان ظالماً أو فاجراً أو منافقاً أو عاصياً أو كان ممن يكره الناس وجوده والعيش معه بسبب سلوكه السيء معهم، وهذا النموذج من الناس هو الأكثر انتشاراً في بقاع الأرض، وهؤلاء في المبدأ لا يستحقون الرحمة ولكننا نحن ندعو بالرحمة لكل مسلم ومسلمة لأنهم إذا ماتوا فقد أصبحوا في ذمة الله وبين يديه وقد احتاجوا إلى رحمته وهو تعالى غني عن عذابهم، ولكن هذه الرحمة غير مضمونة لأنها لم تقم على الأسس الأولية التي فرضها الله علينا، وهناك فرق بين أن تموت وأنت تعلم مصيرك وأن تموت وأنت تجهله بسبب سوء فعلك، وصحيح أننا لا نستحق كل ذلك الثواب بأعمالنا الصالحة ولكن العمل وإن كان قليلاً إلا أنه تعبير منك عن حبك لله وخوفك منه وطاعتك له، فإذا كنت ملتزماً بأوامر ربك ونواهيه فعند ذلك تقول كما قال الإمام زين العابدين(ع) في دعائه: لسنا نتكل في النجاة من عقابك على أعمالنا بل بفضلك علينا: أما إذا كنت من أهل المعصية فلا تنتظر الرحمة، لأنه كان باستطاعتك أن تطيع ربك في الحياة فاستسلمت للشيطان الرجيم واتبعت هواك فكنت مشمولاً تحت قوله تعالى(فَأَمَّا مَن طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإِنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى)
وعند ذلك لا تنفعك شهادة الشاهدين ولا شفاعة الأحباب والأهل والأصدقاء لأنك لم تمهد الطريق أمام تلك الشفاعة ولم تُبقِ لها مكاناً في ميزان الآخرة.
إعمل بكلام علي(ع) الذي قال: خَالِطُوا النَّاسَ مُخَالَطَةً إِنْ مِتُّمْ مَعَهَا بَكَوْا عَلَيْكُمْ، وَإِنْ عِشْتُمْ حَنُّوا إِلَيْكُمْ: وكيف سيكون حالك عندما تتبدل تلك الشهادة فيك، فبدل أن يقول الناس فيك لا نعلم منه إلا خيراً فسوف يقولون: لا نعلم منه خيراً:
هناك أشخاص إذا ماتوا بكت الناس عليهم، وربما الملائكة في السماء، لأنهم بموتهم أحدثوا فراغاً هائلاً بين الناس لا يسده شيء، فتبكي الناس عليهم، ويدعون لهم بالرحمة والمغفرة، لأنهم أهلٌ لذلك نتيجةً لأعمالهم الصالحة في دار الدنيا، وهناك أشخاص إذا ماتوا أراحوا الناس من وجودهم وفجورهم وسوء أفعالهم وأخلاقهم، وإنه وإن لم يصرح الناس بذلك لقبح الشماتة إلا أنهم في قرارة أنفسهم يقولون لقد أراحنا الله من وجوده، وهذه الشهادة الباطنية لوحدها تكفي لإلقائك في العذاب، ولذ قال رسول الله(ص) : مستريح ومستراح منه، العبد المؤمن يستريح من نَصَب الدنيا وأذاها إلى رحمة الله تعالى، والعبد الفاجر يستريح منه العباد والبلاد والشجر والدواب:
وقال(ص) في حديث آخر: الناس اثنان، واحد أراح وآخر استراح، فأما الذي استراح فالمؤمن إذا مات استراح من الدنيا وبلائها، وأما الذي أراح فالكافر إذا مات أراح الشجر والدواب وكثيراً من الناس:
وقد قيل له: يا رسول الله إنه مات فلان فاستراح فقال(ص) إنما استراح من غُفر له:
وقال علي(ع) : موت الأبرار راحة لأنفسهم وموت الفجار راحة للعالَم:
الشيخ علي فقيه



