
قُوَى النَفْسِ البَشَرِية
إن للنفس البشرية قوى عديدة ومختلفة، فتارة نقصد بها الحواس الخمس، وأخرى نقسمها تقسيماً عقائدياً كالزكية واللوامة، وتارة نرجع إلى التقسيم الذي وضعه علماء النفس لها، وهو ما سوف أسلط الضوء عليه في هذا البحث.
وهذا التقسيم قائم على دراسة أحوال المشاعر والأحاسيس لدى كل البشر الذين يشتركون في هذه الأقسام الأربعة لقوى النفس.
التقسيم العقائدي لقوى النفس:
تنقسم النفس بالمنظار العقائدي إلى أربعة أقسام:
زكية، ومطمئنة، ولوامة، وأمّارة بالسوء.
التقسيم العلمي لقوى النفس:
وتنقسم بالمنظار العلمي إلى أربعة أقسام أيضاً:
عقلية، ووهمية، وسبعية، وشهوية.
نبدأ بالتقسيم العلمي لها وبيان أحوالها ووظائفها.
القسم الأول: القوة العقلية الملكية:
ترتبط هذه القوة بنور العقل ارتباطاً وثيقاً بحيث يمكن التعبير عنها بالعقل لأنها تخضع لقوانينه وموازينه، وهذه القوة موجودة في كل إنسان تكويناً، ولكن الإنسان هو الذي يتخلى عن بعض قواه فيدعم إحداها ويقلل من فاعلية الأخرى.
هناك صراع مستمر داخل الإنسان بين قواه النفسية، وهناك صراع دائر بين القوى الرحمانية في النفس والقوى الشيطانية، فأيها ينتصر يصبح هو الحاكم على الإنسان، فإذا انتصرت القوة العقلية الملكية كان الإنسان صاحب ثلاث قوى من قوى النفس بحسب التقسيم العقائدي وهي الزكية والمطمئنة واللوامة.
وهناك فرقٌ ملحوظ بين التقسيم العقائدي والتقسيم العلمي للنفس.
ففي التقسيم العقائدي يوجد ثلاث قوى رحمانية، وقوة واحدة شيطانية، أما في التقسيم العلمي فالمعادلة معكوسة حيث يوجد ثلاث قوى شيطانية وواحدة رحمانية.
فقوة النفس العقلية الملكية تأتمر بأوامر العقل الذي لا يُرشد إلا لفعل الصواب، ويندرج تحت هذا التقسيم ثلاث قوة من قوى النفس بحسب التقسيم العقائدي، وهي القوى التي تدفع بصاحبها نحو الخير.
ولا يشك أحد بالتأثير الفعّال لهذه القوة، ولكن لا يعني أنها أقوى من القوى الرحمانية، ونحن نؤمن بأحد أمرين يتصلان بإيماننا بالرحمة والعدالة الإلهية.
نؤمن يقيناً بأن قوى الخير في الإنسان أقوى من قوى الشر، وإذا لم تكن النسبة دقيقة فإن مستوى هذه القوة بمستوى القوى الرحمانية على أقل تقدير، وهذا القول ينسجم مع معنى الإمتحان وموازينه.
أما التعبير عن كون القوى الرحمانية أقوى فهو من باب الثقة المطلقة بالرحمة الإلهية، ولكننا لو دققنا قليلاً في الأمر لأدركنا وجود خلل في هذا التعبير حيث يضرب موازين الإمتحان المفروض من قِبل الله عز وجل، لأن الإعتقاد بكون القوى الرحمانية أقوى فهذا يعني أن الإنسان مجبور على الخير، والواقع أنه مخير، والتخيير يستلزم أن تكون القوتان بمستوى واحد، ونفس الكلام يجري فيما إذا اعتبرنا بأن قوى الشر أقوى.
والأمر متروك لصاحب النفس فهو الذي يقدر على جعل هذه أقوى أو تلك.
فالقوة العقلية الملكية هي القوة التي لازمت الأنبياء والأوصياء والصلحاء عبر الزمن لأنها القوة التي تنصاع إلى أوامر الخالق ونواهيه.
القسم الثاني: القوة الوهمية الشيطانية:
وهي ذات علاقة متينة بالنفس الأمارة بالسوء، وهي من القوى التي تخضع للوسوسة الشيطانية.
واسمها ينبئ عن مضمونها، فهي تعمل بالوهم الشيطاني، ونعني بالوهم الشيطاني ما يقابل الوهم الطبيعي الناشئ عن الجهل.
وهي تقابل الوهم المنطقي الذي معناه الإحتمال كمن يتوهم بصحة شيء فاسد أو فساد شيء صحيح نظراً لعدم المعرفة.
وهي القوة التي يعمل بها قومٌ وقفوا طاقاتهم لخدمة إبليس، فهم يمارسون دوره في المجتمع ويوهمون الناس بأن الباطل حق، والحق باطل، ويستعملون أسلوب المراوغة في بيان الأمور من باب التمويه، ولعلها أكثر القوى انتشاراً في المجتمع البشري الذي بدأ بالحسد والقتل، وما زالت تلك الممارسات مستمرة حتى اللحظة.
إن أصحاب هذه القوة يحاولون بألف وسيلة ووسيلة أن يخدعوا القلوب قبل الآذان، فهم يستعملون العبارات المبهمة التي تحتمل أكثر من معنى، ويستعملون الأساليب التي يضمنون معها عدم المساءلة، فهم يوسوسون للناس بطرق خاصة، ويوصلون إليهم الأمر وكأنهم لم يشيروا إليه حتى يقع الإنسان في المخالفة ويصبح رهين شهواته وأخطائه فيعلنون البراءة من فعله ويتنصلون من تحمّل المسؤولية مدعين بأنهم لم يقصدوا إيصاله إلى الخطأ.
ولعل هذه القوة ترتبط بشيطان يُطلق عليه(الشيطان الأبيض) وهو المكفل بالوسوسة للأنبياء والصلحاء، وقصّة الراهب برصيصا أكبر شاهد على الأسلوب الذي يستخدمه هذا الشيطان الرجيم حيث استدرجه بطريقة ذكية للوقوع في الحرام فجعله يخسر الدنيا والآخرة في آن واحد.
وهذا يخضع لحدود سلطة الشيطان على النفس، فلقد سلّطه الله على النفس ليختبر عباده، ولا يمكن للشيطان أن يُجبر أحداً على الخطأ لأن المسموح به للشيطان هو الوسوسة فقط، وعلى الإنسان أن يكون حذراً في التعاطي مع هذا العدو الخطير الذي يجري في عروقه.
وقد اقتضت حكمة الله سبحانه أن يكون الشيطان مسلطاً على النفس البشرية في حدود معينة حتى تكتمل بذلك عناصر الإختبار، وإلى هذا يشير الله سبحانه بقوله في سورة الأعراف(قَالَ أَنظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قَالَ إِنَّكَ مِنَ المُنظَرِينَ * قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ * قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْؤُومًا مَّدْحُورًا لَّمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ لأَمْلأنَّ جَهَنَّمَ مِنكُمْ أَجْمَعِينَ)
القسم الثالث: القوة الغضبية السبعية:
حين خلق الله تعالى هذا الإنسان ميّزه عن باقي مخلوقاته بالكثير من المميزات، فوهبه العقل وخلق فيه مشاعر خاصة تختلف بمكان ما عن مشاعر غيره من ذوي الأرواح.
فالحيوان يمتلك العديد من المشاعر والأحاسيس، ويتعامل بها عن طريق الغريزة، ويشترك معه الإنسان في امتلاك تلك المشاعر، ولكن القوة العقلية في الإنسان توجّه تلك المشاعر توجيهاً منطقياً على خلاف استعمالها لدى الحيوانات.
فالحب في الإنسان شعولا عاطفي، ولكنه يمر عن طريق العقل، فيعمل الإنسان ما يرغب به محبوبه، ونفس هذا الحب موجود في الحيوان، ولكنه لا يمر فيه عن طريق العقل بل عن طريق الغريزة التي تختلف كثيراً مع أحكام العقل.
فبدل أن يستغل بعض الناس قوة عقولهم لتوجيه قوى النفس في داخلهم راحوا يمارسون بعض القوى كما يمارسها الحيوان الذي نزّهنا الله عنه.
فالسبعية من صفات السباع وليس من صفات الإنسانية، فإذا استعمل المرء هذه القوة فقد نزل بمستواه إلى مستوى السباع، فيخيف الناس ويرهبهم حتى يسيطر عليهم أو ينال منهم مراده كما يصنع الحيوان القوي تماماً مع الحيوان الضعيف حتى يسرق له فريسته عن طريق الترهيب.
فهذه القوة تدعو إلى الغضب في حالات لا يليق بها الغضب، ولكن بما أنها سيطرت على صاحبها فهي تكمه وتوجهه، وهذا يعني دمار إنسانية هذا الإنسان.
القسم الرابع: القوة الشهوية البهيمية:
خلق الله الإنسان مفطوراً على العديد من الأمور كالتوحيد وحب المعرفة، وخلق فيه الكثير من الحاجات التكوينية التي لا يمكن أن تستمر حياته إلا بها.
ومن تلك الحاجات مسألة إشباع الشهوات، وهي كثيرة في الإنسان قليلة في باقي المخلوقات الحية، ومعدومة في بعض المخلوقات كالملائكة.
ولكي نقرّب المعنى الحقيقي إلى الأذهان كان لا بد من إجراء مقارنة بين ما يطلبه الإنسان من الإشباع وما يطلبه الحيوان من ذات الشيء، فيمكن حصر شهوات الحيوان في ثلاث، أكل ونوم وتزاوج.
أما في الإنسان فيصعب حصر الشهوات لديه، ويعود السبب في كثرتها عند الإنسان إلى كونه عاقلاً وذا بنيان يسمح له بالقيام في أكثر من شأن.
فيشترك الإنسان مع الحيوان في الشهوات الثلاث المذكورة ويفترق عنه بشهوات السلطة والتطور والمعرفة والتسلط وجمع الثروات وما يشبههما من الشهوات الكثيرة.
ويفترق الإنسان عن الحيوان بعقله وقواه النفسية المتعددة، ولكل واحدة من هذه القوى شهواتها الخاصة.
والنتيجة الواضحة أن ذوي الأرواح يطلبون إشباع الشهوات، أما شهوات الحيوان فلا قيود لها ولا ضوابط تقيدها، وأما الإنسان فينقسم في عملية الإشباع إلى قسمين:
القسم الأول: وهم الذين يطلبون الإشباع من دون التقيد بالضوابط ومن دون مراعاة الأحكام الإلهية، فيزنون ويشربون الخمر ويلعبون القمار ويفعلون الكثير من المحرمات، وهؤلاء شأنهم شأن الحيوان، غير أنهم مسؤولون عن فعلهم دون الحيوان، وقد أعدّ الله لهم من العذاب ما يستحقونه في يوم القيامة إن لم يعملوا على التغيير والإنضباط، فهم أصحاب القوة الشهوية البهيمية التي تنزل بالإنسان من مستواه الطبيعي إلى ما لا يليق بشأنه كمخلوق كرّمه ربه.
القسم الثاني: وهم الذين يطلبون الإشباع ولكن عن طريق القانون الإلهي فلا يرتكبون المحرمات ولا يخرجون عن الجادة المرسومة لهم.
وقد ورد في الحديث أن الإنسان بعمله يستطيع أن يكون أرفع شأناً من الملائكة أو أوضع شأناً من الحيوان، فهو في دائرة التخيير، وهو مسؤول عما يختار.
وإن أفضل درس أُعطي للبشرية حول ترويض النفس ما ذكره الإمام علي(ع) في خطبة له في نهج البلاغة حيث قال:
“فَإنَّ رَسُولَ اللهِ-صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ-كَانَ يَقُولُ: «إنَّ الْجَنَّةَ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ، وَإنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِالشَّهَوَاتِ». وَاعْلَمُوا أنَّهُ مَا مِنْ طَاعَةِ اللهِ شَيْءٌ إلاَّ يَأْتي فِي كُرْهٍ، وَمَا مِنْ مَعْصِيَةِ اللهِ شَيءٌ إلاَّ يَأْتِي فِي شَهْوَةٍ. فَرَحِمَ اللهُ رَجُلاً نَزَعَ عَنْ شَهْوَتِهِ، وَقَمَعَ هَوَى نَفْسِهِ، فَإنَّ هذِهِ النَّفْسَ أَبْعَدُ شَيْءٍ مَنْزِعاً، وَإنَّهَا لاَ تَزَالُ تَنْزِعُ إِلَى مَعْصِيَةٍ فِي هَوىً. وَاعْلَمُوا ـ عِبَادَ اللهِ ـ أَنَّ الْمُؤْمِنَ لاَ يُصْبِحُ وَلاَ يُمْسِي إلاَّ وَنَفْسُهُ ظَنُونٌ عِنْدَهُ، فَلاَ يَزَالُ زَارِياً عَلَيْهَا وَمُسْتَزِيْداً لَهَا. فَكُونُوا كَالسَّابِقِينَ قَبْلَكُمْ، وَالْمَاضِينَ أَمَامَكُمْ”
الشيخ علي فقيه



