
تَكْرِيْمُ اللهِ سُبْحَانَه لِبَنِيْ آدَم
قال سبحانه(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً){الإسراء/70}
قبل بيان أي شيء يتصل بهذا البحث تجدر الإشارة إلى أن الإسلام هو أول من كرّم الإنسان بما هو إنسان دون النظر إلى الخصوصيات الأخرى، ولكن بعض الجهات المعادية للإسلام احتكرت هذا الموضوع وكأنهم يحترمون الإنسان والإسلام يحقره فأنشأوا الجمعيات التي تُعنى بالإنسان وحقوقه ولكن ذلك مجرد تغطية لجرائمهم الفردية والجماعية.
والآن ندخل إلى صلب الموضوع.
لقد كان إبليس قبل عصيانه وتمرده يسكن الجنة ويتنعم فيها، وربما كان يسكن في مكان لا علاقة له بالجنة، فلا يمكن الإذعان بأي احتمال غير أنه كان في المكان الذي سكنه آدم، فقد يكون في الجنة أو في مكان يشبه الجنة، والله وحده يعلم تلك المدة التي عاشها إبليس هناك، ولكن الإمام علياً سلام الله عليه أشار إلى أنه عبد الله في الجنة ستة آلاف عام من دون الإشارة إلى كونها من سنين الدنيا أو من سنين الآخرة فقال(ع):
“فَاعْتَبِروا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِإِبْلِيسَ، إِذْ أَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ، وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَةٍ، لاَ يُدْرَى أَمِنْ سِنِي الدُّنْيَا أَمْ مِنْ سِنِي الْآخِرَةِ، عَنْ كِبْرِ سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ. فَمَنْ بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ”
فبقي على هذه الحالة إلى أن خلق الله عز وجل آدم وكرّمه وفضّله على كثير من المخلوقين والمخلوقات، فاشتعلت نار الحسد والتكبر في قلب إبليس حيث اعتبر أن هذا التكريم من حقه وليس من حق آدم لأنه أسبق منه بالطاعة، فقد ورد أن إبليس عبد ربه آلاف السنين، ولكن العبادة لكي تؤتي أكلها يجب أن يتصل آخرها بأولها، بمعنى أنه يجب أن تستمر الطاعة من لحظة التكليف وإلى لحظة الموت.
والمهم هنا هو معرفة حقيقة التكريم الإلهي لبني آدم بشكل مطلق، أي من دون تخصيص فئة منهم، فلقد قال تعالى(وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)
لقد عُقِدت بحوث كثيرة حول موضوع هذا التكريم الذي اختلفت فيه الآراء حول منشأه، فمنهم من ادعى أن منشأ التكريم هو الشكل الخارجي للآدميين لأن أجسادهم أكمل الأجساد، فهم قادرون على استخدام الأعضاء بشكل سهل للغاية، فالإنسان يحمل الشيء بيديه ويتصرف به كما يحلو له، وذلك على خلاف بعض المخلوقات التي تعجز عن صنع ما يفعله الإنسان جسدياً، وهو رأي غير دقيق لأن هناك مخلوقات غير الإنسان تشبه الإنسان بهيكلها وشكلها كالكينغارو والقرد، فلا يكون منشأ التكريم الصورة الخارجية وإنما هو شيء آخر.
وبيان ذلك أن المخلوقات نوعان:
النوع الأول : وهو المخلوقات الجامدة وما يلحق بها من الأشجار والنباتات والماء، ولا شك بأن الإنسان أفضل من سائر المخلوقات الجامدة، بل هو أفضل من السموات والأرض إذا كان مؤمناً بالله تبارك وتعالى.
النوع الثاني: وهو المخلوقات الحية الحساسة المتحركة بالإرادة، وهذا النوع ينقسم إلى قسمين: مخلوقات عاقلة كالملائكة والجن، ومخلوقات غير عاقلة كالبقر والغنم والأُسُود وغيرها من الحيوانات البرية والبحرية.
ولا شك بأن الإنسان أفضل من الجمادات والعجماوات، ولكن الكلام وقع في كونه أكرم من بعض المخلوقات العاقلة، وقبل بيان النتيجة لا بد من الحديث عن المخلوقات العاقلة فإن الحديث عنها هو الحلقة المفقودة في المقام.
ويمكن أن نقسم المخلوقات العاقلة إلى قسمين: معلومة وغير معلومة، أما المعلومة فهي ثلاثة: الملائكة والجن والإنسان، وأما غير المعلومة فإننا نعلم بأن هذه الأرض كانت مسكونة من قِبل المخلوقات العاقلة التي لم يطلعنا ربنا على تفاصيل حياتهم، فلربما كان لهذا التكريم علاقة بهذه المخلوقات العاقلة ولا مانع من ذلك.
والله تعالى قال في الآية الكريمة (وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً)
فكلمة(ممّن) تُستعمل للعاقل، لأنك إذا أردت أن تسأل عن عاقل فتقول: (من هذا) ولا يصح أن تقول (ما هذا) أما غير العاقل فلا تقول فيه (من هذا) وإنما تقول (ما هذا) كما لوسألت عن حجر معين فتقول (ما هذا الحجر)
فالآية الكريمة صريحة بكون التفضيل هو تفضيل بني آدم على بعض العقلاء، وهذا واضح في حالة خاصة ومقيدة، وهي أن يكون المفضَّل مؤمناً، فحينئذ يكون أفضل من الجن ومن بعض الملائكة كما ورد عن أمير المؤمنين(ع)… فالنبي(ص) والأئمة(ع) أفضل من كل الملائكة، والنبي وآله هم من بني آدم، وهذا واضح، فلا نريد البحث فيه، وإنما البحث قد وقع في كون الآية مطلقة، فقد بيَّنَتْ أن الله فضَّل بني آدم على بعض العقلاء بغض النظر عن كونهم مؤمنين أو غير مؤمنين.
لقد فَضَّلَنا الله تعالى على غيرنا لنكون من الشاكرين، فإننا مسؤولون عند الله عن هذا التكريم الخاص.
وهنا لا بد من أن نضبط الفكرة أكثر كيلا يفهمنا البعض على غير الوجه المطلوب، إن الله تعالى كرَّم بني آدم وفضَّلهم ولكن ليس على جميع العقلاء، فإن هناك عقلاء من غير البشر هم أفضل من بعض البشر، وأقول من البعض وليس من الكل لأنني ذكرت لكم أن النبي وآله هم أفضل خلق الله على الإطلاق من الأولين والآخرين.
فالآية تقول (عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا) وليس على جميع من خلقْنا.
ونتيجة البحث أن تكريم بني آدم نوعان: نوع قائم على منشأ الإيمان، لأن المؤمن أفضل من سائر المخلوقات العاقلة، ونوع قائم على الآدمية بما هي آدمية، وحل هذا اللغز هو أن الله فضلنا بخصوصيتنا الآدمية على كثير من مخلوقاته العاقلة التي يمكن أن تكون غير الملائكة وربما غير الجن.
الشيخ علي فقيه



