
بَيْنَ الروْحِ والنفْسِ وَالجَسَد
من هذه المخلوقات الثلاث تتكوّن حقيقة الإنسان، فلو فُقدت واحدة لما بقي للإنسان وجود حيث لا يُطلق على الروح المجردة لفظ الإنسان، وكذلك بالنسبة للنفس المجردة وللجسد المجرد عن الروح والنفس.
والروح هي مصدر الحياة للجسد والنفس، فإذا خرجت الروح تبعتها النفس وبال الجسد حتى الفناء، وهذا ما يُعبّر عنه بالموت الذي هو عبارة عن خروج الروح من الجسد.
أما خروج النفس من الجسد فلا يعني الموت، وإنما يعني النوم أو الإغماء، فإن النفس تذهب وتعود، أما الروح فإن ذهبت فلا عودة لها إلى الجسد إلا في يوم النشور.
ونقصد بالنفس هنا الحواس الخمس، ولا نعني بها التقسيم العلمي أو العقائدي فإن ذلك التقسيم لها يذهب باتجاه آخر.
ففقدان حاسة من الحواس الخمس لا يعني الموت ولا يُفقد الإنسان إنسانيته، وكثير من الناس يفقدون بعض الحواس، وجميعهم يفقدونها أثناء النوم، ويبقى الإنسان إنساناً، ولكنه إنسان نائم.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الحقيقة فقال سبحانه في سورة الزمر(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)
الوفاة تعني الرفع، والله سبحانه يرفع الأنفس عند الموت وعند النوم، فالميت معدوم النفس، والنائم كذلك، ولكن الفرق بينهما هو أن النفس تعود إلى الروح ما دامت موجودة في الجسد، ولا تعود إليها إذا خرجت من الجسد، فإن كان الإنسان ممن بقي لهم عمر عادت قوى النفس إليه حال الإستيقاظ، وأما إن كان ممن أتى أجلهم فسوف تخرج الروح من الجسد، ولا عمل للنفس من دون الروح لأن الروح هي المحرك الأساسي للنفس والجسد.
والذي يرفعه الله حين الموت أو حين النوم هو قوى النفس، وقوى النفس نوعان، نوعٌ يتصل بالحواس الخمس، ونوع يتصل بالتقسيم العقائدي لأن النائم لا يوصف بصاحب نفس لوامة أو زكية أو أمارة بالسوء عند نومه، وإنما يوصف بذلك حال الإستيقاظ.
ولذا أمكن القول بأنه حال النوم ترتفع جميع قوى النفس ووظائفها الحسية وغير الحسية.
ولذا سأل أبو بصير الإمامَ الصادق(ع) عن الروح عند النوم أخارجٌ من البدن فقال(ع): لا يا أبا بصير، فإن الروح إذا فارقت البدن لم تعد إليه:
حَقِيْقَةُ الرُوْح
عرّف الفلاسفة الروح بأنها: جوهرٌ ملكوتي يستخدم البدن لحاجاته:
والجوهر الملكوتي سرٌ من أسرار الله سبحانه.
وأسرار الله محجوبة عن عقول الخلق إلا مَن مَنّ عليهم بمعرفتها أو معرفة جزء منها.
والأسرار الإلهية نوعان:
نوعٌ بقي سراً في طيات العلم الإلهي، فهو خاصٌ بذات الله عز وجل كحقيقته سبحانه المحجوبة عن الخلق أجمع.
ونوعٌ أخرجه الله سبحانه من عالَم الكتمان إلى مرحلة الظهور لوجود مصلحة في الكشف عنه، والله وحده هو الذي يحدد المصلحة.
هناك الكثير من الأمور كانت سراً، ونعني بالسر ما هو محجوب عن العقول، فإذا انكشف لها لم يعُد سراً، وإن أُطلق عليه لفظ السر مجازاً، فيرد باعتبار أنه كان سراً فجاز بقاء الإسم عليه.
ومن جملة الأسرار الإلهية تلك الأمور التي كانت في الغيب فبيّنها لخلقه حتى يدل على قدرته واتساع علمه، وبقيت أمورٌ مخفية لن تظهر لأحد لأنها من خصوصيات علم الله وحده، كحقيقة الروح التي هي مصدر الحياة في ذوي الأرواح.
ويرتبط هذا البحث ببحث النفس المتقدم نظراً لارتباطهما التكويني، وحقيقة هذا الإرتباط هو اقتران وجود النفس وعملها بوجود الروح في البدن حيث تنتفي النفس بانتفاء الروح دون العكس، وقد بيّنا ذلك بالتفصيل.
والروح في ذوي الأرواح واحدة لاتحاد المصدر الذي هو القدرة الإلهية، ولكن الكلام وقع في استقلالية كل روح، أم أن جميع الأرواح بحكم الروح الواحدة توزع على الجميع؟
نحن نميل إلى الأول بدليل وجود أرواح جديدة في المخلوقين الجدد، وانتقال الروح ممن فارق الحياة، فروح زيدٍ مستقلة عن روح بكر، وروح هذه البقرة مستقلة عن روح ذاك الأسد، وهكذا القول في الباقي.
أما وجه اتحاد الروح في الجميع فيعود إلى كون وظيفتها واحدة في الجميع وهي إعطاء الحياة لهذا المخلوق، أما ما يميز فلاناً عن فلان بحسب العمل فيرجع إلى قوى النفس التي ترتبط بالروح من ناحية كون الروح هي المحرك لها، وتختلف عنها بالوظيفة، فوظيفة الروح شيء، ووظائف القوى النفسية شيء آخر مختلف.
ومن هنا اعتُبر بأن ذات الروح التي تحرك النملة هي التي تحرك الإنسان وغيره من ذوي الأرواح، فالمصدر واحد والوظيفة في الجميع واحدة.
فالإنسان ذو روح، والأسد ذو روح، فلماذا كان هذا الإختلاف، وما هي الفوارق التي ميزت الإنسان عن الحيوان رغم اتحاد وظيفة الروح في الجميع.
إن هذا التمايز بين الإنسان والحيوان يعود إلى وجود قوى في الإنسان تختلف عن تلك التي في الحيوان لأنه غير عاقل، وبالتالي فهو غير مكلّف.
ولذا يمكن اختصار القول بأن الإنسان يحركه العقل المخيّر، والحيوان يتحرك بالغريزة التكوينية، فيمكن التغيير والتبديل في الطبائع الإنسانية بفضل وجود تلك القوى فيه، ولا يمكن هذا التغيير في الحيوان لأنه مجبور على ما هو فيه، وان اختلف سلوك بعض الحيوانات عن الأخرى لبعض الأسباب الخارجية كالتدريب.
وما ذكرناه هنا يحتّم علينا عقد بحث مستقل نبيّن من خلاله مواضع الإلتقاء والإفتراق بين الإنسان وغيره من الحيوانات الحية المتحركة بالإرادة.
الشيخ علي فقيه



