
النفْسُ اللوامَة
شاءت حكمة الله سبحانه واقتضى عدله أن يجعل ميزاناً دقيقاً بين قوى النفس المتناحرة ليخلق بذلك تكافئاً في الصراع الداخلي الدائر بين قوى الخير وقوى الشر.
وبسبب ثقتنا المطلقة بالرحمة الإلهية الواسعة إعتقدنا بأن هذا التكافؤ قائماً على رجحان قوى الخير ليكون ذلك مساعداً أساسياً في مقارعة الشر، وحجة واضحة يحتج بها رب العالمين على عباده.
فبعد أن خلق الله تعالى قابلية في الإنسان للخير والشر دعم قابلية فعل الخير بخلق قوة جوهرية خفية يُطلق عليها(الفطرة) التي فطر جميع خلقه عليها، وأهم وظائف هذه القوة هي الدلالة على الوجود والوحدانية، وسوف يرد الحديث عنها مفصّلاً في محله بإذنه تعالى.
وهذا الميزان الدقيق الذي أشرنا إليه آنفاً وُضع في الإنسان لتستقيم به مقدمات الإمتحان المفروض على كل عاقل مكلَّف، وقد طرح الله في كتابه ما ينسجم مع واقع هذا الإمتحان من أوامر ونواه بيّنها بالتفصيل.
ولا يمكن لأي موجود أن يُنكر حقيقة الموجد والموجود، لأن الأدلة عليه متضافرة لا يمكن إنكارها بوجه من الوجوه، وقد جعل الله سبحانه آياته في كل ما يرى الإنسان ويسمع مما هو محيطٌ به أو بعيدٌ عنه.
وأودّ الإشارة إلى حقيقة ثابتة تتصل بعدل الله سبحانه، وهي الفرق بين كون الله جل وعلا لا يقبل الأعذار، وبين كون عدم وجود مجال للعذر.
إن الله سبحانه يقبل الأعذر، ويقبل التوبة عن عباده، ويعفو عن كثير، ولكن قد يصل حال الإنسان إلى حائط مسدود لا يُقبل معه عذر كما كان حال فرعون الذي كفر وظلم وعاند وهو في قرارة نفسه يعرف الحقيقة، ولهذا حُرم من قبول عذره، وهذا لا يختص بشخص فرعون، بل يشمل كل شخص شابه عملُه عملَه.
والحقيقة الثابتة هو أن الإنسان لا عذر له بعد أن أعطاه الله ما أعطاه وبيّن له ما بيّن له من تعاليم ومفاهيم وأسراراً، ولكنه سبحانه بحلمه وعفوه قد يقبل الأعذار في بعض الحالات كما قبِل عذر الوحشي قاتل حمزة عم النبي(ص).
لقد مرّ الكلام عن النفس الأمارة بالسوء والنفس الزكية، بقي لنا أن نعرّج على ما يتصل بالنفس اللوامة التي ذكرها الله سبحانه في سورة القيامة ضمن قسَم أقسم به حيث قال(لَا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلَا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ)
والنفس اللوامة هي من القوى الرحمانية المجعولة في الإنسان والتي اختُصت بإلقاء اللوم عليه حين الخطأ، فهي تستمر في لومه حتى يتراجع عن خطئه ويتوب من ذنبه لتجعل من نفسه نفساً زكية، وهذا الصراع يشعر به كل إنسان منا وإن لم يكن مؤمناً أو مسلماً لأنه موجود فينا بالتكوين.
ففي وصية رسول الله محمد(ص) لابن مسعود: يابن مسعود أكثر من الصالحات والبر، فإن المحسن والمسيء يندمان، يقول المحسن يا ليتني ازددت من الحسنات، ويقول المسيء قصّرتُ، وتصديق ذلك قوله تعالى(ولا أقسم بالنفس اللوامة):
وتعددت أقوال العلماء في حقيقة هذه النفس:
فقال بعضهم: هي نفس المؤمن التي تلومه في الدنيا على المعصية، وتنفعه يوم القيامة.
وقال آخرون: هي النفس الإنسانية بشكل علم من دون اختصاصها بالمؤمن أو الكافر، فهي تلوم الكافر يوم القيامة على كفره في الدنيا، وتلوم المؤمن على قلة الطاعة.
وقال البعض: إنها تختص بنفس الكافر.
ولو أردنا أن نكون منصفين لتبنّينا القول الثاني لأانها موجودة في كل إنسان، فإن اختصاصها بالمؤمن يُشعر بوجود ظلم لغيره، ويدل على ذلك وصية النبي(ص) لابن مسعود.
الشيخ علي فقيه



