مُنْتَهَىْ الرشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد
كَيْفَ نَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى

كَيْفَ نَسْتَغْفِرُ اللهَ تَعَالَى
قال الله تبارك وتعالى في محكم كتابه المجيد(وَاسْتَغْفِرُواْ اللّهَ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ) وقال(وَاسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّي رَحِيمٌ وَدُودٌ) وقال(فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّارًا)
كثير من المسلمين يستغفرون الله عز وجل، وكثير منهم يريدون أن يستغفروا، ومنهم يفهم معنى الإستغفار، ومنهم من لا يدرك منه سوى اللفظ المجرد عن أي شعور خاص.
وليس الإستغفار أن تقول(أستغفر الله) ما لم تصدر هذه الكلمة من القلب أولاً، وبشروطها ثانياً.
وكلنا نعرف بأن الله تعالى لا ينظر إلى الفعل أو القول من دون أن يراقب القلب، لأنه تارة تصدر الكلمة من القلب بواسطة اللسان، وأخرى تصدر من مجرد اللسان، وما كان مصدره اللسان كان عبارة عن لقلقة عضو من هذا البدن لا تحمل معها أية منفعة لقائلها، إذا لم نَقُلْ بأنها تحمل المضرة وتعود بالخسارة.
صحيح بأن هناك عبادات لا تصح إلا بالقول أو الفعل أو بهما معاً، كالصلاة المشتملة على أقوال وأفعال، ولا يمكن أن تتحقق هذه العبادة إلا بهما، وهنا يكمن الفارق الأساسي بين المصلي ومقيم الصلاة، فبعضهم يصلي ولا تتعدى هذه العبادة عنده تلك الأفعال والأقوال المخصوصة، وبعضهم يقوم بها لأنها عبادة لله تعالى ولأنها عمود الدين، فهو يتوّجها بالخشوع والتفكر والتأمل، لأنه يبحث عن الأجر والثواب وعن كيفية نيل الرحمة الإلهية، وذلك لإيمانه بأنها أعظم وأكبر من جنته الواسعة.
فتارة تكون الصلاة عبادة فعلية وقولية، ومرة ثانية تكون عبادة قلبية يعبّر عنها القول والفعل لأنهما طريقها، فهو يستعملهما للتعبير عن الخشية من الله تبارك وتعالى، ويأتي بها متأنياً ومتأملاً، ولا يقوم بها على أنها مجرد إسقاط واجب، فقد لا يحمل إسقاط الواجب أي نوع من أنواع الأجر والثواب فيما إذا تحولت عنده العبادة إلى عادة يصعب التخلي عنها حيث أصبحت جزءاً من وجوده الطبيعي، ونحن ندعو إلى جعل العبادة أمراً يخرج عن حدود الطبيعة، وذلك عن طريق تتويجها بالمكمِّلات المنصوص عليها في شريعة الإسلام.
ونفس ما ذكرناه في مثال الصلاة نذكره في موضوع الإستغفار، هذا الأمر الذي نقوله مراراً ونسمعه كثيراً في مختلف الحالات والظروف، وربما أصبحت هذه الكلمة مصطلَحاً للتعبير عن التأفف والإنزعاج، كما لو انزعج أحدهم من وجود شخص أو كلامه فيقول بلغة المتأفف(أستغفر الله) من دون أن يلاحظ معنى الإستغفار أو معنى المستَغْفَر منه أو حتى معنى المستَغفَر له.
ولكي نحقق معنى الأمر الإلهي بالإستغفار ونكسب الأجر الموضوع له فلا بد أن يتم بشروطه المقررة التي يتم بها ويترتب بها الثواب عليه لأن الغاية من الإستغفار إما طلب محو الذنب أو كسب الأجر والثواب على أن الإستغفار ذكرٌ لله عز وجل.
فالإستغفار الحقيقي ليس بالأمر السهل، ولا هو مجرد كلمة، بل هو أمر عبادي عظيم له آثاره الكبرى على مصير الإنسان، فبصحة الإستغفار وقبوله يُرحم الإنسان في يوم الحساب، وبرفضه يكون من أهل الشقاء والعذاب.
هناك أكثر من شرط يجب أن يتوفر حتى يتم الإستغفار المطلوب:
الشرط الأول: الندم على ارتكاب المعصية.
الشرط الثاني: العزم على عدم العودة لفعل الحرام.
الشرط الثالث: قضاء الواجبات الفائتة.
الشرط الرابع: إرجاع حقوق الناس إليهم.
الشرط الخامس: إذابة اللحم النابت على الحرام.
الشرط السادس: إذاقة الجسم ألم الطاعة.
وهذه الشروط مستوحاة من كلام لأمير المؤمنين(ع) الذي سمع شخصاً يقول(أستغفر الله) فقال له(ع): الإستغفارُ إسم واقع لمعانٍ ست: أولها الندم على ما مضى والثاني العزم على ترك العود إليه أبداً والثالث أن تؤدي إلى المخلوقين حقوقهم والرابع أن تعمد إلى كل فريضة عليك ضيعتها فتؤديَ حقها والخامس أن تعمد إلى اللحم الذي نبت على السحت فتذيبَه بالأحزان حتى تُلصق الجلد بالعظم وينشأَ بينهما لحم جديد والسادس أن تذيق الجسم ألم الطاعة كما أذقته حلاوة المعصية فعند ذلك تقول: أستغفر الله:
وفي خطبة له(ع) يذكر فيها آثار الإستغفار فيقول:إِنَّ اللهَ يَبْتَلِي عِبَادَهُ عِنْدَ الْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ بِنَقْصِ الَّثمَرَاتِ، وَحَبْسِ الْبَرَكَاتِ، وَإِغْلاَقِ خَزَائِنِ الْخَيْرَاتِ، لِيَتُوبَ تَائِبٌ، وَيُقْلِعَ مُقْلِعٌ، وَيَتَذَكَّرَ مُتَذَكِّرٌ، وَيَزْدَجِرَ مُزْدَجِرٌ. وَقَدْ جَعَلَ اللهُ سُبْحَانَهُ الْأَسْتِغْفَارَ سَبَباً لِدُرُورِ الرِّزْقِ وَرَحْمَةِ الْخَلْقِ، فَقَالَ سُبْحَانَهُ: (اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّماءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَ يَمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَ بَنِينَ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ جَنْاتٍ وَ يَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً). فَرَحِمَ اللهُ امْرَأً اسْتَقْبَلَ تَوْبَتَهُ، وَاسْتَقَالَ خَطِيئَتَهُ، وَبَادَرَ مَنِيَّتَهُ:
وقال(ص): مَنْ أكثر الإستغفار جعل الله له من كل هم فرجاً ومن كل ضيق مخرجاً ورزقه من حيث لا يحتسب:
وقال(ص):لا كبيرة مع الإستغفار ولا صغيرة مع الإصرار:
وقال(ص) : إن الله تبارك وتعالى إذا أراد بعبدٍ خيراً جعل ذنوبه بين عينيه ممثَّلَةً والإثم عليه ثقيلاً وبيلاً، وإذا أراد بعبدٍ شراً أنساه ذنوبه:
وقال أمير المؤمنين علي(ع) :أعظم الذنوب عند الله سبحانه ذنبٌ صغُر عند صاحبه:
وعنه(ع) قال: أشد الذنوب عند الله سبحانه ذنب استهان به راكبه:
إذا عرفتم ذلك وأردتم أن يكون استغفاركم لله مثمراً فما عليكم سوى أن تأتوا به بشروطه، وإلا فلن يجديكم أي نفع في يوم الحساب لأن الإستغفار أمانٌ للإنسان في الدنيا والآخرة، قال تعالى(وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ)
الشيخ علي فقيه



