مُنْتَهَىْ الرشَادِ فِيْ الوَعْظِ وَالإِرْشَاد
قَالَ رَبِ ارْجِعُونِ

قَالَ رَبِ ارْجِعُونِ
إنه عنوان مستوحى من سورة(المؤمنون) وقد كثرت المواعظ حول هذه الفقرة، كلٌ يعظ الناس بطريقته، ولكن هناك طرقاً مقبولة، وطرقاً لا نقبل بها على الإطلاق، لأن الغاية من الموعظة هو جذب القلوب نحو الله وما عنده، لا أن نصوّر لهم الأمر وكأنه فيلم رعب، الغاية منه اللعب بمشاعر الناس، وتخويفهم مما عند الله تعالى.
لقد صُوّر فيلم يحمل هذا العنوان، وقد أخذ شهرة واسعة بين الناس وانتشر خبره في الأوساط الإسلامية وغير الإسلامية، وكنتُ أول من استنكر هذا النوع من البيان، والذي لا أعبّر عنه بالموعظة، لأنه بعيد كل البُعد عن أسلوب الوعظ الوارد في القرآن والسنّة، وعلى ألسنة العلماء.
كانت النتيجة من وراء هذا الفيلم أنه أعطى صورة وحشية عن الإسلام وتشريعاته وتقنيناته وعقائده، وأبعد المسلم عن دينه حيث زعزع له الثقة القائمة بينه وبين ربه.
إن الله تعالى بريء مما نُسب إليه في هذا الفيلم وما يشابهه من الكلام الذي يُلقى على المنابر أو يُكتب على الأوراق أو يُبث عبر الإذاعات، لأن الله تعالى رحيم بعباده ولطيف بهم، ورحمته سبقت غضبه، فلقد وعد الله الجنة للمؤمنين، وواعد العذاب للكافرين، وقد بيّن لهم ذلك بصورة خاصة تُظهر غضب الله على الكفر وأهله، ولكن ليس بمثل تلك الطريقة المنفرة.
وإن كلامي حول هذه الأساليب هو بحد ذاته موعظة لأنه يحمل معنى الموعظة وأهدافها.
قال تعالى في سورة المؤمنون(حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ * فَمَن ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُوْلَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنفُسَهُمْ فِي جَهَنَّمَ خَالِدُونَ * تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ)
إن ظاهر الآية الأولى يدل على كون الخطاب موجّهاً إلى الذين قصّروا بواجباتهم تجاه الله عز وجل، وأهملوا الأحكام الإلهية حتى أتاهم الموت بغتة فندموا حيث لا ينفع الندم، وتحسروا على كل لحظة ضيعوها من دون عمل صالح حيث أدركوا بعد الموت أهمية هذا العمل الذي به ينجو الإنسان من أهوال يوم القيامة ويدخل الجنة.
فلا داعي لأن يخاف الإنسان المؤمن من هذه الموعظة لأن المؤمنين المخلصين لا خوفٌ عليهم ولا هم يحزنون في جميع المراحل التي سوف يمرون بها إذ لا يرضى الله تعالى بالخوف لعباده الصالحين، فهم في مأمن دائم وحصن حصين.
أما غير المؤمن فلا بد وأن يطلب هذا الطلب علّه يجد فرصة أخرى تنجيه من عذاب الله تعالى، فلا يستجاب له حيث انقطع العمل بالموت وفاتته تلك الفرصة التي كان أمدها طويلاً فلم يستغلها ولم يعبأ بها إلى أن أتى الموت المانع من العمل.
وأما المؤمن فربما يطلب ذلك أيضاً، ولكن ليس خوفاً من العقاب بل طمعاً بالمزيد من الثواب، وهذا تعبير عن فرحة المؤمن وطمعه بكرم الله عز وجل، ولا عيب في مثل هذا الطمع.
فلو طلب الإنسان المؤمن وغير المؤمن مثل هذا الطلب ألف مرة فلن يستجاب له لأن الله تعالى خلق نظاماً دقيقاً للإمتحان والعمل، ولا يخرج عز وجل عن هذا النظام مهما كان الوضع حرجاً، ولهذا حسم الله الموقف مبيناً لنا ضرورة استغلال الفرصة في أقرب وقت ممكن كيلا يأتينا الموت فجأة كما يأتي الكثير من الناس وهم عنه غافلون، ويحثنا على أن نتفكر بأننا نحن الذين فارقنا الحياة وطلبنا هذا الطلب وجاء الرد بالمنع، فلنتخيل بأننا متنا ثم بعثنا الله تعالى وأعطانا فرصة جديدة، فلا ينبغي أن نضيع هذه الفرصة كما ضيعها كثير ممن ماتوا وخسروا بموتهم كل شاء حيث حُدّد لهم مصيرهم عند الموت لأن الملائكة الذين يأتون لقبض روح الإنسان إما أن يأتوا ببشرى الرحمة أو ببشرى العذاب، وعلى الإنسان أن يختار ويحدد موقعه في يوم القيامة فإن بإمكانه أن يرسم طريقه التي توصله إلى الجنة أو الطريق التي تؤدي به إلى النار.
لقد أتى الرد من الله تعالى واضحاً وصريحاً وحاسماً(كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ) فبعد أن ينزل حكم الموت على الإنسان تنتقل روحه إلى مرحلة البرزخ الفاصلة بين الدنيا والآخرة، فتمكث في تلك المرحلة ما شاء الله إلى أن يقوم الناس لرب العالمين(فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءلُونَ) أي أنه عندما يقوم الناس للحساب فلا يتعرف أحد على أحد بل ولا ينظر أحد إلى أحد، كلٌ ينتظر نتيجة الحكم عليه لأنه موقف رهيب وعظيم، فلا يشفع أحد لأحد إلا من ارتضى الله عز وجل، ولا ترأف أم بولدها ولا والد يُغني عن ولده شيئاً، وقد صوّر الله لنا هذا الموقف العظيم حيث قال(يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَّا يَجْزِي وَالِدٌ عَن وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَن وَالِدِهِ شَيْئًا إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَلَا تَغُرَّنَّكُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَلَا يَغُرَّنَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ) وقال سبحانه(فَإِذَا جَاءتِ الصَّاخَّةُ * يَوْمَ يَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ أَخِيهِ * وَأُمِّهِ وَأَبِيهِ * وَصَاحِبَتِهِ وَبَنِيهِ * لِكُلِّ امْرِئٍ مِّنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ)
هناك في يوم الحساب لا حساب للنسب ولا للقرابة، ولا تنفع الوسائط، ولا الأحزاب، ولا الجيوش، ولا الرؤساء والملوك لأنهم سيكونون أحوج من غيرهم للعون.
فلنعمل من أجل النجاة قبل أن تنقطع الفرصة، ولنتزود من العمل الصالح فهو الأمر الوحيد الذي ننتفع به في ذلك اليوم العظيم، فتعالوا معاً نقرأ موعظة كبرى لأمير المؤمنين علي(ع) عندما وجّه خطاباً لأهل القبور وهو يقصد الأحياء حيث قال:أما والله لو أُذن لهم بالكلام لأخبروكم أنّ خير الزاد التقوى: وفي موضع آخر قال(ع): أَصْبَحَتْ أَصْوَاتُهُمْ هَامِدَةً، وَرِيَاحُهُمْ رَاكِدَةً، وَ أَجْسَادُهُمْ بِالِيَةً، وَدِيَارُهُمْ خَالِيَةً، وَآثَارُهُمْ عَافِيَةً، فَاسْتَبْدَلُوا بِالْقُصُورِ الْمُشَيَّدَةِ، وَالنَّمارِقِ الْمُمَهَّدَةِ، الصُّخُورَ وَالْأَحْجَارَ الْمُسَنَّدَةَ، وَالْقُبُورَ اللاَّطِئَةَ الْمُلْحَدَةَ، الَّتي قَدْ بُنِيَ عَلَى الْخَرَابِ فِنَاؤُهَا، وَشُيِّدَ بِالتُّرَابِ بِنَاؤُهَا، فَمَحَلُّهَا مُقْتَرِبٌ، وَسَاكِنُهَا مُغْتَرِبٌ، بَيْنَ أَهْلِ مَحَلَّةٍ مُوحِشِينَ، وَأهْلِ فَرَاغٍ مُتَشَاغِلِينَ، لاَيَسْتَأْنِسُونَ بِالْأَوْطَانِ، وَلاَ يَتَوَاصَلُونَ تَوَاصُلَ الْجِيْرَانِ، عَلَى مَا بَيْنَهُمْ مِنْ قُرْبِ الْجِوَارِ، وَدُنُوِّ الدَّارِ، وَكَيْفَ يَكُونُ بَيْنَهُمْ تَزَاوُرٌ، وَقَدْ طَحَنَهُمْ بِكَلْكَلِهِ الْبِلَى، وَأَكَلَتْهُمُ الْجَنَادِلُ وَالثَّرَى وَكَأَنْ قَدْ صِرْتُمْ إِلَى مَا صَارُوا إِلَيْهِ، وَارْتَهَنَكُمْ ذَلِكَ الْمَضْجَعُ، وَضَمَّكُمْ ذَلِكَ الْمُسْتَوْدَعُ، فَكَيْفَ بِكُمْ لَوْ تَنَاهَتْ بِكُمُ الْأُمُورُ، وبُعْثِرَتِ الْقُبُورُ: (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ وَرُدُّوا إِلَى اللهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ ما كَانُوا يفْتَرُون):
الشيخ علي فقيه



