مُنْتَهَىْ الرشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد
وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ

وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيهَا الْمُؤْمِنُونَ
قال الله تبارك وتعالى في سورة النور(وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)
لقد خلق الله تعالى الإنسان، وأسكنه الأرض، واستخلفه فيها، وجعل فيه قوىً رحمانية وأخرى غير ذلك، ليستقيم بذلك الإمتحان الذي بسببه أوجدنا في الحياة، فخلق في كل إنسان عقلاً وشهوة، وبسبب رحمته الواسعة جعل قوة العقل أقوى من أية قوة أخرى.
وجعل الناس مخيَّرين في المسائل التشريعية، فلم يُجبر أحداً على فعل الطاعة، ولم يُكره أحداً على ارتكاب الحرام، وفيه قال سبحانه(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا * إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ مَنْ أَحْسَنَ عَمَلًا)
لقد بيّن لنا أنّ الإنسان مخير بين الكفر والإيمان، وبالتالي بين الطاعة والعصيان، وقد كشف لنا عن عاقبة كلا الطريقين، فالذين يؤمنون ويعملون الصالحات فإنه عز وجل لن يضيع لهم أي عمل، وأما الذين كفروا أو عصوا فإن لهم عذاباً أليماً(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
وبسبب رحمته الواسعة لم يعجّل العقوبة على الذنب بل يؤخرهم إلى أجلٍ مسمى علّهم يتوبون من تلك المعاصي، ومن نعم الله على الإنسان أنه إذا غفر لعبده فلا يذكر له يوم القيامة هذا الذنب الذي غفره وكأن الإنسان المستغفر من الذنب لم يرتكب الذنب من الأساس، وهذا ما أشار إليه مولانا زين العابدين(ع) في دعائه حيث قال:وتحلُم عنّي حتى كأني لا ذنب لي:
وقد ورد في الحديث: أن التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه: وورد أيضاً: أن التائب من الذنب كيوم ولدته أمه:
فالتوبة أبرز مصاديق الرحمة الإلهية، وهي الفرصة الممتدة من يوم التكليف إلى آخر لحظة في الحياة ما لم يعايِن الإنسان ملَك الموت، وليس على الإنسان العاقل سوى استغلال هذه الفرصة الذهبية التي تذهب بالسيئات وتبعاتها مهما كانت كبيرة وكثيرة لأن رحمة الله تعالى أوسع من كل شيء.
ورغم سعة رحمة الله عز وجل يبقى النظام الذي وضعه تعالى لهذا السلوك حاكماً على الموقف، فهناك أشخاص يقبل التوبة عنهم، وأشخاص يرد توبتهم عليهم فيرفضها لأنها لم تحصل ضمن الشروط الموضوعة للتوبة، وقد وضع القرآن الكريم ميزاناً للتوبة حيث قال سبحانه(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً * وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا)
ولكي تكتمل الموعظة حول التوبة فلا بد من الوقوف على معنى هاتين الآيتين من سورة النساء ليعرف الإنسان كيف يجب أن يتصرف تجاه هذه الرحمة الإلهية الكبرى.
فلقد حصر الله تعالى مسألة قبول التوبة للإنسان الذي يرتكب الحرام بجهالة، أي بسفاهة، لأن كثيراً من المذنبين يعرفون أنهم يعصون ومَن يعصون، ولكن الإنسان عندما يرتكب الحرام فإنه يركب السفاهة بسبب انصياعه للشيطان الرجيم.
وقد تعاظم كرم الله تعالى على العاصين الذين يرتكبون الذنب أكثر من مرة ثم يتوبون، إذا كانت توبتهم الأخيرة نصوحاً، بمعنى أنها اشتملت على الشرائط المطلوبة والتي كان أهمها الندم وعدم العود إليها ثانية فإن الله تعالى يتغاضى عن كل شيء، ولا يلحظ سوى الحالة الأخيرة على اعتبار أن الأمور أو الأعمال بخواتيمها.
أما إذا عصى ثم تاب ثم عصى ثم تاب ثم استمر على هذه الحالة حتى أتاه الأجل فإن الله تعالى لن يقبل له توبة لأنه مستهترٌ بحكم الله وثوابه وعقابه، ولذا ورد في الحديث:المستغفر من ذنب ويفعله كالمستهزئ بربه:
ففرصة التوبة مفتوحة لك حتى آخر العمر، فبإمكانك أن تتوب متى تشاء، ولكن يجدر بك أن تعجّل بالتوبة قبل أن يدركك الأجل المانع منها، فكلما أسرعت بالتوبة كلما كان ذلك لصالحك لأن الموت يأتي بغتة ومن دون سابق إنذار، وبمعنى آخر ينبغي عليك أن تسابق الموت بالتوبة قبل أن يصرعك ويحرمك نعمة الغفران، وبهذا تكون قد خسرت كل شيء.
يجب أن تكون من الموت على حذر لأنه قِرنٌ غير مغلوب، وانظر حولك إلى الذين يموتون على المعصية كيف أنهم خسروا الدنيا ولم يربحوا الآخرة، فخذ العبرة منهم واعمل بعكس ما كانوا يعملون، واجعل من موتهم على العصيان موعظة لك، وكفى بالموت واعظاً.
فالتوبة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب، وقد فسّرت الآيةُ الثانيةُ الآيةَ الأولى وذلك عندما حجبت نعمة التوبة عن الذين أدركهم الأجل قبل التوبة، فأشبهت توبتهم توبة فرعون الذي آمن عندما عاين الموت وأدركه الغرق فرفض الله توبته، وبناءاً عليه نفهم معنى القرب في الآية أنه ما لم يعاين ملك الموت، وإلا فتبقى الفرصة مفتوحة أمامك حتى تلك اللحظة.
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ) أي عندما عاين الموت، فحكم هذا التائب كحكم الكافر الذي لا رحمة لك ولا غفران ولا تكفير لخطاياه، وذلك بدليل ذيل الآية الكريمة(وَلاَ الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي أن الكافر ومؤخّر التوبة حتى لحظة الأجل حكمهم عند الله تعالى واحد.
والتوبة تذهب بكبائر الذنوب وصغائرها، ولا يبقى لها أي أثر أو أية تبعة يُسأل عنها الإنسان في يوم الحساب، ولذا ورد عن رسول الله محمد(ص) قوله:التوبة تجبّ ما قبلها: وقال علي(ع):التوبة تطهّر القلوب وتغسل الذنوب: وقال(ع):حسن التوبة يَمحو الحَوبة:
وقد جاء في الحديث أنّ التائب أفضل من العابد: وذلك أن التائب من الذنب يتوب عن علمٍ وقناعة وخوف ورجاء، أما العابد من الصغر فلربما كانت عبادته عادة.
وقد ورد في التاريخ أن أحد المذنبين أراد أن يتوب إلى الله عز وجل من ذنوبه، فسأل عن شخص عابد ليتعلّم منه أبواب التوبة وكيفية الأوبة فأرشدوه إلى أحد العبّاد في بعض الأماكن القفرة فقصده وحكا له حاله فعظم التائب في نظر العابد، بل واستصغر العابد عمله تجاه هذا الشعور الإيماني الذي غمر التائب، وبينما هما في ذلك المكان الحار بسبب شدة حرارة الشمس دعوا الله تعالى بأن يظلهما بغيمة تخفف عنهم حرارة الشمس فاستجاب الله لهما وأظلتهما غمامة، وعندما همّ التائب بالمغادرة راح يقول في قرارة نفسه إن الغيمة ستبقى فوق العباد لأنه قضى عمره في عبادة ربه، وفي الوقت نفسه قال العابد في قرارة نفسه إن الغيمة سوف تلحق بالتائب لأن التائب أفضل من العابد، فافترقا فلحقت الغيمة التائب.
وقد حُكي أن سبب توبة التائب هذا هو أنه أراد أن يعتدي على امرأة مؤمنة فجردها من ثيابها وهجم عليها فراحت تلك المرأة تنظر إلى السماء وترتجف فسألها عن سبب ذلك فقالت إني خائفة من الله تعالى، ففكر قليلاُ ثم قال لها أنا أولى منك بهذا الخوف، فقرر حينها أن يتوب إلى الله تعالى وقد قبل الله توبته بأحسن قبول لأنه إنسان صادق وصاحب توبة نصوح قد اجتمعت فيه الشرائط المطلوبة.
وإن للتائب منزلة عالية عند الله تبارك وتعالى، فقد قال سبحانه(إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) وقال(ص):ليس شيء أحب إلى الله تعالى من مؤمن تائب ومؤمنة تائبة: وقال(ص):كل بني آدم خطّاء، وخير الخطّائين التوابون: وقال الإمام الباقر(ع):إن الله تعالى أشد فرحاً بتوبة عبده من رجلٍ أضلّ راحلته وزاده في ليلة ظلماء فوجدها، فالله أشد فرحاً بتوبة عبده من ذلك الرجل براحلته حين وجدها.
وفيما يشبه هذا المعنى ما قاله الإمام علي(ع) في نهج البلاغة: فَبَادِرُوا الْمَعَادَ، وَسَابِقُوا الْآجَالَ، فَإِنَّ النَّاسَ يُوشِكُ أَنْ يَنْقَطِعَ بِهِمُ الْأَمَلُ، وَيَرْهَقَهُمُ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ عَنْهُمْ بَابُ التَّوْبَةِ، فَقَدْ أَصْبَحْتُمْ فِي مِثْلِ مَا سَأَلَ إِلَيْهِ الرَّجْعَةَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ، وَأَنْتُمْ بَنُو سَبِيلٍ، عَلَى سَفَرٍ مِنْ دَارٍ لَيْسَتْ بِدَراِكُمْ، وَقَد أُوذِنْتُمْ مِنهَا بِالْإِرْتِحَالِ، وَأُمِرْتُمْ فِيهَا بِالزَّادِ. وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَيْسَ لِهذَا الْجِلْدِ الرَّقِيقِ صَبْرٌ عَلَى النَّارِ، فَارْحَمُوا نُفُوسَكُمْ، فَإِنّكُمْ قَدْ جَرَّبْتُمُوهَا فِي مَصَائِبِ الدُّنْيَا. أَفَرَأَيْتُمْ جَزَعَ أَحَدِكُمْ مِنَ الشَّوْكَةِ تُصِيبُهُ، وَالْعَثْرَةِ تُدْمِيهِ، وَالرَّمْضَاءِ تُحْرِقُهُ؟ فَكَيْفَ إِذَا كَانَ بَيْنَ طَابَقَيْنِ مِنْ نَارٍ، ضَجِيعَ حَجَرٍ، وَقَرِينَ شَيْطَانٍ! أَعَلِمْتُمْ أَنَّ مَالِكاً إِذَا غَضِبَ عَلَى النَّارِ حَطَمَ بَعْضُهَا بَعْضَاً لِغَضَبِهِ، وَإِذَا زَجَرَهَا تَوَثَّبَتْ بَيْنَ أَبوَابِهَا جَزَعاً مِنْ زَجْرَتِهِ:
وبعد ذلك أيها الأعزاء ليس أمامنا سوى أن نواجه كرم الله تعالى بالإقلاع عن ارتكاب الذنوب لأنها سبب تعاسة الإنسان، وعندما فتح الله لنا باب التوبة والمغفرة فإنه صنع ذلك من أجلنا، من أجل أن يرحمنا لأنه لهذه الغاية خلقنا، بشرط أن نكون نحن أهلاً لهذا التكريم الإلهي العظيم، فلا ينبغي أن يدركنا الموت ونحن في حالة معصية لأن الفرصة واحدة في دار العمل، فإذا أتى الموت انقطع العمل، وإذا انقطع العمل فلنستعد للعذاب الأبدي الذي اخترناه بسلوكنا وبملئ إرادتنا دون أن يجبرنا عليه أحد.
وأختم هذه الموعظة بموعظة لأمير المؤمنين(ع) حيث قال: فَاعْمَلُوا وَأَنْتُمْ فِي نَفَسِ الْبَقَاءِ، وَالصُّحُفُ مَنْشُورَةٌ، وَالتَّوْبَةُ مَبْسُوطَةٌ، وَالْمُدْبِرُ يُدْعَى، وَالْمُسِيءُ يُرْجَى، قَبْلَ أَنْ يَخْمُدَ العَمَلُ، وَيَنَقَطِعَ الْمَهَلُ، وَيَنْقَضِيَ الْأَجَلُ، وَيُسَدَّ بَابُ التَّوْبَةِ، وَتَصْعَدَ الْمَلاَئِكَةُ، فَأخَذَ امْرُؤٌ مِنْ نَفْسِهِ لِنَفْسِهِ، وَأَخَذَ مِنْ حَيّ لِمَيِّتٍ، وَمِنْ فَانٍ لِبَاقٍ، وَمِنْ ذَاهِبٍ لِدَائِمٍ، امْرُءٌ خَافَ اللهَ وَهُوَ مُعَمَّرٌ إلَى أَجَلِهِ، وَمَنْظُورٌ إلَى عَمَلِهِ، امْرُءٌ أَلْجَمَ نَفْسَهُ بِلِجَامِهَا، وَزَمَّهَا بِزِمَامِهَا، فَأَمْسَكَهَا بِلِجَامِهَا عَنْ مَعَاصِي اللهِ، وَقَادَها بِزِمَامِهَا إِلَى طَاعَةِ اللهِ:
الشيخ علي فقيه



