
العَقْلُ
بعد أن تحدثنا عن حقيقة النفس والروح بقي لنا أن نتحدث عن العقل والقلب لتتم به الفائدة المرجوة خصوصاً وأن الكلام حول العقل والقلب هو حديث مشوق لما فيه من البيانات الهامة التي يستفيد منها الإنسان في حياته.
فالعقل هو المحور الذي تدور حوله الأمور، فلولا العقل لما كان لهذا الوجود أدنى شأن، فالتطور المادي والفكري سببه العقل، وطاعة الله عز وجل تتم عبر العقل لأن الخطاب القرآني إنما ورد لأصحاب العقول ولذا فإن القرآن المجيد يركز على هذه الناحية في العديد من آياته مثل قوله تعالى في سورة البقرة(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ) وكقوله في سورة آل عمران(وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُواْ الألْبَابِ) وفي سورة الرعد(إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُواْ الأَلْبَابِ)
وهذا التركيز على العقل في الحديث القرآني ينقله إلى أرفع المستويات ويجعله محط أنظار أهل العقل والفكر، والعقل قوة أودعها الخالق في الإنسان وجعلها حجة عليه لأنه بالعقل يستطيع الإنسان أن يفهم الأمور ويميز بين الصحيح والفاسد والخير والشر والحلال والحرام، فهو مخلوق خفي لا يعلم أصل تكوينه إلا خالقه وهو من أهم الأدلة على قدرة الله تعالى وباقي الصفات التي وصف بها نفسه، وبالعقل ميّز الله الإنسان عن باقي المخلوقات، وبه شُرّف ابن آدم على غيره من ذوي الأرواح، وإن كل ما قام به الإنسان منذ وجوده على الأرض وإلى يومنا الحاضر بل إلى يوم القيامة إنما كان بفضل القوة العاقلة التي هي من صنع الله وإتقانه في الإنشاء، وحقيقة هذه القوة محجوبة عن الخلق لأنها سر من أسرار الله عز وجل فلا يمكن إدراك كنهه وإن أجرى البشر العديد من المحاولات لاكتشاف حقيقته وصناعة شيء يشبهه في القيام بالوظائف.
إن كل التجارب وكل المحاولات التي أجريَت لهذا الغرض انتهت بالفشل الذريع حيث لم يصل الخبراء والعلماء بعد إلى شاطئ العقل فضلاً عن أعماقه إذ كيف يمكن أن يصل إلى ما لم يُسمح بالوصول إليه تكويناً، فالله تعالى أخفى تلك الحقيقة واحتفظ بها لنفسه، ولا قدرة لأي إنسان على خرق تلك الخطوط واجتياز تلك القوانين الموضوعة بالقدرة الإلهية.
وقد تحدث النبي وآله(ص) عن العقل كثيراً لأنه معيار الإمتحان في هذه الدنيا فبه يتعلم الإنسان وبه يحاسَب على معتقداته وأفعاله وتروكه، وقد ورد في الحديث القدسي: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقاً أعظم منك فبك أعرَف وبك أعبَد وبك أثيب وبك أعاقب:
فالعقل إذاً سر عميق لا يصل إليه أحد مهما كان سعيه كبيراً، قال(ص) إن الله خلق العقل من نورٍ مخزون مكنون في سابق علمه الذي لم يَطّلِع عليه نبي مرسَل ولا ملك مقرّب:
وقد حدثنا أمير المؤمنين عن العقل في أكثر من موضع فقال في أكثر من حديث نذكر لكم مضامينها: العقل أقوى أساس، وهو مركب العلم، وهو منزِّه عن المنكر آمر بالمعروف، وهو مصلح كل أمر وصلاح كل أمر، والعقل حُسام قاطع، وثوب جديد لا يَبلى، وهو رسول الحق، وأفضل مَرجوّ، فهو يُحسّن الرويّة ويوجب الحذر، وهو سبب الهداية والنجاة، وقال الحسن: لا غنى أكبر من العقل: وقال الصادق: لا غنى أخصب من العقل، وقال: لا مال أعود من العقل: وقد بيّن لنا الرسول عظمة هذه القوة الملكوتية فقال: قِوام المرء عقله ولا دين لمن لا عقل له: وفي حديث آخر: إن حسَبَ المرء دينه… وأصلَه عقله: فالعقل مصدر كل فضيلة، وعلى كل إنسان عاقل أن يعمل على تنمية هذه القوة وتطويرها من خلال الإهتمام بقوتها واستعمال تلك القوة في أماكنها فينبغي على العاقل أن يستغل قوته العقلية ويستثمرها في كل ما يُصلِح له الحال والبال والمآل، فللعقل دور بارز في اكتساب الفضيلة والنفور من الرذيلة، وقد قال رسول الله(ص) :ما قَسَمَ الله للعباد شيئاً أفضلُ من العقل، فنوم العاقل أفضل من سهر الجاهل، وإقامة العاقل أفضل من شخوص الجاهل، ولا بعث الله نبياً ولا رسولاً حتى يَستمكل العقل، ويكونَ عقله أفضل من جميع عقول أمته، إلى قوله(ص) وما أدى العبد فرائض الله حتى عَقَلَ عنه، ولا بَلَغ جميع العابدين في فضل عبادتهم ما بلغ العاقل، والعقلاء هم أولوا الألباب الذين قال الله تعالى(وما يذّكّر إلا أولو الألباب):
والعقل هو أساس الحساب بل هو المعيار في المحاسبة يوم القيامة لأن الله سبحانه يحاسب الإنسان على حجم عقله وهذا هو رأس العدالة، وقد أوحى الله عز وجل إلى موسى فقال: أنا أؤاخذ عبادي على قدْر ما أعطيتهم من العقل: وقال(ص) إذا بَلَغكم عن رجل حسن حال فانظروا في حُسن عقله فإنما يجازى بعقله:
وفي بيان الرتبة السامية للعقل قال أمير المؤمنين: العقول أئمة الأفكار والأفكار أئمة القلوب، والقلوب أئمة الحواس والحواس أئمة الأعضاء:
وقال الصادق: دعامة الإنسان العقل، ومن العقل الفِطنة والفَهم والحفظ والعلم، فإذا كات تأييدُ عقله من النور كان عالماً حافظاً ذكياً فطِناً فهِماً، وبالعقل يَكمُل، وهو دليله ومُبْصره ومِفتاح أمره:
فالعاقل هو الذي يتعظ بالتجارب، وهو الذي يطلب الكمال ويحرز أمره ويصدُقُ في فعله وقوله وهو الذي لا يتعدى الحدود وهو الذي يعقِل لسانه كيلا يخطأ وهو الزاهد فيما رغب به الجاهل وهو الذي إذا سكت فكّر، جعلنا الله وإياكم من المستنيرين بأنوار العقول.
الشيخ علي فقيه



