الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

المَوْتُ بِيَدِ اللهِ سُبْحَانَه

 

 

المَوْتُ بِيَدِ اللهِ سُبْحَانَه

 

قال تعالى في سورة الحديد(لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وفي سورة البقرة(إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ) وفي سورة آل عمران(وَاللّهُ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَاللّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) وفي سورة الأعراف(قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُواْ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ) وهناك عشرات الآيات التي تتحدث عن هذه العملية الخاصة بالله سبحانه وتعالى، وقد عرفنا في السابق أن الله عز وجل هو الذي يتوفى الأنفس ويأمر ملائكته بقبض الأرواح، وحول هذه الحقيقة يوجد العديد من التساؤلات التي تصدر من الناس بأهداف عديدة، منها بهدف المعرفة، ومنها بهدف الطعن بالقدرة الإلهية المنزهة عن كل طعن وإشكال، إذاً هناك عيب، وهذا العيب ليس في القدرة، بل هو في أفهام الناس المنغلقة والمتحجرة، والتي لا تريد أن تصل إلى الحقيقة كفراً وعناداً.

ومن الذين تدخلوا في شأن القدرة وادعوها لأنفسهم كذباً وافتراءاً نمرود بن كنعان الذي دار بينه وبين خليل الله إبراهيم(ع) نقاش حول موضوع الإحياء والموت حيث قال له إبراهيم إن الله يحيي ويميت فادعى نمرود ضلم لنفسه بدعوى أنه يقتل من يشاء من الناس ويبقي من يشاء وهذا كلام أوهن من بين العنكبوت لأنه وغيره دون الله عاجزون عن ذلك فلو كان نمرود قادراً على الإحياء فلماذا لم يحي نفسه بعد أن أماته الله عز وجل، وقد ذكر القرآن هذه الحادثة في سورة البقرة حيث يقول(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رِبِّهِ أَنْ آتَاهُ اللّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللّهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) وبهذا الكلام أسكته إبراهيم وأظهر للناس فساد قوله ونظريته وادعائه.

ومن الناس اليوم من يدعون ذلك بطريقة أخرى، فهم لا يدَّعون القدرة على الإحياء لعلمهم بالعجز الواضح عن فعل ذلك، ولكنهم يشككون الناس حول مسألة الموت وأنها ليست بيد الله تعالى، فيقولون كيف يكون الموت بيد الله والإنسان منا قادر على أن يقتل نفسه متى شاء أو لا يقتلها فيبقى على قيد الحياة؟ وهذا وهم واضح وافتراء بيّن لأنه إذا لم يقتل المرء نفسه فما الذي يدرينا أنه سوف يبقى على قيد الحياة، إذاً..هناك أسباب كثيرة للموت قد ينزل بالإنسان أحدها فيفقده الحياة.

وهذه شبهة تجب إزاحتها، فإن القدرة الإلهية أوجدت الكون ووضعت له أنظمته انطلاقاً من قوله تعالى(إنا كل شيء خلقناه بقدر) أي أن النظام الكوني ينسجم من أنظمة الأرض، فلا الشمس تقترب منها فتحرقها، ولا القمر يدنو منها فيبطل مفعول نوره، ولا الشمس تسبقه، ولا الليل يسبق النهار، فمن أراد أن يجلب الرزق لنفسه فإن القدرة جعلت له وسيلة، وهي السعي، فإنه من دون سعي لا يحصل الإنسان على الرزق، ومَنْ طَلَب الولد فلا بد له من الزواج والإتصال الجنسي مع شريكه، وعلى سبيل المثال أيضاً فإن الرياح الشديدة لا تؤثر على المخلوقات الصغيرة كالنملة، حيث خلق الله لها ما تثبت بها أقدامها وأرجلها في الأرض حفاظاً على حياتها ووجودها، والذي يريد البقاء يلزمه أن يأكل ويشرب ويعالج نفسه من الأمراض ويحميها من الأخطار والهلكات، وقد أمرنا الله سبحانه بالحفاظ على أبداننا من أجل أن تستقيم الحياة ونهانا أن نلقيها في التهلكة، فمصدر الحياة هو الله عز وجل فهو الذي يحيي ويميت ولكن بشرط أن يحافظ الإنسان على روحه فمن أراد أن يقتل نفسه فلا يمنعه الله من ذلك وإنما يحرم عليه ذلك بشدة لأن قتل النفس والإنتحار من كبائر المحرمات، فقبض الروح بيد الله عز وجل ولكن كثيراً من أسباب طرد الروح وإخراجها من الجسد ومن دائرة الحياة الدنيا فهي بيد الإنسان، فلو لم يكن ذلك بيد الإنسان لما نهانا الله عن إلقاء أنفسنا في التهلكة، فأنت في الحياة مخير تشريعياً بمعنى أنك تستطيع أن تطيع وتستطيع أن تعصي ومخير تكوينياً بنحو جزئي، وأقيد الكلام هنا لأنك ليست مخيراً تكوينياً بشكل مطلق فإن هناك أموراً لا علاقة لها بالإنسان فأنت لا تستطيع أن تتصرف في الكون وأنظمته لأن ذلك بيد الله تعالى فلا تستطيع أن تؤخر شروق الشمس أو غروبها ولكنك تستطيع أن تتصرف ببعض الأمور التكوينية الخاصة بك وببعض من حولك وما حولك، فتستطيع مثلاً أن تغير بعض المعالم كأن تصلح أرضاً للزراعة أو تبني بناءاً أو تهدم آخر، وتستطيع أن تجري عملية جراحية تحافظ بها على حياة الإنسان لأن الروح في الغالب ترتبط بالجسد فإذا لم يكن الجسد صالحاً لبقاء الروح فيه فلن تيقى، فقد تبقى الروح مع قطع اليد أو الرجل أو استأصال بعض الأمعاء التي لا تخل بنظام الروح من حيث البقاء وعدمه، أما أن يقطع رأس الإنسان فهذا لا يصلح بعد ذلك لأن يكون ظرفاً لتلك الروح، هذه بعض الأسباب لبقاء الروح أو عدم بقائها، ولكن هذا لا يعني أن الإنسان إذا حافظ على روحه من الأخطار أنه سوف يخلد في الحياة لأن هناك شيئاً إسمه الأجل فإذا جاء الأجل توفي الإنسان بألف سبب وسبب وفي الغالب يكون السبب غامضاً، وهذا ما يعبر عنه الناس بموتة ربه، مع أن كل الموتات هي موتات الله تعالى ولكن الناس يعبرون عن الموت الغامض بموتة الرب وعن الموت الناتج عن سبب بيّن وظاهر بالموت المقرون بسبب ظاهر كمن يقع من مرتفع أو تصطدم به سيارة أو يموت بالرصاص وغير ذلك من الأسباب الواضحة، هذه هي الحدود المقدور عليها من قبل الإنسان حول التكوين، فموضوع الحياة والموت الذي ندعي أنه بيد الإنسان هو أن السبب بيده أما مسألة خروج الروح فهي بيد الله وحده، والخلاصة أن الإنسان عاجز عن البقاء على قيد الحياة وعاجز عن إخراج روحه أو روح غيره إذا أراد الله لها البقاء.

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى