مُنْتَهَى الرَشَاد في الوَعْظِ والإِرْشَاد

من مواعظ نهج البلاغة
قال(ع):
:الْحَمْدُ للهِ الَّذِي عَلاَ بِحَوْلِهِ، ودَنَا بِطَوْلِهِ، مَانِحِ كُلِّ غَنِيمَةٍ وَفَضْلٍ، وَكَاشِفِ كُلِّ عَظِيمَةٍ وَ أَزْلٍ. أَحْمَدُهُ عَلَى عَوَاطِفِ كَرَمِهِ، وَسَوَابِغِ نِعَمِهِ، وَأُومِنُ بهَ أَوَّلاً بَادِياً، وَأَسْتَهْدِيهِ قَرِيباً هَادِياً، وَأَسْتَعِينُهُ قَاهِراً قَادِراً، وَأَتَوَكَّلُ عَلَيْهِ كَافِياً نَاصِراً. وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً _ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ _ عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، أَرْسَلَهُ لإِنْفَاذِ أَمْرِهِ، وَإِنْهَاءِ عُذْرِهِ وَتَقْدِيمِ نُذُرِهِ. أُوصِيكُمْ عِبَادَ اللهِ بِتَقْوَى اللهِ الَّذِي ضَرَبَ الْْأَمْثَالَ، وَوَقَّتَ لَكُمُ الْآجَالَ، وَأَلْبَسَكُمُ الرِّيَاشَ، وَأَرْفَغَ لَكُمُ المَعَاشَ، وَأَحَاطَ بِكُمُ الْإِحْصَاءَ، وَأَرْصَدَ لَكُمُ الْجَزَاءَ، وَآثَرَكُمْ بِالنِّعَمِ السَّوَابغِ، وَالرِّفَدِ الرَّوافِغ، وَأَنْذَرَكُمْ بِالْحُجَجِ الْبَوَالِغِ، فَأَحْصَاكُمْ عَدَداً، ووَظَّفَ لَكُمْ مُدَداً، فِي قَرَارِ خِبْرَةٍ ، وَدَارِ عِبْرَةٍ، أَنْتُمْ مُخْتَبَرُونَ فِيهَا، وَمُحَاسِبُونَ عَلَيْهَا:
وفي هذا الكلام مواعظ ومفاهيم وحقائق، فالله تعالى علا عن جميع من سواه بحوله أي بقوته وسلطته وقدرته الباهرة، وهو رغم علوه قريب من عباده فهو في داخل كل مخلوق لأنه دنا بطَوله أي بعطائه وإحسانه، فهو تعالى مصدر كل ربح وغنيمة وعطاء وهو الذي يكشف الأَزل وهو الضيق والشدة، والله أسبغ النعم لعباده أي أن نعمه شملت الجميع في هذه الدنيا من مؤمن وكافر وكبير وصغير وعاقل ومجنون… وباقي عبارات المقدمة تشير إلى صفات خاصة بالله تعالى فهو الأول والقريب والهادي والقادر والقاهر والكافي والناصر، وهذا ما ذكره الإمام(ع) ليكشف للناس بعض صفات ربهم التي يجب التعرف عليها لأن العبادة تحصل على قدر المعرفة، ثم شهد(ع) لمحمد بالرسالة وأنه تعالى أرسله ليتم الحجة به على خلقه، ثم أوصانا بوصية لو عملنا بها لنلنا خير الدنيا والآخرة في آن واحد، فلقد أوصانا بتقوى الله والخشية منه والعمل له لأن العمل من دون تقوى لا يكون لله وإذا لم يكن العمل لله لم تكن له أية منفعة في يوم الحساب فهو أشبه بالسراب الذي يظنه العطشان ماءاً، فلقد دعانا إلى تقوى الله الذي ضرب لنا الأمثال في محكم كتابه لنعتبر بها ونسلك سبلها المنجيات من المهالك، ثم أشار(ع) إلى كون الله تعالى هو الذي وقّت لنا الآجال أي أن أعمارنا بيده فإن شاء أبقانا وإن شاء أفنانا، وهو الذي ألبسنا الرياش وحسّن لنا أمر المعاش فأعطانا من كل ما سألناه وما لم نسأله، وفيه قال سبحانه في محكم كتابه(اللّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَسَخَّرَ لَكُمُ الأَنْهَارَ وَسَخَّر لَكُمُ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ دَآئِبَينَ وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَآتَاكُم مِّن كُلِّ مَا سَأَلْتُمُوهُ وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَتَ اللّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ الإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ)
وأما قوله(ع) وأحاطكم بالإحصاء وأرصد لكم الجزاء أي أنه جعل إحصاء أعمالنا والعلم بها كالسور الذي لا ينفذ منه شيء، وأعد لأعمالنا الجزاء المناسب بالخير خير وبالشر شر، وهو الذي أسبغ علينا نعمه وأنذرنا بالحجج على ألسنة أنبيائه فهي بيّنة لا يمكن إنكارها، وليعلم الجميع بأنهم في دار اختبار وأنهم محاسبون على كل تلك النعم، وفيه قال تعالى(ثم لتسألنّ يومئذ عن النعيم)
وفي موضوع الدنيا نقول:
مهما طال الكلام حول الدنيا وتكرر ذكر حقيقتها والدعوةُ إلى الحذر منها تبقى النفوس بأمس الحاجة إلى تلك التذكرة وتبقى القلوب بحاجة إلى الموعظة التي تعتبر دواءاً لداء الحرص على الدنيا وكاشفاً لوهنها وبشاعة حقيقتها وكون ظاهرها جميلاً وباطنِها أقبح مما نتصور ويتصور الآخرون لأن في باطنها النار.
ولذا نجد المواعظ حول الدنيا كثيرة في كتاب الله بحيث لم تخل سورة من سوره الطويلة إلا وأشارت إلى الحذر من هذه الحياة المعبّر عنها باللهو واللعب والغرور، فمن فهم حقيقة الدنيا تعامل معها بالشكل المناسب وسلِم من غدرها وفتكها، وأما إذا خدعت الإنسان فقد أوقته في ظلام دامس وفي شباك الهلاك التي لا خلاص منها إلا باللجوؤ إلى الله القدير تبارك وتعالى، وكذا نجد أمير المؤمنين(ع) في نهج البلاغة يذكر لنا الدنيا مراراً ويصفها بأنها كورقة في فم جرادة لا قيمة لها.
وفي الخطبة الغرّاء يصف الدنيا بأوصاف من شأنها أن تزرع الفهم في قلوبنا فتجعلنا حذرين منها أشد الحذر حيث قال(ع): فَإِنَّ الدُّنْيَا رَنِقٌ مَشْرَبُهَا، رَدِغٌ مَشْرَعُهَا، يُونِقُ مَنْظَرُهَا، وَيُوبِقُ مَخْبَرُهَا، غُرُورٌ حَائِلٌ، وَضَوْءٌ آفِلٌ، وَظِلٌّ زائِلٌ، وَسِنَادٌ مَائِلٌ:
فالدنيا التي نتعلق بحبالها رنق مشربها، يعني شربها كَدَر مضر قاتل وفظيع، ورَدغ مشرعها، والمشرع هو مورد الشرب ومشرع الدنيا ردغ أي أنه كثير الوحل والطين ليس فيه صفاء ولا يروي شاربه إذا استطاع أن يشربه، فمنظرها مونق أي جميل وحسن وهنا يكمن سر الخداع لأن مَخبر الدنيا موبق ومهلك، فهي تستدرجك بجمال مظهرها لتلقيك في قبح مخبرها وفظاعة جوهرها، وهي غرور حائل أي أن شأن الدنيا هو الغرور الذي لا بقاء له، وهي ظل زائل وسِناد مائل، فهي كالظل الذي سرعان ما يزول وهي ركن مائل لا يمكن أن يقوم عليه سقف أو بناء فمهما بنيت للدنيا فسوف يهدمه الزوال لأن الدنيا زائلة.
ثم تابع(ع) في وصف أحوال الدنيا فقال: حَتَّى إِذَا أَنِسَ نَافِرُهَا، وَاطْمَأَنَّ نَاكِرُهَا، قَمَصَتْ بِأَرْجُلِهَا، وَقَنَصَتْ بِأَحْبُلِهَا، وَأَقْصَدَتْ بِأَسْهُمِهَا، وَأَعْلَقَتِ الْمَرْءَ أَوْهَاقَ الْمَنِيَّةِ قَائِدَةً لَهُ إِلى ضَنْكَ الْمَضْجَعِ، وَوَحْشَةِ الْمَرْجِعِ، ومُعَايَنَةِ الْمَحَلِّ، وَثَوَابِ الْعَمَلِ، وَكَذلِكَ الْخَلَفُ بِعَقْبِ السَّلَفِ، لاَتُقْلِعُ الْمَنِيَّةُ اخْتِرَاماً، وَلاَيَرْعَوِي الْبَاقُونَ اجْتِرَاماً، يَحْتَذُون مِثَالاً، وَيَمْضُونَ أَرْسَالاً، إِلَى غَايَةِ الْإِنْتِهَاءِ، وَصَيُّورِ الْفَنَاءِ.:
هذه الدنيا تغري المرء وتزيّن له أحوالها وتبرز له زخارفها وشهواتها حتى يطمئن له ويصبح واحد من ضحاياها فإذا اطمأن لها قمصت بأرجلها، أي ضربت بأرجلها بقوة كما يضرب الفرس الأرض بأرجله، وقنصت بأحبلها، أي أنها اصطادت من اغتر بها وأوقعته في شباكها وحبائلها، وأما قوله أقصدت بأسهمها أي أنها قتلت من اتبعها، فهي تربط الإنسان وتمنعه عن الحركة حتى تسلّمه لأوهاق النية أي للموت فيموت وهو من عبيد الدنيا، فهي تقود عابدها إلى ضيق المضجع وهو القبر وتقوده إلى وحشة ما بعد الموت، فلقد صنعت الدنيا هذا بكثير من الماضين ولم تتوقف عن مزاولة هذه المهنة وتنفيذ هذه الوظيفة فهي سوف تفعل من الخلف كما فعلت مع السلف وما على الخلف إلا أن يعتبروا بما صُنع بالسلف وإلا كان مصيرهم كمصير الذين قتلتهم الدنيا من قبل، فالمنية لا تكف عن استئصالها للأحياء، ورغم ذلك لم يرعوي الباقون عن اجتراح السيئات فهم يشبهون بأفعالهم الماضين وسوف يمضون كذلك حتى اللحظة الأخيرة وهناك الندم على التفريط والتقصير حيث لا ينفع الندم.
وقال أمير المؤمنين علي(ع) : حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ، سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ، رَعِيلاً صُمُوتاً، قِيَاماً صُفُوفاً، يَنْفُذُهُمُ الْبَصَرُ، وَيُسْمِعُهُمُ الدَّاعِي، عَلَيْهِمْ لَبُوسُ الْإِسْتِكانَةِ، وَضَرَعُ الْإِسْتِسْلاَمِ وَالذِّلَّةِ، قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الْْأَمَلُ، وَهَوَتِ الْْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً، وَخَشَعَتِ الْْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً، وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الْْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ، وَنَكَالِ الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ:
هذه الموعظة الكريمة والمؤثرة تشير بالإصبع إلى مسألة النشور بعد أن يخرج الجميع من الأجداث أحياءاً كما خلقهم ربهم أول مرة، وقبل أن نقف على وصف حالتنا في ذلك اليوم نذكر بعض الآيات المشيرة إلى هذا الأمر فقد قال سبحانه(خُشَّعًا أَبْصَارُهُمْ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ كَأَنَّهُمْ جَرَادٌ مُّنتَشِرٌ مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ) وقال تعالى(يَوْمَ يَخْرُجُونَ مِنَ الْأَجْدَاثِ سِرَاعًا كَأَنَّهُمْ إِلَى نُصُبٍ يُوفِضُونَ خَاشِعَةً أَبْصَارُهُمْ تَرْهَقُهُمْ ذِلَّةٌ ذَلِكَ الْيَوْمُ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ) وقال(وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَإِذَا هُم مِّنَ الْأَجْدَاثِ إِلَى رَبِّهِمْ يَنسِلُونَ قَالُوا يَا وَيْلَنَا مَن بَعَثَنَا مِن مَّرْقَدِنَا هَذَا مَا وَعَدَ الرَّحْمَنُ وَصَدَقَ الْمُرْسَلُونَ إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ) فلو تفكر الواحد منا للحظات قليلة فيما سوف يواجهنا من الصعوبات والأهوال في ذلك اليوم الذي وصفه القرآن بأنه كخمسين ألف سنة لصعوبته وشدته فلو تفكرنا قليلاً لرجعنا إلى الصواب والرشد وأدركنا أنفسنا قبل فوات الأوان أي قبل أن نجد أنفسنا واقفين بين يدي الله للحساب، وها هو أمير المؤمنين(ع) يعظنا ويبين لنا مجال القدرة الإلهية المحيطة بكل شيء فيقول: حَتَّى إِذَا تَصَرَّمَتِ الْأُمُورُ، وَتَقَضَّتِ الدُّهُورُ، وَأَزِفَ النُّشُورُ ، يعني إنتهى عمر الدنيا وقضى المخلوقون في ضرائحهم قروناً عديدة لا يعلم عددها إلا الله تعالى فعند ذلك يبدأ النشور وتنصب الموازين القسط من أجل الحساب، أَخْرَجَهُمْ مِنْ ضَرَائِحِ الْقُبُورِ، وَأَوْكَارِ الطُّيُورِ، وَأَوْجِرَةِ السِّبَاعِ، وَمَطَارِحِ الْمَهَالِكِ: إذا جاء أمر الله عز وجل بإحياء الخلق للحساب أمر بأن تجتمع رفاتهم أينما كانت حتى ولو كانت متطايرة في الفضاء أو كانت في أوكار الطيور التي أكلت لحم بعض المخلوقين أو حتى في أوجرة السباع وفي أي مكان هلك فيه الإنسان فإن تلك الأجزاء تجتمع بقدرة الله تعالى ويخرج الإنسان إلى الحياة الدائمة إما بسعادة وإما بشقاء.
فهم يخرجون كما قال الإمام: سِرَاعاً إِلَى أَمْرِهِ، مُهْطِعِينَ إِلَى مَعَادِهِ: أي أنهم يسرعون إلى الحساب كرعيل الخيل لا يبتعد واحد عن الآخر ولا يبطئ واحد بالمسير، فهم يهرولون للحساب لا يتكلم أحد مع أحد ولا يلتفت واحد إلى الآخر لأن لكل واحد منهم شأناً خاصاً فهم يقفون بين يدي ربهم والحذر مسيطر عليهم لا يجلس منهم أحد حيث يشغله هول الأمر عن فعل أي شيء آخر فيشخص كل واحد منهم ببصره نحو العرش وهم في حالة من الإستكانة والذلة فلا فرق هناك بين غني وفقير وكبير وصغير ورئيس ومرؤوس وعالم وجاهل لأن الكل يقفون للحساب من دون محسوبيات أو واسطات إلا من شاء الله له الشفاعة.
قَدْ ضَلَّتِ الْحِيَلُ، وانْقَطَعَ الْْأَمَلُ، وَهَوَتِ الْْأَفْئِدَةُ كَاظِمَةً، وَخَشَعَتِ الْْأَصْوَاتُ مُهَيْنِمَةً،: فلا حيلة لأحد ولا مخرج ولا أمل بأن يصحح أمره إذا لم يكن صحيحاً في الحياة الدنيا، فهناك تهوي الأفئدة فتخلوا من الأمل بالنجاة والمسرة وهناك تختفي الأصوات وهو معنى قوله(ع) وَأَلْجَمَ الْعَرَقُ، وَعَظُمَ الشَّفَقُ، وَأُرْعِدَتِ الْْأَسْمَاعُ لِزَبْرَةِ الدَّاعِي إِلَى فَصْلِ الْخِطَابِ، وَمُقَايَضَةِ الْجَزَاءِ، وَنَكَالِ الْعِقَابِ، وَنَوَالِ الثَّوَابِ: ففي ذلك اليوم العظيم تتصبب الجباه عرقاً غزيراً حتى تمتلئ منها الأفواه ويزداد الشفق وهو مصدر الخوف في الإنسان، وهناك تُرعَد الأسماع لزبرة الداعي أي لصيحته القوية من أجل أن يقوم الناس ويُجزَون بالخير خيراً وبالشر شراً.
وقال(ع)
” عِبَادٌ مَخْلُوقُونَ اقْتِدَاراً، وَمَرْبُوبُونَ اقْتِسَاراً، وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً، وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً ; قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ، وَعُمِّرُوا مَهَلَ الْمُسْتَعْتِبِ، وَكُشِفَتْ عَنْهُمْ سُدَفُ الرِّيَبِ، وَخُلُّوا لمِضْماَرِ الْجِيَادِ، وَرَوِيَّةِ الْإِرْتِيَادِ، وَأَنَاةِ الْمُقْتَبِسِ الْمُرْتَادِ، فِي مُدَّةِ الْْأَجَلِ، وَمُضْطَرَبِ الْمَهَلِ فَيَالَهَا أَمْثَالاً صَائِبَةً، وَمَوَاعِظَ شَافِيَةً، لَوْ صَادَفَتْ قُلُوباً زاكِيَةً، وَأَسْمَاعاً وَاعِيَةً، وَآرَاءً عَازِمَةً، وَأَلْبَاباً حَازِمَةً! َاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ”
في هذه الكلمات الموجزة يبين لنا الإمام(ع) ملك الله لنا وأننا مربوبون اقتساراً أي أننا مملوكون قهراً وليس بإرادتنا، وهذا النوع من أنواع الملكية يثبت عظمة المالك وضعف المملوك الذي لا حول له ولا قوة إذا لم يرعه مالكه ويدبر أمره، فكما أننا خُلقنا بقدرة الله فنحن مملوكون بقدرته أيضاً، والذي ينكر هذه الحقيقة إنما يعتدي على حق الله لأن منكر هذه الحقيقة يؤمن تماماً بأنه لم يخلق نفسه ولم يوجدها في الحياة بإرادته، وكذلك عندما يأتي الأجل يُحتضَر الإنسان وتقبض روحه بأحد أسباب إزهاق الأرواح، وبعد الموت يُضمَّن الإنسان جدثاً مظلماً ولحداً ضيقاً يمكث فيه ما شاء الله فيؤكل لحمه ويتناثر دمه ويُنخر عظمه حتى يصبح رفاتاً لا يبقى من صورته شيء ولا لهيكله أثر إلا إذا شاء الله فيه أمراً فلا راد لأمر الله وحكمه، وهذا هو معنى قوله(ع) وَمَقْبُوضُونَ احْتِضَاراً، وَمُضَمَّنُونَ أَجْدَاثاً، وَكَائِنُونَ رُفَاتاً: ثم يعظنا الإمام فيخبرنا بما سوف نلاقي بعد صيرورة أجسادنا رفاتاً فيقول: وَمَبْعُوثُونَ أَفْرَاداً، وَمَدِينُونَ جَزَاءً، وَمُمَيَّزُونَ حِسَاباً: فرغم كوننا نُبعث جميعاً إلا أن كل واحد منا لا يرى حوله أحد ولا يهمه سوى نفسه عندما يرى ما يرى في ذلك اليوم العظيم الذي يفر فيه المرء من أخيه وأمه وأبيه وصابته وبنيه، وفي ذلك اليوم الذي لا يسأل فيه حميم حميماً فلم يعد تربطهم ببعضهم البعض تلك الروابط التي كانوا ينقادون لها في دار الدنيا فلا صاحب ولا صديق ولا جار ولا حبيب ولا قريب لأن الكل ينتظرون النتيجة الحاسمة وهي أمر خطير لأنها إما أن تكون السعادة الأبدية أو الشقاء الدائم، وهذا الأمر يستحق الإنتباه والإنشغال عن الآخرين، فالأب الذي يسهر ويتعب ويهتم ويغتم من أجل إطعام أولاده والحفاظ عليهم من شرور الحياة لا ينظر إليهم يوم القيامة، والأم التي تقدم روحها في سبيل أولادها وتتمنى البقاء لهم وإن كان على حساب حياتها فإنها في يوم القيامة تفقد تلك العاطفة بسبب شهيق جهنم وزفيرها وأهوال يوم الحساب فهي تعلم بأن أولادها لن يفيدوها في شيء.
وأما كونهم مميَّزين حساباً فإن كل إنسان ألزمه ربه طائره في عنقه ولا تزر وازرة وزر أخرى، ثم يقول(ع) قَدْ أُمْهِلُوا في طَلَبِ الْمَخْرَجِ، وَهُدُوا سَبِيلَ الْمَنْهَجِ: ففي يوم القيامة لا ينفعهم الندم ولا تشفع لهم الحسرة ولا يخفف عنهم البكاء لأنهم أُمهلوا في دار الدنيا فأعطاهم الله تعالى مهلة من أجل أن يتوبوا من ذنوبهم فلم يستغلوا تلك الفرصة وقد بيّن لهم ربهم سبل الهداية فأنكروها وتغاضوا عنها فأصبحوا مسؤولين عن هذا التقصير، وعُمِّروا مَهَلَ المستَعتَب: أي أنهم عُمّروا وفتح الله لهم المجال حتى يتمكنوا من إرضائه، وكُشفت عنهم سُدَفُ الرِّيَب: لم يبق عندهم شبهة حول أي أمر لأنه تعالى كشف كل ريب بالبراهين والأدلة.
وقال علي(ع) : َاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ مَنْ سَمِعَ فَخَشَعَ، وَاقْتَرَفَ فَاعْتَرَفَ، وَوَجِلَ فَعَمِلَ، وَحَاذَرَ فَبَادَرَ، وَأَيْقَنَ فَأَحْسَنَ، وَعُبِّرَ فَاعْتَبَرَ، وَحُذِّرَ فَحَذِرَ، وَزُجِرَ فَازْدَجَرَ، وَأَجَابَ فأَنَابَ، وَرَاجَعَ فَتَابَ، وَاقْتَدَى فَاحْتَذَى، وَأُرِيَ فَرَأَى، فَأَسْرَعَ طَالِباً، وَنَجَا هَارِباً، فَأَفَادَ ذَخِيرَةً، وَأَطَابَ سَرِيرَةً، وَعَمَّرَ مَعَاداً، وَاسْتَظْهَرَ زَاداً لِيَوْمِ رَحِيلِهِ وَوَجْهِ سَبِيلِهِ، وَحَالِ حَاجَتِهِ، وَمَوْطِنِ فَاقَتِهِ، وَقَدَّمَ أَمَامَهُ لِدَارِ مُقَامِهِ. فَاتَّقُوا اللهَ عِبَادَ اللهِ جِهَةَ مَا خَلَقَكُمْ لَهُ، وَاحْذَرُوا مِنْهُ كُنْهَ مَا حَذَّرَكُمْ مِنْ نَفْسِهِ، وَاسْتَحِقُّوا مِنْهُ مَا أَعَدَّ لَكُمْ بِالتَّنَجُّزِ لِصِدْقِ مِيعَادِهِ، وَالْحَذَرِ مِنْ هَوْلِ مَعَادِهِ:
يوجد في هذا الكلام الرائع تنبيه وتحذير وتذكير ودعوة إلى استغلال فرصة الحياة قبل فواتها فإن الخاسر هو الذي لها ولعب وآثر الدنيا على الآخرة وأخّر العمل وأطال الأمل وسوّف التوبة.
يدعونا أمير المؤمنين(ع) إلى التقوى الصحيحة والمربحة والمثمرة وهي تقوى الذين سمعوا المواعظ واعتبروا بها وسمعوا الأحكام والتزموا فيها وسمعوا كلام ربهم فخشعت له قلوبهم وتحركت فيها شُعل الإيمان فقاموا بكل واجب مفروض عليهم وتخلوا عن كل حرام بَغَضَه الله وأبغض فاعليه، فاتقوا الله تقية من سمع فخشَع واقترف فاعترف: قد يقترف المؤمن ذنوباً معينة فيعترف بذنبه ويتوب منه بل يتخلص من آثاره وتبعاته قبل يوم الحساب لأن مجرد الإعتراف بالذنب من دون التراجع عنه لا يفي بالمطلوب ولا يُثمر ثمارَه بل لا بد من التوبة والعزم على عدم فعل الذنب، فالإنسان المتقي قد يرتكب بعض الأخطاء ويفعل بعض الذنوب في اللحظات الشيطانية ولكن الفرق بينه وبين غيره هو أن غير المتقي يرتكب الذنوب ولا يتوب منها ولا يعبأ بآثارها وعقاب الله عليها أما المتقي إذا أخطأ فإنه يسرع بالتوبة قبل أن يدركه الموت الذي يفصل بينه وبين التوبة ونيل المغفرة، والتراجع عن الذنب جعله الله تعالى من علامات أهل التقوى.
فإذا استغفر المرء ربه ولم يصر على الذنوب كان له عند الله جزاء حسن وكريم وعظيم وهو جنات تجري من تحتها الأنهار ومغفرة من الله عز وجل كما أشارت الآية المباركة، فعلينا أن نعمل بكلام الإمام ومواعظه لتكون التقوى لدينا مانعة من ارتكاب الخطأ ومحركةً نحو الخشوع.
ويستطيع طالب العبرة والساعي خلف الموعظة أن يكتسب مراده بألف وسيلة وطريق لأن هذه الدنيا ظرف واسع للعديد من المواعظ والعبر، وما على الإنسان سوى السعي والتأمل حتى يصل إلى اكتساب العبرة من أي شيء حوله لأنها موجودة في كل شيء في الهواء والماء والفضاء والنبات والأشكال والألوان والأجساد بل هي موجودة في كل مخلوق مهما كان حجمه ونوعه، فلو فكر الإنسان في عملية النظر كيف تحصل وتنتقل الصور من العين إلى الدماغ لأدرك الحق واعتبر، ولو فكّر قليلاً في سمعه وذوقه وشمه وجميع الأحاسيس الموجودة بداخلنا، كل ذلك يحمل معه العبرة لمن يريد أن يعتبر لأن الذين لا يريدون أن يستفيدوا من العبرة فلن يعتبروا أبداً ولو رأوا ما من شأنه أن يعظ الآخرين.
وها هو أمير المؤمنين(ع) يعظنا ويعطينا العبرة من خلال التفكر في أجسادنا التي نستخدمها في حياتنا والتي خُلقت بدقة وإتقان لتتناسب مع مطالب الإنسان وحاجاته فيقول(ع): جَعَلَ لَكُمْ أسْمَاعاً لِتَعِيَ مَا عَنَاهَا، وَأَبْصَاراً لِتَجْلُوَ عَنْ عَشَاهَا، وَأَشْلاَءً جَامِعَةً لِأَعْضَائِهَا، مُلاَئِمَةً لِأَحْنَائِهَا في تَرْكِيبِ صُوَرِهَا، وَمُدَدِ عُمُرِهَا، بِأَبْدَانٍ قَائِمَةٍ بِأَرْفَاقِهَا، وَقُلُوبٍ رائِدَةٍ لاَِرْزَاقِهَا، فِي مُجَلِّلاَتِ نِعَمِهِ، وَمُوجِبَاتِ مِنَنِهِ، وَحَوَاجِزِ عَافِيَتِهِ:
إن ما ذُكر في هذا الكلام هو بيان لنعم الله على الإنسان الذي يجب عليه أن يشكر النعمة ويبادل المنعم بما أوجبه المنعم عليه من واجبات وطاعات، فقد خلق لنا هذا المنعم عز وجل أسماعاً تفهم وتحفظ ما يعنيها ولولا وجود السمع لفقد الإنسان غالبية المعارف التي تُكتسب عن طريق السمع، والأمر واضح لا يحتاج إلى وضع الإثباتات والأدلة، ولنأخذ العبرة من فاقدي السمع كيف أنهم يتمنون لو يسمعوا لفظاً واحداً ليشعروا بعظيم هذه المنة الإلهية على الإنسان الذي لا يشعر بالنعمة إلا بعد أن يفقدها، ولكن الواعي يشعر بها رغم وجودها ويشكر ربها عليها بهدف إرضائه عنه وطلب المزيد من النعم على قاعدة أن الشكر أبرز عامل في دوام النعم، وكذا الحال في البصر الذي كان أهم من السمع لدى الإنسان ومن هنا قيل إذا أردت أن تدرك نعم الله عليك فأغمض عينيك……… وكذلك خلق أشلاءاً جامعة لأعضائها، ولعل المقصود بالأشلاء الأجزاء الصغيرة التي يتكون منها كل عضو في جسد الإنسان وغيره من الأجسام، فالله تعالى بقدرته خلق تلك الأشلاء وكون منها أجساداً متماسكة على تلك الصور الرائعة التي ركّبه عليها ربه الذي يشير في محكم كتابه إلى هذا المعنى فيقول(يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ فِي أَيِّ صُورَةٍ مَّا شَاء رَكَّبَكَ) ولذا قال(ع): وأشلاءاً جامعة لأعضائها، ملائمةً لأحنائها، لقد وضع الله تعالى أجزاء الجسد في المواضع المناسبة لتحركات الإنسان فوضع العين مثلاً في الوجه لأن ذلك أسهل على الإنسان من أن تكون عيناه في رأسه أو في ظهره، وهكذا الأمر في جميع الأعضاء الأخرى، ثم قال(ع): بأبدان قائمة بأرفاقها وقلوب رائدة لأرزاقها في مُجلِّلاتِ نعمه وموجبات مننه وحواجز عافيته: فالأرفاق جمع رِفق وهو المنفعة أو ما يستعان به على المنفعة وهذه الأبدان يستخدمها الناس فيما ينفعهم ويحسّن أحوالهم، وأما القلوب الرائدة لأرزاقها أي الطالبة للرزق فالقلب يطلب الرزق والبدن ينفذ للقلب هذا المطلب لأن القلب من دون أعضاء أخرى لا يستطيع أن يحصل على شيء.
وكل الناس يدركون ذلك ولكنهم يتناسونه وينكرونه وهم مسؤولون عند الله تعالى على هذا الإنكار.
وقد يصاب الإنسان بمرض معيّن فيحيط به أهله وأقاربه وأحباؤه ويهتمون بشأنه ويأخذوه إلى أقوى الأطباء ليصف له الدواء المناسب فهم يخافون عليه من المرض والخطر ولكن الجميع عاجزون أن يدفعوا عنه الموت لأنه المصير المحتوم لكل إنسان فإذا جاء الأجل لم ينفع معه طبيب ولا دواء ولا قريب ولا والد ولا ولد، ولهذا يعظنا أمير المؤمنين(ع) بقوله: فَهَلْ دَفَعَتِ الْْأَقَارَبُ، أَوْ نَفَعَتِ النَّوَاحِبُ؟ وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْْأَمُوَاتِ رَهِيناً، وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً، قَدْ هَتَكَتِ الْهَوَامُّ جِلْدَتَهُ، وَأَبْلَتِ النَّوَاهِكُ جِدَّتَهُ، وَعَفَتِ الْعَوَاصِفُ آثَارَهُ، وَمَحَا الْحَدَثَانُ مَعَالِمَهُ، وَصَارَتِ الْْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا، وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا، وَالْْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بَغَيْبِ أَنْبَائِهَا، لاَ تُسْتَزَادُ مِنْ صَالِحِ عَمَلِهَا، وَلاَ تُسْتَعْتَبُ مِنْ سَيِّىءِ زَلَلِهَا:
لا يستطيع الأقارب أن يدفعوا الموت عنه ولا ينفعه نحب النواحب وبكاء الأحبة لأن الأمر الإلهي نزل عليه فلا راد لأمر الله وحكمه، وقد غودر في محلة الأموات رهيناً لقد أصبح رهيناً للموت لملك الموت وللقبر وللبرزخ، وفي ضيق المضجع وحيداً ومضجع الإنسان هو قبره ولحده الضيق والمظلم والموحش وإن باستطاعة الإنسان أن يوسع ضيق المضجع بعمله الصالح الذي يجعل القبر روضة من رياض الجنة فالإنسان عندما يوضع في تلك الحفرة يبقى وحيداً فلا مؤنس ولا حبيب ولا قريب لأن الجميع سوف يتركونه وشأنه ويرجعون إلى هموم الحياة وربما يأتي عليهم زمان ينسون فيه ميتهم فلا يقرؤون له القرآن ولا يترحمون عليه ولا يتصدقون عنه ولا يزورون قبره ثم يتابع الإمام موعظته فيقول قد هتكت الهوامُّ جِلدته فعندما يقبر الميت يصبح طعاماً للحشرات التي تلتهم جلده وتأكل لحمه وتشرب دمه ويا لها من حالة ما أصعبها وما أمرّها وما أسوأها على ابن آدم.
قد هتكت الهوامُّ جِلدته وأبلت النواهك جِدّتَه يفقد القوة والحركة فيصبح جثة هامدة لا يدفع عن نفسه سوءاً ولا يجلب لها منفعة حيث أبلته النواهك والعوامل الطبيعية التي خلقها الله عز وجل وعَفَت العواصف آثاره فلم تُبقِ له من أثر لأنه سوف يفنى كلياً كأنه لم يوجد من الأساس، ومحا الحدَثانُ معالمه فمع مرور الأيام والليالي لا يبقى للمرء أي معلَم يُستَدَلّ به عليه وصارت الأجساد شَحِبةً بعد بَضَّتِها أي أنها هلكت بعدما كانت مملوءة بالحياة بضّةً والعظام نخِرة بعد قوّتها فبعد أن كانت العظام قوية ومتماسكة أصبحت بعد الموت نخرة نخرتها هوامّ الأرض والعوامل الطبيعية فأصبحت رفاتاً مختلطة بتربة الأرض لا تُميَّز عنها والأرواح مرتَهَنةً بثِقل أعبائها وفي تلك الحالة تكون الأرواح رهينة للمعاصي التي فعلتها في دار الدنيا فهي ثقيلة وذات عبئ كبير على الإنسان.
وكثير من الناس يحبون الآخرة ويتمنون أن يكونوا من أهل الجنة ولكنهم لا يعملون العمل المناسب الذي يحرزون به أمنيتهم ويحققون به غاياتهم، فمنهم من يعرف السبيل للخلاص من العذاب فلا يسلكه تكبراً واستهتاراً ومنهم من يجهل الأمر، وعلى كليهما العمل الصحيح ليربحا أنفسهما في يوم القيامة، فمن أراد ثواب الآخرة وجب عليه أن يعمل لأن الحصول على هذا الثواب له شروط ومقدمات لا يتحقق إلا بها، وإلا كنا مصداقاً لقول أمير المؤمنين(ع) لا تكن ممن يرجوا الآخرة بدون عمل: فمن عمل للدنيا خسرها وخسر الآخرة ومن عمل للآخرة ربح الدنيا والآخرة، قال تعالى(مَّن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاء لِمَن نُّرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا وَمَنْ أَرَادَ الآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُم مَّشْكُورًا) وقد أرشدنا أمير المؤمنين(ع) إلى سبل كسب الآخرة حيث قال: فَاتَّقُوا اللهَ تَقِيَّةَ ذِي لُبٍّ شَغَلَ التَّفَكُّرُ قَلْبَهُ، وَأَنْصَبَ الْخَوْفُ بَدَنَهُ، وَأَسْهَرَ التَّهَجُّدُ غِرَارَ نَوْمِهِ، وَأَظْمَأَ الرَّجَاءُ هَوَاجِرَ يَوْمِهِ، وَظَلَفَ الزُّهْدُ شَهَوَاتِه، وَأَوْجَفَ الذِّكْرُ بِلِسَانِهِ، وَقَدَّمَ الْخَوْفَ لِأَمَانِهِ، وَتَنَكَّبَ الَْمخَالِجَ عَنْ وَضَحِ السَّبِيلِ، وَسَلَكَ أَقْصَدَ المَسَالِكَ إِلَى النَّهْجِ الْمَطْلُوبِ; وَلَمْ تَفْتِلْهُ فَاتِلاَتُ الْغُرُورِ، وَلَمْ تَعْمَ عَلَيْهِ مُشْتَبِهَاتُ الْْأُمُورِ، ظَافِراً بِفَرْحَةِ الْبُشْرَى، وَرَاحَةِ النُّعْمَى، في أَنْعَمِ نَوْمِهِ، وَآمَنِ يَوْمِهِ. قَدْ عَبَرَ مَعْبَرَ الْعَاجِلَةِ حَمِيداً، وَقَدَّمَ زَادَ الْآجِلَةِ سَعِيداً، وَبَادَرَ مِنْ وَجَلٍ، وَأَكْمَشَ فِي مَهَلٍ، وَرَغِبَ فِي طَلَبٍ، وَذَهَبَ عَنْ هَرَبٍ، وَرَاقَبَ فِي يَوْمِهِ غَدَهُ، وَنَظَرَ قُدُماً أَمَامَهُ. فَكَفَى بِالْجَنَّةِ ثَوَاباً وَنَوَالاً، وَكَفى بَالنَّارِ عِقَاباً وَوَبَالاً! وَكَفَى بِاللهِ مُنْتَقِماً وَنَصِيراً! وَكَفَى بِالكِتَابِ حَجيجاً وَخَصِيماً:
هذه دعوة لنا واضحة المعاني والأهداف أطلقها أمير المؤمنين(ع) حرصاً على مستقبلنا بعد الإرتحال من دار الفناء إلى دار البقاء.
فمن أخذ بهذا الكلام العظيم وعمل بمضمونه وسار على نهجه فقد سلك الصراط المستقيم وربح الدنيا والآخرة وأنقذ نفسه من كل موبقة ومَهلكة، وهكذا يجب على الإنسان الواعي أن يصنع لأن الواعي هو الذي يعرف كيف يخلّص نفسه من العذاب يوم لا يغني أحد عن أحد.
والإمام(ع) يدعونا إلى أن نتقي الله عز وجل تقية إنسان واع قد أشغل التفكر بالله قلبه، والتفكر كما نعرف وتعرفون عبادة يحبها الله تعالى لأن التفكر أسرع وسيلة لإدراك الحق والوصول إلى الأهداف والغايات، أما الذين يعملون ويعبدون ويسهرون الليالي ولا يتفكرون في خلق الله ولا يتفكرون في العبر والأدلة والقرائن الدالة على عظمة الخالق ووحدانيته فلن تكون منفعة عملهم كبيرة إن قلنا بوجود المنفعة فيه من الأساس، فعلى الإنسان أن يتقي الله بهذا الشكل الفعّال والمؤثّر والمجدي كيلا يصبح عمله هباءاً كالسراب وهناك تقع الخسارة الكبرى التي لا يمكن أن تعوَّض بأي وجه من الوجوه.
قال(ع) وأنصب الخوف بدنه: والنَصَب هو التعب، فلقد أتعب الخوف بدن المؤمن، لأنه كلما عمل لله استقل العمل وراح يسعى ويكثر من العمل والسهر والعبادة رجاء أن ينال رضا الله تبارك وتعالى فهو يخاف من عقاب الله ويرجو ثوابه، وكلا الأمرين يدعو إلى العمل، والأهم من كثرة العمل هو كثرة التوجه الخالص والصادق فإنك إذا قمت بعمل قليل فيه نية صادقة لوجه الله الكريم كان ذلك خيراً لك من أن تكثر من العمل الخالي من التوجه فإن العمل الخالي من التوجه هو خال من المردود.
وقال(ع) وأسهر التهجُّد غِرارَ نومه إن حب الإنسان للطاعة يدعوه إلى السهر في الدعاء والمناجاة والصلاة وقراءة القرآن وإن حبه لهذه الخصال أسهره حتى من قليل نومه وقد ورد أن النبي(ص) كان يقوم كل الليل ولا يشبع من العبادة إذ كان يصلي حتى تتورم قدماه وهو يقول أنا لا أشبع من الصلاة فخفف الله عنه عندما أنزل عليه قوله المبارك(يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا نِصْفَهُ أَوِ انقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا)
وقال(ع) وأظمأ الرجاء هواجر يومه أي أنه صام رجاء الثواب فهو لا يشعر بشدة الجوع والظمأ لأنه يتفكر بجوع يوم القيامة وعطشه.
وقال(ع) وظلفَ الزهد شهواته أي أن زهده في الحياة وما فيها وتوجهه الكامل نحو الله تعالى منعه من اتباع الشهوات وظلف الزهد شهواته أي منعها.
وأرجف الذكرُ بلسانه أي أنه كان يسرع بالذكر كيلا يضيّع وقتاً من غير أن يكسب فيها، وقدّم الخوفَ لأمانه، وتَنَكَّبَ المخالجَ عن وَضَحِِ السبيل، أي أنه اشتغل بالخوف في الحياة ليأمن من مخاوف الموت وما بعده، واتقى الموبقات التي تعترض طريقه نحو الله.
قال(ع) وسلك أقصدَ المسالك إلى النهج المطلوب فالمؤمن في هذه الحياة له مطلوب أساسي يسعى إلى نيله وهدف عظيم يعمل على تحقيقه وهو الرضا بعد الإنتقال من هذه الدنيا ولأجل ذلك فإن المؤمن في دنياه يسلك أفضل الطرق وأوضحها وأسرعها نحو اكتساب السعادة، فهو يسلك أقصد المسالك وفي نفس الوقت لا يصغي للميل عن الحق والإنحراف عن الجادة الصحيحة وهذا ما عبّر عنه الإمام بقوله: ولم تَفتله فاتلات الغرور، يعني لا يغره بالله الغرور ولا تخدعه الدنيا رغم تعدد أساليب الخداع عندها.
وهنا عبارة تكشف لنا عن نباهة المؤمن وحذاقته فهو يميز بين الحق والباطل والخير والشر والصحيح والفاسد فلا يقع في الشبهات لأنه من الأساس حصّن نفسه بالعلم والمعرفة كيلا يقع في أفخاخ الحياة، ولذا وصفه(ع) بقوله: ولم تَعمَ عليه مشتبِهاتُ الأمور الأمور كلها واضحة أمامه فهو يعرف الحلال والحرام فلا ينخدع ولا يغفل بل يبقى متنبهاً بشكل دائم، وهذا التنبّه له أثر حميد وعاقبة حسنة وهو الفوز والنجاة، قال(ع) ولم تَعمَ عليه مشتبِهاتُ الأمور ، ظافراً بفرحة البشرى وراحة النُّعمى في أنعَم نومه وآمنِ يومه: لا شك بأن المؤمن سوف يظفر بالفرحة الكبرى عندما تأتيه الملائكة حاملة معها البشارة له بنعيم الأبد، وهنا يأتي السؤال ما هو سبب هذا الظفر والفرحة، ولقد أجاب الإمام(ع) عن ذلك حيث تابع كلامه قائلاً:
قد عبر معبر العاجلة حميداً وقدّم زاد الآجلة سعيداً وبادر مِن وَجَل وأكمش في مَهَل ورغِب في طلب وذهب عن هرب وراقب في يومه غدَه ونظر قُدُماً أمامه فكفى بالجنة ثواباً ونوالاً وكفى بالنار عقاباً ووبالاً وكفى بالله منتقماً ونصيراً وكفى بالكتاب حَجيجاً وخصيما
فهذا المؤمن ربح لأنه اتخذ الدنيا معبراً نحو الآخرة فقد تزود من الدنيا في الدنيا من أجل أن يضمن لنفسه راحة أبدية.
هذا المؤمن راقب الله في كل شيء واستغل يومه للعمل من أجل غده وأبعد نظره فعلم بأن الجنة خير ثواب ونوال فمهّد لها وسعى لها سعيها وأدرك بأن النار دار عقاب شديد فعمل للنجاة منها وتوكل على الله في كل شيء فكان الله حسبه في الدنيا والآخرة.
الشيخ علي فقيه



