
أَشَد الساعَاتِ عَلَى الإِنْسَان
من قوانين الطبيعة في هذه الحياة الدنيا التي خلقها الله عز وجل أن يشعر من عليها بالأمن تارة وبالخوف والشدائد تارة أخرى، فمرة تراه فرحاً ومسروراً، ومرة تراه حزيناً كئيباً، وأحياناً يكون تعباً، وأحياناً يكون مرتاحاً من الهموم والمشاكل الأمراض وأعباء العيش المتعددة، وتارة يبيت على الطوى من دون طعام يجده، وأخرى يبيت شبعاناً وربما يبيت على التخمة القاتلة.
إذاً .. قد يواجه الإنسان في دار الدنيا كثيراً من المواقف الصعبة، ويذوق المرارات المتنوعة، وتمر عليه المحن والمخاطر والقلق وكثير من اللحظات المخيفة والساعات الشديدة، غير أن جميع شدائد الدنيا لا تقاس بذرة من شدائد الآخرة، ونحن في هذا المقام لا نذكر هذه الأمور من باب التخويف وزرع الرعب في قلوب الناس بهدف الردع عن الحرام وإن كان هذا الأسلوب جيداً في الوعظ والإرشاد لأن هناك نفوساً لا تنزجر بأسلوب الترغيب فهي لا تتأثر ولا تتعظ إلا بهذه الطريقة، فنحن لا نذكر ما نذكره من هذا الباب وإن كان في الواقع كذلك، إلا أننا نذكره بهدف بيان الحقيقة التي ذكرها القرآن الكريم وأشار إليها المعصومون(ع) في مخاطبتهم للناس في مواضع كثيرة بهدف إنارة الطرق والبصائر والقلوب والعقول التي أظلمتها شوائب الدنيا، فهم سلام الله عليهم يصححون مسارنا ويقيمون مسيرنا في تلك الجادة المظلمة والتي لولا تعاليمهم وإرشاداتهم لبقيت كذلك، فلقد منَّ الله بهم علينا لنسير على بصيرة من أمر دنيانا وآخرتنا، تلك الجادة التي لا يمكن التعرف عليها وعلى ما يواجهنا فيها من العقبات إلا عن طريق خزائن علم الله عليهم سلام الله كلما أخرجنا نفَساً أو أدخلناه.
أيها المؤمنون والمؤمنات.. لا يستخفنّ أحدكم بالمرحلة القادمة، ولا تستخفن بصعوبة الموقف وشدة المحنة وكثرة العقبات التي لا تزيلها إلا طاعة الله بصدق وإخلاص ولا يخففها عنا وعنكم سوى العمل الصالح، فإن الشدائد التي أضعفتنا في دار الدنيا لا تعادل ذرة من الشدائد التي سوف تواجهنا عند الموت وبعده.
يقول الإمام الرضا(ع) : إن أوحش ما يكون هذا الخلق في ثلاثة مواطن، يوم يولد ويخرج من بطن أمه فيرى الدنيا، ويوم يموت فيعاين الآخرة وأهلها، ويوم يبعث فيرى أحكاماً لم يرها في دار الدنيا:
ويقول الإمام زين العابدين(ع) : أشد ساعات ابن آدم ثلاث ساعات، الساعة التي يعين فيها ملك الموت، والساعة التي يقوم فيها من قبره، والساعة التي يقف فيها بين يدي الله تبارك وتعالى فإما إلى الجنة وإما إلى النار:
وأمام هذين الحديثين أتساءل لكم ولنفسي.. كيف سيكون حالنا عندما نرى ملائكة الله ومعهم ملك الموت قد أتوا لنزع أرواحنا من أجسادنا ونحن لا ندري كيف تخرج الروح، هل تخرج بخفة أم بشدة؟ وهل يأتون ببشارة نعيم أم بشارة جحيم؟ ولا نعلم كيف تكون أشكالهم، هل هي مؤنسة لنا أو مرعبة؟ وهل سيتعاملون معنا برفق ولين أم بقساوة وغلظة؟ وكيف سيكون حالنا عندما نعلم أنهم ملائكة الله؟ وأن هذه اللحظة هي اللحظة الحاسمة التي تطوى فيها سجلات الحياة وتبدأ فيها مرحلة ظهور النتيجة؟ وبماذا سنشعر عندما نفكر في أولادنا وأزواجنا وأصدقائنا الذين سيستيقظون عند الصباح أو في أي وقت ويجدوننا جثثاً هامدة قد خرج منها السر الإلهي العظيم؟
ألم نفكر لحظة في شدة المحنة وصعوبة الموقف عندما تساق أرواحنا إلى علم الله ونحن نجهل المصير القادمين عليه؟ وكيف سيكون حالنا عندما نخرج من قبورنا في يوم القيامة للحساب؟ هل معنا عمل صالح ندخل به الجنة أم أن كتابنا لم يحص علينا سوى الشر والخيانة والسرقة وحب الشهوات وظلم الناس فإذا سأَلَنا الله فهل لدينا الجواب المقنع والحجة والمعذرة، أم نسكت وتشهد علينا أيدينا وأرجلنا وجميع جوارحنا فنعاتب الجوار فتقول لقد أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء.
وكيف سيكون حالنا عندما نقف في ذلك الموقف الكبير والمشهد العظيم الذي مهما حاولنا أن نقرّب وضعه إلى أذهاننا كان أعظم مما نظن ونتوهم.
لقد صوّر لنا الإمام السجاد هذه الحالة، ولكن قليلاً من الناس يعملون بالموعظة ويأخذون بالنصيحة، فقد قال(ع) في دعائه: فمَنْ يكون أسوأ حالاً مني إن أنا نقلت إلى قبر لم أمهده لرقدتي ولم أفرشه بالعمل الصالح لضجعتي…أبكي لخروجي من قبري عرياناً ذليلاً أحمل ثقلي على ظهري.. فالآن من عذابك من يستنقذني:
يجب أن نعمل ونمهد لنخفف عن أنفسنا في تلك المراحل كل شدة وصعوبة، ولنزيل من طريقنا جميع العوائق التي تمنعنا من الوصول إلى السعادة.
الشيخ علي فقيه



