
الْقَبْرُ أَوَّلُ مَنَازِلِ الآخِرَة
القبر: هو المكان الذي ندفن فيه الموتى، وهو المقر الأول بعد انتقال الإنسان من دار الدنيا إلى دار الآخرة، لأن القبر أول منازل الآخرة، وهو ذلك المكان الموحش الذي يُدخل الرعب إلى القلوب، وهو بيت الوحدة والوحشة والدود والغربة كما عبّر عن ذلك أمير المؤمنين(ع) لدى عودته من صفين ومروره على مقبرة في ظهر الكوفة حيث قال(ع): : يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفِرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فَرَط سابق ونحن لكم تَبَع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قُسِمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خيرُ الزاد التقوى:
والقبر موعظة لنا، وتذكير باليوم الذي سوف ننتقل به من الدور والقصور فنصبح من سكان القبور، ننتقل من ضوء إلى ظلام، ومن سعة إلى ضيق، ومن أنس إلى وحشة، ومن بين الأهل والأحبة إلى الوحدة والوحشة، حيث لا حسيس ولا أنيس ولا جليس، وهو المقر الذي قال النبي(ص) فيه:إن القبر أول منازل الآخرة، فإن نجا منه فما بعده أيسر منه، وإن لم ينج منه فما بعده ليس أقل منه:
وقال(ص) :أول عدل الآخرة القبور، لا يُعرف وضيع من شريف:
وقال(ص) :ما رأيت منظراً إلا والقبر أفظع منه:
وهو البيت الذي قال فيه الصادق(ع):إن للقبر كلاماً في كل يوم يقول أنا بيت الغربة أنا بيت الوحشة أنا بيت الدود أنا القبر أنا روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار:
ويقول الباقر(ع) واعظاً: أنظروا إلى هذه القبور سطوراً بأفناء الدور، تدانَوا في خِططهم، وقرُبوا في مَزارهم، وبَعُدوا في لقائهم، عمّروا فخربوا وأَنِسوا فأُوحِشوا، وسكنوا فأُزعجوا، وقطنوا فرحلوا:
وفي بيان القبر وأخذ العظة منه قال أمير المؤمنين(ع): يا ذَوي الحِيل والآراء والفقه والأنباء، فكأنكم بالنفوس قد سُلبت وبالأبدان قد عَريت، وبالمواريث قد قُسّمت، فتصير يا ذا الدلال والهيبة والجمال إلى منزلة شعثاء ومحلة غبراء فتُنَوَّمُ على خدك في لحدك في منزل قل زواره وملّ عمّاله حتى تُشقَّ عن القبور وتُبعثَ إلى النشور:
وقال علي(ع) : ضع فخرك واحطُط كِبرَك واذكر قبرك فإن عليه ممرك:
فالقبر هو المكان الذي سوف نوضع فيه عندما تخرج أرواحنا من أجسادنا، وما علينا أمام تلك الأوصاف له والمواعظ منه إلا أن نسأل عما يهوّن علينا وطأته وشدته، فنسرع للعمل حيث لا يؤنسنا فيه إلا عملنا الصالح، فإن للمؤمن في القبر حالة خاصة، وإن الله تعالى يخفف عنه، أما غير المؤمن فيا ويله ويا حسرته مما سوف يمر عليه من الشدائد في تلك المحنة، وفي هذه العاقبة قال(ص) : إذا حُمل عدو الله إلى قبره نادى من تبعه يا أخوتاه إحذروا مثل ما وقعت فيه إني لأشكوا إليكم دنيا غرتني حتى اطمأننت إليها صرعتني:
الشيخ علي فقيه



