
النَفْسُ فِيْ القُرْآنِ الكَرِيْم
عندما نتحدث عن النفس يعني أننا نتحدث عن الإنسان، ولكننا نركز على موضوع النفس لأنها المعيار في العمل وفي النتيجة.
فلو أننا تصفّحنا سور القرآن وآياته، وتدبّرناه كما أمر خالقه لوجدنا التركيز على النفس ظاهراً في معظم السور.
وقد عوّدنا االقرآن في طريقته على الإعتناء بما يكثر ذكره فيه، والنفس من الألفاظ التي احتلت مساحة كبيرة في آياته مما يعني أن هذه النفس أمرٌ مهم في عالم العقيدة بشكل خاص، وفي عالم المعرفة بشكل عام، ويعني أيضاً ضرورة الإهتمام بها من قِبل الجميع لأنها تعني الجميع بشكل مباشر.
فمعرفة النفس ساحة للمعرفة النافعة، فمنهم من يستفيد منها للدنيا، ومنهم من يستفيد منها للدنيا والآخرة، والثاني هو المطلوب الأول.
وقد اهتم القرآن الكريم بذكر النفس وأنواعها ومراتبها، فحدثنا عن الزكية والمطمئنة واللوامة والأمارة بالسوء، كما وحدثنا عن النفس المشتملة على الحواس الخمس، وهذا ما سوف يظهر جلياً فيما يأتي من البحوث إن شاء الله.
وعلى كل إنسان منا أن يعلم بأنه مأمور في معرفة النفس أولاً، وفي تهذيبها ثانياً، ولا شك بأن القرآن رسم طريق السعادة لها، وبيّن طريق الهلاك داعياً إلى جعلها زكية مطمئنة، محذراً من جعلها مرتعاً للشيطان الرجيم.
وإذا أعطى القرآن المجيد اهتمامه لشيء فعلى كل مؤمن بالقرآن أن يعظّم ما عظّمه القرآن ويضع ما يضعه القرآن وهذا ضربٌ من ضرورب الإلتزام بالنهج القرآني.
اللهُ تَعَالَى يُقْسِمُ بِالنَّفْس
من معاني التعظيم العميقة في القرآن المجيد أنه اعتمد مبدأ القسم في الأمور ذات الأهمية البالغة ليشير إلى عظمة ما يُقسم به وعليه.
ومع تأمل بسيط وتدقيق قليل نجد بأن الله سبحانه أقسم في كتابه الكريم بأمور كلها ذات شأن رفيع عنده، فلم يُقسم بما لا قيمة له وما لا شأن عنده.
لقد أقسم الله تعالى بنفسه وملائكته وكتبه وأنبيائه، وأقسم بسمائه وأرضه والشمس والقمر والليل والنهار والقرآن والنجم ويوم القيامة، وكذلك أقسم بالنفس البشرية في أكثر من موضع.
ففي سورة الشمس أقسم الله بأمور عظيمة ومنها النفس البشرية حيث قال(وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَن دَسَّاهَا)
والملاحَظُ في الآية الأولى أنه تبارك وتعالى أقسم بنفسه وبالنفس البشرية معاً، فقد أقسم بشيء على شيء، أقسم بنفسه وبالنفس أن الفوز والفلاح لأصحاب النفس الزكية والأعمال الصالحة، والخسارة والعذاب لأصحاب الأنفس الأمارة بالسوء التي آثرت طاعة الشيطان على طاعة الرحمن.
ولا يمكن للنفس أن تزكو إلا بالعمل الصالح.
فقد أفلح وفاز وربح من جعل نفسه مؤتمرة بأوامر ربها معرضة عن الهوى واللغو والمعصية، وقد خاب من أطلق العنان لنفسه حتى نزلت إلى مستوى لم يُرِد الله لها النزول إلى هذا الموضع، وإنما أراد أن يرفعها وينزهها، ولكن صاحبها لم يكن من أصحاب القلوب الواعية فكانت النتيجة أنه استسلم للوسوسة فكان من الخاسرين.
وقد يحاول البعض تقديم أعذار هي في الحقيقة أقبح من الذنوب متهماً رب العالمين سبحانه بأنه هو الذي يلهم للطاعة ويلهم للمعصية، وهذا عين الكفر لأن به طعناً في العدالة الإلهية التي لا تُجبر إنساناً على شيء.
فالإلهام هنا يعني البيان والتعليم، وبمعنى آخر: لقد خلق الله الإنسان وعنده القابلية لأن يكون تقياً أو فاجراً وقد خيّره بين طريقي الخير والشر والحق والباطل بدليل قوله تعالى في سورة الكهف(وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا)
وقال تعالى في سورة العنكبوت(وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِن كَانُوا أَنفُسَهُمْ يَظْلِم)
وفي سورة الزلزلة(فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ)
وفي سورة الكهف(وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا)
وفي سورة القيامة أقسم الله سبحانه بالنفس اللوامة ليشير إلى عظمة تلك القوة في الإنسان وأنها أحد سبل النجاة في يوم القيامة فقال تعالى(وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) أي إنني أقسم بالنفس اللوامة، واللام هنا زائدة وإنما استُعملت للمبالغة في القسم.
الشيخ علي فقيه



