مَفَاهِيْمُ الْصيَامِ

مَفَاهيمُ الصِيَام

الصومُ وَجِهَادُ النفْس

 

 

الصومُ وَجِهَادُ النفْس

 

لا يشك أحد من المؤمنين العارفين في كون الصوم ذا علاقة بجهاد النفس الذي هو منبع الطاعات ومصدر الصالحات في الإنسان، وسبب اعتقادنا بثبوت هذه العلاقة هو أن الصوم الحقيقي الشامل لنوعيه الأكبر والأصغر لا يمكن أن يتم إلا من خلال مجاهدة النفس التي هي جامع للعديد من القوى المتناحرة داخل الإنسان الذي قد يجهل حقيقة ما يدور في داخله أثناء القيام بالطاعة، هو يشعر بصعوبة الأمر لأن الجنة محفوفة بالمكاره والصعوبات، ولكنه لا يعلم بتلك المراحل التي تمر بها نفسه ولا يدرك حجم الحجب التي يتجاوزها عند القيام بالعبادات التي يعترض طريقها إبليس وأعوانه بشتى الوسائل والأسباب والأساليب المخادعة عبر استعمال الترغيب بالشهوات والرغبات، على عكس الأمر عند قيام الإنسان بالمعصية فإن المعصية تصدر منه بكل بساطة وسهولة لأنه يجد لها اعواناً كثيرين يمهدون له طرقها وأسبابها.

وهذا البحث دقيق للغاية لأنه يغوص في أعماق النفس البشرية ويفصل بين ملائماتها ومنفراتها، ولأجل ذلك كان من الصعب أن نفهم هذه الحقيقة المخفية ظاهراً إلا من خلال تقديم مقدمات خاصة تمهد أمامنا طريق الفهم والمعرفة، وأهم ما يمكن أن نبحث عنه في هذا المجال هو مسألة قوى النفس ووظائفها المختلفة ومسألة الجهاد بالمعنى الشرعي الخاص والمعنى الشرعي العام فإن معناه الخاص هو حمل السلاح لقتال الأعداء، أما المعنى العام للجهاد فهو جهاد النفس المبحوث عن علاقته بعبادة الصوم في هذه المحاضرة.

لقد ذكر علماء النفس الإسلامي أن لهذه النفس أربع قوى مختلفة من حيث الوظيفة، ولا بأس أن نشير هنا إلى موضوع الروح أيضاً لأنه داخل في صلب الموضوع.

إن كلمتي النفس والروح من التعابير التي استعملها الكتاب المجيد في سوره المباركة وآياته الكريمة، وهما من جملة الألفاظ المشتركة، وأعني باللفظ المشترك ما يصلح للدلالة على أكثر من معنى.

فلفظ الروح.. تارة يُطلَق ويراد به الأمين جبرائيل، وتارة أخرى يطلق ويراد به الملك العظيم، وثالثة يطلق على الأمر الإلهي المقصود بقوله تعالى(تنزّل الملائكة والروح فيها) ، ورابعة يطلق على الروح التي هي مصدر الحياة في المخلوق المتحرك بالإرادة، وخامسة قد تطلق كلمة الروح ويراد بها  القرآن الكريم الذي كان لفظ الروح إسماً من أسمائه.

وكذلك لفظ النفس.. فإنه قد يطلق على القلب والروح البشرية كما يطلق ويراد به النفس بما هي ظرف للحواس الخمس.

والكلام هنا سوف يدور  حول حقيقة الروح البشرية وما يلائمها وما يتنافر معها، والتي يمكن لنا أن نسميها في بعض الأحيان بالنفس حين نقصد النفس الزكية أو الأمارة بالسوء لكي يتبادر إلى أذهاننا هذه الحقيقة دون سواها حيث لا نقصد بها ما اشتملت على الحواس المعلومة التي هي من وظائف أهل الطب والمادة، وإنما نقصد بها النفس التي هي مدار بحوث أهل العرفان ومحور كلامهم.

فالروح هي تلك القوة الخفية التي بقيت سراً من أسرار الخالق القدير، وهي المحرك لهذا الجسد الذي هو آلة يستخدمها صاحب الروح في بعض حاجاته المادية.

هذه الروح التي يعني وجودها الحياة كما يعني عدمها الموت في ذوي الأرواح، وهي التي قصدها الله تعالى في قوله الكريم(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي) وهي الروح الموجودة في الإنسان والحيوان.

وقبل أن نخوض في هذا البحث الدقيق ينبغي أن نضيف إلى تلك المقدمات أمراً آخر يسهّل علينا فهم المراد من الكلام، وهو أن القرآن الكريم عبّر في بعض المواضع عن النفس بالروح، وفي مواضع أخرى عبّر عن الروح بالنفس كما في قوله تعالى(اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى)

ومعنى هذه الآية المباركة هو أن النفس المشتملة على الحواس ترتفع أثناء النوم وهذا أمر في غاية الوضوح لأن النائم يفقد في أثناء نومه تلك الحواس الخمس، فإن كان ممن بقي من عمره أجل أعاد الله تلك الحواس إلى الجسد، وأما إذا كان من الهالكين فسوف تبقى تلك الحواس عند خالقها ثم تخرج الروح من الجسد.

النفس الزكية: وهي النفس التي تنقاد لأوامر الخالق سبحانه وتعالى ولا تخرج عن الأطر المرسومة لها في دار الإمتحان.

النفس اللوامة: وهي التي تلوم صاحبها عند ارتكابه لبعض الأخطاء، وهي النفس التي جعلها الله تعالى مورداً للقسم في بعض آياته حيث يقول(ولا أقسم بالنفس اللوامة)

النفس الأمارة بالسوء: وهي التي تحركها الأهواء والأوهام الشيطانية.

فهناك طرق محددة وعوامل خاصة هي التي تتكفل بصناعة نفس زكية تقود صاحبها إلى السعادة الأبدية ، في مقابل عوامل معاكسة لهذه هي التي تكتب الشقاء لصاحبها.

فمن أطلق العنان لنفسه ولم يضع لها حدوداً أو ضوابط خاصة فإنه لا شك سوف يخسر نفسه نتيجة لهذا الإهمال الذي كان مصدره الشيطان

الرجيم، أما إذا لاحظ تلك الضوابط وكان حكيماً في تصرفاته ومنتبهاً لوساوس الشيطان الغوي فقد كتب لنفسه السعادة.

ولكي تتجلى الفكرة أمامنا بشكل واضح لزم علينا البحث في عدة نقاط ذات علاقة مباشرة بعوامل التزكية والشقاء.

الشيخ علي فقيه

 

الشيخ علي الفقيه

قال سبحانه( واذكر ربك حتى يأتيك اليقين) إن ذكر الله عز وجل لا ينحصر بجارحة اللسان بل يجب أن ينبع من صميم القلب وتترجمه الطاعة الصادقة التي تتحقق بفعل الواجب والمستحب وبترك كافة المحرمات جعلنا الله واياكم من الذاكرين العابدين الصادقين الشيخ علي فقيه

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى