الموت وما بعده

سِلْسِلَةُ المَوْتِ وَمَا بَعْدَه

التزَودُ لِلمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل

 

 

التزَودُ لِلمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِ الأَجَل

 

قال سبحانه وتعالى(وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ) فإن الذين فهموا معنى الحياة والهدف من وجودهم فيها، هم الذين يتعظون ويعتبرون ويحذرون الأخطار ويجمعون من دار الفناء لدار البقاء ويستعدون للرحيل الوشيك ويتأهبون للقيا ملك الموت وأعوانه بالطاعة الصادقة والنية الخالصة والإيمان الصحيح والعمل الصالح، وقد التزموا بمضمون الآية المذكورة فتزودوا ليوم لا ينفع فيه سوى العمل النابع عن تقوى الله عز وجل حيث أدركوا بأن التقوى خير زاد.

وهؤلاء هم الناجون الرابحون الفائزون المرحومون المقربون في يوم الحساب، ولمثل ما عمل هؤلاء يجب أن نعمل نحن لنأخذ العبرة من عاقبتهم الحسنة وكذلم من عاقبة الذين ظلموا، فلقد كانت العاقبة الحسنة للمتقين، والعاقبة السيئة للظالمين، قال علي(ع): فتزودوا في الدنيا من الدنيا ما تُحرزون به أنفسكم غداً:

أتوقف قليلاً عند هذه الكلمة العظيمة لتكون الفائدة منها أكبر، فلقد ركّز الإمام على مسألة التزود من الدنيا ليلفت أنظارنا إلى أنه لا يوجد بعدها مرحلة للتزود، فهي الفرصة الوحيدة التي فتحها الله لعباده، وفيها يحدَّد مصير الإنسان.

وقال(ع): تزودوا في أيام الفناء لأيام البقاء، قد دُللتم على الزاد وأُمرتم بالظعن وحُثثتم على المسير: ومعنى ذلك أنه تعالى لم يكلفنا بما هو فوق طاقتنا فلقد حثنا على التزود من الدنيا للآخرة بعد أن دلنا على سبل التزود فلم يتركنا في حيرة من أمرنا وهذا لطف من الله تعالى بعباده الفقراء له والمحتاجين إليه في جميع مراحل الدنيا والآخرة، وقال(ع): عليكم بالجد والإجتهاد والتأهب والإستعداد والتزود في منزل الزاد: وقال: فليعمل العامل منكم في أيام مَهَله قبل إرهاق أجله…وليتزود من دار ظعنه لدار إقامته:

وقال(ع): ألستم في مساكن من كان قبلكم أطول أعماراً وأبقى آثاراً وأبعد آمالاً وأعدَّ عديداً وأكثف جنوداً تعبّدوا للدنيا أيَّ تعبُّد وآثروها أي إيثار ثم ظعَنوا عنها بغير زاد مُبلِّغ ولا ظهرٍ قاطع:

وفي هذا الكلام الموجز يوجد أكثر من موعظة لأكثر من زمان ومكان وحدث، وهنا يحثنا الإمام على أخذ العبرة من السابقين الذين لم يبق من آثارهم شيء ولو كتب الخلود لذوي المال والقوة لكُتب لهم قبل غيرهم، وهذا الكلام العظيم مستوحى من كلام القرآن المجيد الذي وعظنا وأرشدنا وحذرنا وأعطانا العبرة من الأمم السالفة والشعوب الماضية الذين أهلكتهم الدنيا لأنهم اتخذوها دار مقر لهم.

وقد أعطانا العبرة من عاقبة الظالمين، وأبرزهم فرعون وقارون، الأول بقوته وكثرة جنوده والثاني بكثرة ماله، وإليكم الموعظة القرآنية والعبرة الإلهية حول مصيرهما، ففي موضوع فرعون قال تعالى(وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَا هَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَل لِّي صَرْحًا لَّعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ  وَاسْتَكْبَرَ هُوَ وَجُنُودُهُ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ إِلَيْنَا لَا يُرْجَعُونَ  فَأَخَذْنَاهُ وَجُنُودَهُ فَنَبَذْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الظَّالِمِينَ  وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنصَرُونَ  وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُم مِّنَ الْمَقْبُوحِينَ) وفيه أيضاً قال تعالى(آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ  فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ) وفي موضوع قارون الذي جمع من المال ما لم يجمعه أحد بعده من الناس قال تعالى(إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ إِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ  وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قَالَ إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي أَوَلَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَهْلَكَ مِن قَبْلِهِ مِنَ القُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعًا وَلَا يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ الْمُجْرِمُونَ  فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ  وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِّمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا وَلَا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ  فَخَسَفْنَا بِهِ وَبِدَارِهِ الْأَرْضَ فَمَا كَانَ لَهُ مِن فِئَةٍ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَمَا كَانَ مِنَ المُنتَصِرِينَ  وَأَصْبَحَ الَّذِينَ تَمَنَّوْا مَكَانَهُ بِالْأَمْسِ يَقُولُونَ وَيْكَأَنَّ اللَّهَ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ وَيَقْدِرُ لَوْلَا أَن مَّنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا لَخَسَفَ بِنَا وَيْكَأَنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ  تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ)

 

التَزَودُ لِلآخِرَة

 

كثير من الناس فهموا الدنيا من زواياها السلبية وجهاتها الشريرة، ولم يحيطوا علماً بالزوايا الأخرى التي يُصنع بها الخير لها وللآخرة، والدنيا ليست قبيحة كما يدعي بعض الناس إذ لو كانت كذلك لما قال الله لرسوله في كتابه العزيز(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) وإذا تأملنا قليلاً في الفقرات التي وردت في الآية الكريمة لأدركنا حقيقة الميزان الذي وضعه الله لعباده بين الدنيا والآخرة، وقد أوضح الإمام علي(ع) جانباً من هذا الميزان عندما قال: إعمل لدنياك كأنك تعيش أبداً واعمل لآخرتك كأنك توت غداً : والفرق بين المؤمن وغيره هو أن غير المؤمن يعمل للدنيا وينسى الآخرة، أما المؤمن فإنه يعمل لكلتيهما، فهو يريد خير الدنيا والآخرة، وهذا هو عين العقل، لأن المؤمن جزء من هذه الدنيا لا يستطيع أن يتخلى عنها، فالطعام الذي يأكله، والماء الذي يشربه، والهواء الذي يستنشقه، والمناظر الخلابة الطبيعية التي يؤنس نظره بها ويأخذ العبرة منها، كل ذلك من الدنيا، فمن أنكر الدنيا فقد أخطأ، لأنها الدار التي توصلك إلى نعيم الآخرة، وهي دار عمل، فإذا أنكرتها لم يعد بإمكانك أن تعمل فيها وتتزود منها لدار الخلود.

فإذا أردت أن تكون من الرابحين الفائزين فاعمل للدنيا كأنك سوف تبقى فيها للأبد، واعمل للآخرة كأنك مفارقٌ الدنيا في هذه اللحظة، وترك الدنيا بالمعنى الخاطئ لا ينبئ عن الفهم والوعي والإيمان والزهد، إذ ليس الزهد أن لا تملك شيئاً في الحياة وإنما الزهد الحقيقي هو أن لا يتملكك الشيطان ولا تسيطر عليك الأهواء ولا تخضع للشهوات المحرمة، فإذا ابتعدت عن الحرام فأنت زاهد وإن كانت أموالك لا تعد ولا تحصى، فأنت لك نصيب من الدنيا كغيرك ممن هو فيها، ولكن لا ينبغي أن تبيع الآخرة بالدنيا وتنسى ربك وواجباتك، قال تعالى(وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ) يعني إستعمل ما آتاك الله في الدنيا من مال وقوة وإمكانيات متعددة في سبيل الفوز يوم الحساب، وهذا النوع من العمل لا ينبغي أن يحرمك نصيبك من الدنيا، ولقد قال تعالى(وَلَا تَنسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا) كيلا يفهم الناس عكس المراد الأساسي من هذا الخطاب الإلهي الدقيق، ثم أمرك ربك بالإحسان، والإحسان هو التزود ليوم القيامة فقال (وَأَحْسِن كَمَا أَحْسَنَ اللَّهُ إِلَيْكَ وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ) ولأجل ذلك قال أمير المؤمنين: إن الدنيا دار صدق لمن صَدَقَها ودار عافية لمن فهم عنها، ودار غنى لمن تزود منها: وقال: إنما الدنيا منتهى بصر الأعمى، لا يبصر مما وراءها شيئاً، والبصير يَنفُذها بصرُه ويعلم أن الدار وراءها، فالبصير منها شاخص، والأعمى إليها شاخص، والبصير منها متزود، والأعمى لها متزود:

وهنا يظهر لنا الفرق بين المؤمن وغيره، فالمؤمن يتزود من الدنيا لدار الخلود وغيره يتزود من الدنيا للدنيا فقط.

وقال(ع) : إنك لن يغني عنك بعد الموت إلا صالح عمل قدمتَه فتزود من صالح العمل: وقال(ع) :تجهزوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل وأقلّوا العُرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبةً كؤوداً ومنازل مخوفةً مهولة لا بد من الورود عليها والوقوف عندها:

وعندما رجع الإمام(ع) من صفين أشرف على القبور بظاهر الكوفة فقال: يا أهل الديار الموحشة والمحالّ المقفِرة والقبور المظلمة يا أهل التربة يا أهل الغربة يا أهل الوحدة يا أهل الوحشة أنتم لنا فَرَط سابق ونحن لكم تَبَع لاحق أما الدور فقد سكنت وأما الأزواج فقد نكحت وأما الأموال فقد قُسِمت هذا خبر ما عندنا فما خبر ما عندكم؟ ثم التفت إلى أصحابه فقال: أمّا لو أذن لهم في الكلام لأخبروكم أن خيرُ الزاد التقوى:

الشيخ علي فقيه

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى